Quantcast
2026 أكتوبر 8 - تم تعديله في [التاريخ]

أكتوبر المرأة في زمن أول رئيسة للحكومة… هل تتساوى الكفتان أم تبقى المناصفة شعارًا؟

من التعيين التاريخي لفاطمة الزهراء المنصوري إلى امتحان توزيع الحقائب الوزارية… هل يكون أكتوبر 2026 بداية مرحلة جديدة لإنصاف المرأة المغربية، أم تستمر الاحتفالات الموسمية وتبقى الاختلالات قائمة؟


الكاتب بوشعيب حمراوي
الكاتب بوشعيب حمراوي
*بقلم: بوشعيب حمراوي*

لم يكن شهر أكتوبر من هذه السنة عاديًا بالنسبة إلى المرأة المغربية، ولم يكن مجرد شهر تتزاحم فيه الأيام الوطنية والدولية المخصصة للاحتفاء بالنساء والفتيات، والتذكير بحقوقهن ومعاناتهن وتضحياتهن ومطالبهن المشروعة، بل جاء هذه المرة محمّلًا بحدث سياسي وتاريخي غير مسبوق، تمثل في تعيين الملك محمد السادس، يوم 29 شتنبر 2026، فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، لتصبح أول امرأة مغربية تتولى هذا المنصب منذ استقلال المملكة، وتفتح بذلك صفحة جديدة في تاريخ المشاركة النسائية في تدبير الشأن العام.

حدث يستحق الوقوف عنده، ليس فقط لأنه كسر تقليدًا سياسيًا جعل رئاسة الحكومة حكرًا على الرجال لعقود طويلة، وإنما لأنه يضع المغرب أمام امتحان أكثر عمقًا من مجرد إسناد أعلى مسؤولية حكومية إلى امرأة، امتحان يتعلق بمدى قدرة هذا التحول على الانتقال من رمزية التعيين إلى واقع المناصفة، ومن الاعتراف بكفاءة امرأة واحدة إلى الاعتراف بالكفاءات النسائية في مختلف مواقع القرار، ومن الاحتفاء بصورة رئيسة الحكومة إلى تحسين أوضاع ملايين المغربيات اللواتي ينتظرن نصيبهن من العدالة الاجتماعية والاقتصادية والمجالية.

فهل نحن أمام بداية مرحلة تتعادل فيها كفتا الرجال والنساء داخل الحكومة ومختلف مؤسسات الدولة؟ وهل يمكن أن تميل الكفة لصالح النساء في بعض مواقع المسؤولية، بعدما ظلت مائلة لصالح الرجال طيلة عقود؟ أم أن المرأة المغربية ستظل مطالبة بالاكتفاء بالفخر بوصول واحدة منها إلى القمة، بينما تبقى الغالبية الساحقة من النساء خارج دوائر التأثير والقرار؟

◆ أكتوبر… شهر يحتفي بالنساء أكثر مما ينصفهن

يحمل العاشر من أكتوبر اليوم الوطني للمرأة المغربية، ويتزامن مع اليوم العالمي للصحة النفسية، بما يتيحه من فرصة لطرح معاناة النساء النفسية المرتبطة بالعنف والضغوط الأسرية والمهنية والاجتماعية، ثم يأتي الحادي عشر من أكتوبر، اليوم الدولي للطفلة، ليذكّر العالم بحق الفتيات في التعليم والحماية والطفولة الآمنة، قبل أن يحل الخامس عشر من الشهر نفسه، اليوم الدولي للمرأة القروية، الذي يستحضر تضحيات نساء الحقول والجبال والقرى والدواوير، ودورهن الكبير في الإنتاج الفلاحي واستمرار الحياة الأسرية.

ولا تتوقف المناسبات عند هذا الحد، إذ يحل الثامن عشر من أكتوبر، اليوم العالمي للتوعية بانقطاع الطمث، ثم العشرون منه، اليوم العالمي لهشاشة العظام، والتاسع والعشرون، اليوم الدولي للرعاية والدعم، فضلًا عن امتداد شهر أكتوبر الوردي للتوعية بسرطان الثدي، وما تطرحه المناسبات المرتبطة بالفقر والشيخوخة والأمن الغذائي من قضايا تهم النساء بصورة مباشرة.

