2026 يوليو/جويلية 10 - تم تعديله في [التاريخ]

ألْعَبُ كُرة القلمْ !

افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليوم الخميس 9 يوليوز 2026


العلم - محمد بشكار

ألعَبُ كرة القلم، منذ أدركني الوعي المُبكِّر للألم، لا أذكر هل حين أقْلعتُ من الجذور بأول ضرس، أم حين أخطأت الطريق إلى عقلي ضالا في أهواء قلبي، فلقنتني الحياة أقسى درس، ولكنني لم أستسلم، وما زلت ألعب كرة القلم، وكل أهدافي أحرزتها في شباكي، ليس ضعفا ولكن لأني أعرف أن النتيجة محسومة سلفا لصالح الخصم، كيف لا وهو يلعب الكرة بقلمي، تماما كما يلوك البعض الثوم بفمي، ناهيك أن كل الأحكام منسوجة على المقاسات المغشوشة لبعض اللجن، ومن يتساءل ما لها في زمننا الثقافي الأغبر، صارت تتشكل بكل هؤلاء المتكررين الأقزام، ما عليه إلا أن ينظر لمصير محترفي كرة القلم الحقيقيين، سيجدهم آثروا التواري كأي شمس تبزغ في