ويزداد هذا الزخم دلالة مع إعلان الأمم المتحدة سنة 2026 سنة دولية للمرأة المزارعة، اعترافًا بمساهمتها في الاقتصاد والإنتاج الغذائي والتنمية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما الذي يبقى من كل هذه المناسبات بعدما تنتهي الندوات، وتُطوى اللافتات، وتُلتقط الصور التذكارية، ويعود المسؤولون إلى مكاتبهم، وتعود النساء إلى مواجهة المشكلات نفسها؟

إن كثيرًا من هذه الأيام يمر مرور الكرام، أو يتحول إلى أنشطة بروتوكولية وشعارات استهلاكية، حيث تُوزع الورود والشهادات، وتُلقى الخطب التي تمجّد المرأة والأم والزوجة والأخت والابنة، دون أن ترافقها قرارات عملية أو برامج قابلة للتقييم، وكأن المرأة تحتاج إلى مزيد من الثناء بدل مزيد من الحقوق والفرص والضمانات.

فالمرأة لا تحتاج إلى يوم نحتفي فيه بصبرها على المعاناة، بقدر ما تحتاج إلى سياسات تنهي أسباب تلك المعاناة.

◆ المنصوري… هل تفتح رئاسة الحكومة باب المناصفة؟

يأتي تعيين فاطمة الزهراء المنصوري في لحظة سياسية تضع الأحزاب أمام مسؤولية حقيقية، إذ لا يكفي أن يقبل الجميع برئاسة امرأة للحكومة، بينما يستمر توزيع الحقائب الوزارية وفق منطق يجعل الرجال يستحوذون على معظم مواقع السلطة والتدبير، وتُمنح النساء حقائب محدودة العدد أو التأثير، وكأن حضورهن ضرورة لتجميل الصورة وليس مشاركة متكافئة في صناعة القرار.

لقد نص الفصل التاسع عشر من الدستور المغربي على تمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات، وعلى سعي الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بينهما، وهو مقتضى دستوري ينبغي أن يجد طريقه إلى الممارسة المؤسساتية، دون الادعاء بأنه يفرض تلقائيًا نسبة حسابية محددة في كل تشكيلة حكومية.

واليوم، بينما تستمر المشاورات لتشكيل الحكومة الجديدة، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت الأحزاب المتفاوضة ستقدم كفاءات نسائية لتولي حقائب استراتيجية، أم ستواصل تقديم الأسماء الرجالية باعتبارها الاختيار الطبيعي للمناصب الكبرى.

لماذا لا يتسع حضور النساء على رأس القطاعات الاستراتيجية، مثل الاقتصاد والمالية، التي سبق أن تولتها نادية فتاح، والداخلية والتجهيز والفلاحة وغيرها من القطاعات ذات التأثير الاقتصادي والاجتماعي الكبير، متى توفرت الكفاءة والشروط المطلوبة؟ ولماذا يظل حضور النساء في عدد من مواقع المسؤولية استثناءً يحتاج إلى التبرير، بينما يُعتبر حضور الرجال أمرًا بديهيًا لا يستدعي أي نقاش؟

ثم من قال إن المناصفة يجب أن تكون سقفًا لا يمكن تجاوزه؟ ولماذا لا نتصور حكومة تضم وزيرات أكثر من الوزراء، إذا توفرت الكفاءات وتوافقت الاختيارات السياسية والمؤسساتية مع متطلبات التدبير؟

ليس المطلوب قلب التمييز لصالح جنس ضد آخر، وإنما إنهاء منطق يعتبر الرجل الأصل والمرأة الاستثناء، واعتماد الكفاءة والنزاهة والقدرة على التدبير، مع إزالة الحواجز التي حرمت النساء طويلًا من فرص متكافئة للوصول إلى المسؤولية.

◆ البرلمان يكشف المسافة المتبقية

لقد أفرزت الانتخابات التشريعية الأخيرة، المنظمة في 23 شتنبر 2026، وصول 107 نساء إلى مجلس النواب من أصل 395 عضوًا، أي حوالي 27 في المائة، مقابل 96 نائبة سنة 2021.

ورغم أهمية هذا التطور العددي، فإن 90 من النائبات وصلن عبر المقاعد الجهوية المخصصة للنساء، بينما تمكنت 17 امرأة فقط من الفوز في الدوائر المحلية المفتوحة للتنافس بين الجنسين.

وهي أرقام تكشف أن الطريق نحو المناصفة ما زال طويلًا، وأن الأحزاب السياسية مطالبة بمراجعة طرق انتقاء المرشحين وتوزيع التزكيات، خصوصًا في الدوائر التي تتيح فرصًا حقيقية للفوز، بدل الاكتفاء بالدفاع عن المشاركة النسائية في الخطابات والبرامج الانتخابية.

فكيف نطالب المجتمع بالإيمان بقدرات المرأة، بينما تتردد بعض التنظيمات السياسية في منحها فرص القيادة والتنافس؟ وكيف نحتفي بوصول امرأة إلى رئاسة الحكومة إذا لم يتحول هذا الحدث إلى مناسبة لمراجعة الاختلالات التي تحد من الحضور النسائي في البرلمان والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية؟

◆ التلميذات والطالبات يتفوقن في التحصيل العلمي… فلماذا تنقلب الموازين عند الولوج إلى عالم الشغل؟

ولعل من أبرز المفارقات التي تستحق أن تتوقف عندها الحكومة المرتقبة، وكل المؤسسات المسؤولة عن التربية والتكوين والتشغيل، ذلك التفوق الدراسي اللافت الذي تحققه التلميذات والطالبات المغربيات، والذي لم يعد مجرد انطباع شخصي أو ملاحظات معزولة داخل الأقسام والمدرجات الجامعية، بل أصبح حقيقة تؤكدها نتائج الامتحانات الوطنية ومؤشرات التعليم العالي.

فقد أظهرت نتائج الدورة العادية للبكالوريا لسنة 2026 أن الإناث شكلن 59 في المائة من مجموع الناجحين الممدرسين، وبلغت نسبة النجاح في صفوفهن 68.7 في المائة، مقابل 60 في المائة لدى الذكور.

وهي مؤشرات تضاف إلى ما تسجله المؤسسات التعليمية من نماذج مشرفة في الاجتهاد والمواظبة والانضباط والسلوك المسؤول، دون أن يعني ذلك التعميم على جميع التلميذات والتلاميذ.

والأمر لا يتوقف عند التعليم المدرسي، بل يمتد إلى الجامعة، حيث أظهرت معطيات رسمية لسنة 2023 أن الطالبات شكلن 53.6 في المائة من مجموع طلبة التعليم الجامعي العمومي، وأن المعدل الظاهري للتخرج بسلك الإجازة بلغ 41.5 في المائة لدى الإناث، مقابل 32 في المائة لدى الذكور.

وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: كيف تتقدم الفتاة المغربية في قاعات الدراسة والامتحانات، ثم تتراجع حظوظها في عالم الشغل والترقي المهني والوصول إلى مراكز القرار؟ وكيف تتحول المتفوقة دراسيًا، والحاصلة على الشهادات والمؤهلات، إلى باحثة عن فرصة قد لا تجدها، بينما تستمر المؤسسات في الحديث عن نقص الكفاءات؟

وتزداد المفارقة وضوحًا عندما نعلم أن معدل البطالة لدى النساء الحاصلات على شهادات التعليم العالي بلغ 33.5 في المائة سنة 2023، مقابل 20 في المائة لدى الرجال من الفئة نفسها.

إنها أرقام تفرض مساءلة عميقة حول ما يحدث بين باب الجامعة وباب المقاولة والإدارة والمؤسسة المنتخبة، وحول تأثير الصور النمطية والأعباء الأسرية وشروط التشغيل وضعف خدمات الرعاية وصعوبات التوفيق بين الحياة المهنية والعائلية، فضلًا عن الاختلالات الاقتصادية التي تحد من فرص العمل لدى الجنسين، لكنها تنعكس بصورة أشد على النساء.

وإذا كانت المدرسة والجامعة قد أثبتتا قدرة الفتيات على المنافسة والتفوق، فإن المطلوب أن يوفر المجتمع ومؤسساته الفرص العادلة التي تسمح باستمرار هذا التفوق بعد التخرج.

فلا يعقل أن نحتفي بالتلميذة المتفوقة وهي تتسلم جائزة الامتياز، ثم لا نهتم بمصيرها عندما تحمل شهادتها وتبحث عن عمل، ولا أن نشجع الفتيات على الاجتهاد والتحصيل العلمي، ثم نبقي أبواب القيادة والمسؤولية أضيق أمامهن.

إن الامتحان الحقيقي للمناصفة لا يبدأ عند تعيين امرأة رئيسة للحكومة، ولا ينتهي عند حصول فتاة على أعلى معدل دراسي، بل يتحقق عندما تصبح الكفاءة التي نكافئها داخل المدرسة والجامعة هي نفسها التي نعترف بها عند التوظيف والترقية وإسناد المسؤوليات.

◆ ليست المناصفة في الوزارات وحدها

إن القيمة التاريخية لتعيين أول رئيسة للحكومة لن تُقاس فقط بعدد النساء اللواتي سيجلسن حول طاولة المجلس الحكومي، بل أيضًا بمدى انعكاس السياسات العمومية على أوضاع المغربيات خلال الولاية المقبلة.

فبحسب المندوبية السامية للتخطيط، لم يتجاوز معدل نشاط النساء بالمغرب 19 في المائة سنة 2025، مقابل 68.5 في المائة لدى الرجال، وهي فجوة كبيرة تطرح أسئلة حول فرص الشغل والاستقلال الاقتصادي، والعوائق الاجتماعية والمؤسساتية، وعدم الاعتراف الاقتصادي بالكثير من الأعمال المنزلية وأعمال الرعاية غير المؤدى عنها.

ولا يمكن تصور إنصاف حقيقي للمرأة دون معالجة أوضاع العاملات في المصانع والحقول والمنازل، ومواجهة الهشاشة الاقتصادية، وتحسين الحماية الاجتماعية، وضمان شروط العمل اللائق، والحد من التفاوت في الأجور والفرص المهنية.

كما لا يمكن اختزال قضية المرأة في مشاركة النخب النسائية في السلطة، بينما توجد نساء قرويات يواجهن صعوبات التنقل والعلاج والتعليم والحصول على الماء، وفتيات مهددات بالهدر المدرسي والزواج المبكر، وأمهات معيلات يتحملن مسؤوليات أسرية ثقيلة، ونساء مسنات يواجهن المرض والعزلة وضعف الموارد.

إن المرأة المغربية ليست فقط الوزيرة والبرلمانية والمديرة والقاضية والطبيبة والأستاذة والمهندسة، وإنما هي أيضًا الفلاحة والعاملة والخادمة والتاجرة الصغيرة والأرملة والمتقاعدة وربّة البيت، ولكل واحدة منهن حق في الحماية والاحترام والكرامة والإنصاف.

◆ هل تميل كفة النساء خلال الولاية الحكومية المقبلة؟

هذا هو السؤال الذي يستحق أن يشغلنا خلال السنوات المقبلة، بعيدًا عن التوقعات المتسرعة والاحتفاء المسبق بنتائج لم تتحقق بعد.

فنجاح تجربة رئاسة امرأة للحكومة ينبغي ألا يُختزل في نجاح شخصي أو حزبي، وإنما في قدرة المؤسسات والسياسات على توسيع فرص المشاركة والتمكين، وإرساء مؤشرات واضحة لقياس تطور أوضاع النساء في التعليم والصحة والتشغيل والسكن والاقتصاد والثقافة والرياضة والإعلام والعمل الجمعوي والسياسي.

وسيكون من المفيد أن تقدم الحكومة المرتقبة حصيلة سنوية حول التقدم المحرز في المناصفة، لا تكتفي بعدّ الوزيرات والمسؤولات، بل تقيس كذلك نسب مشاركة النساء في سوق الشغل، ووصولهن إلى المناصب القيادية، واستفادتهن من التمويل والمشاريع الاقتصادية، ومدى تقدم برامج حماية النساء من العنف، وتحسين صحة الأمهات، ومحاربة الهدر المدرسي لدى الفتيات.

ولا ينبغي تحميل رئيسة الحكومة وحدها مسؤولية تغيير واقع اجتماعي راكم اختلالاته لعقود، فالأمر يتعلق بمسؤولية الدولة والمؤسسات والأحزاب والنقابات والجمعيات والأسر ووسائل الإعلام، وبضرورة انخراط الرجال أنفسهم في بناء مجتمع لا يتأسس على صراع الجنسين، وإنما على المساواة في الحقوق والواجبات وتقاسم المسؤوليات.

كما أن المرأة التي تقود الحكومة مطالبة، شأنها شأن أي رئيس حكومة، بالعمل لخدمة جميع المواطنات والمواطنين، لا أن تتحول إلى ممثلة لجنس دون آخر، لأن جوهر المناصفة هو توسيع العدالة لا إنتاج امتيازات جديدة.

◆ أكتوبر 2026… من الاحتفال بالمرأة إلى اختبار إنصافها

قد يكون أكتوبر هذه السنة مناسبة مختلفة عن سابقاتها، ليس لأنه سيشهد احتفالات أكثر أو شعارات جديدة، وإنما لأنه يأتي والمغرب يعيش لحظة تاريخية وضعت امرأة على رأس السلطة التنفيذية، وفتحت نقاشًا مشروعًا حول ما إذا كان هذا التحول سيجد امتداده في بنية الحكومة وفي مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع.

لكن التاريخ لا يُكتب بالتعيينات وحدها، ولا تُصنع التحولات الكبرى بمجرد تغيير الوجوه، وإنما بما تحدثه القرارات والسياسات من أثر في حياة الناس.

إننا لا نريد أن تصبح فاطمة الزهراء المنصوري مجرد اسم نسائي يُضاف إلى سجل الشخصيات التي تولت المناصب العليا، بل أن يكون هذا الحدث مناسبة لقياس مدى استعداد المؤسسات والأحزاب والمجتمع لتوسيع حضور النساء في مواقع القرار، والانتقال من المناصفة المنشودة إلى خطوات عملية تقربنا منها.

نريد أن تنتهي عادة الاحتفاء الموسمي بالنساء، وأن تتحول المناسبات الوطنية والدولية إلى محطات للمحاسبة والتقييم، حيث تُسأل كل مؤسسة عما أنجزته لصالح حقوق المرأة، وكل حزب عن فرص القيادة التي منحها للنساء، وكل جماعة ترابية عن الخدمات التي وفرتها للفتيات والنساء، وكل قطاع حكومي عن مدى إدماجه للمساواة في برامجه وميزانياته.

فلا معنى لأن تتولى امرأة رئاسة الحكومة، بينما تبقى أخريات عاجزات عن الوصول إلى أبسط حقوقهن، ولا قيمة لمناصفة تزيّن المؤسسات الكبرى إذا ظلت بعيدة عن المدرسة والمستشفى والمعمل والحقل والبيت.

ولذلك فإن الرهان الحقيقي ليس أن نفتخر بوجود امرأة تقود الحكومة وحسب، وإنما أن يصبح وجود النساء في أعلى المسؤوليات أمرًا طبيعيًا، وأن تتمكن كل فتاة مغربية، مهما كان أصلها الاجتماعي أو مجال عيشها، من التعلم والعمل والطموح والوصول إلى المواقع التي تؤهلها لها قدراتها وكفاءتها.

لقد صار للمغرب، لأول مرة في تاريخه، امرأة على رأس الحكومة، لكن السؤال الأكبر هو: هل ستنجح المرحلة المقبلة في جعل النساء شريكات متكافئات في القرار والثروة والتنمية، أم سنواصل تخصيص الأيام للاحتفاء بهن، بينما تظل الموازين مختلة بقية السنة؟

إن أول رئيسة للحكومة حدث تاريخي، لكن المناصفة الحقيقية ستكون إنجازًا أعمق، إذا انتقلت من قمة هرم السلطة إلى عموم المجتمع.

فالمرأة المغربية لا تطالب بأن تتقدم على الرجل لأنه رجل، ولا بأن يتراجع الرجل لأنها امرأة، وإنما تطالب بأن تزول الحواجز التي تمنع الكفاءة من الوصول، والحقوق من التحقق، والكرامة من أن تكون نصيب الجميع.

وحين يتحقق ذلك، لن نحتاج إلى شهر كامل لنذكّر المجتمع بقيمة المرأة… لأن حضورها وحقوقها وإنجازاتها ستكون واقعًا يوميًا، لا مناسبة عابرة في الروزنامة.

إنصاف المرأة المغربية من مواقع القرار إلى الحياة اليومية
إنصاف المرأة المغربية من مواقع القرار إلى الحياة اليومية

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار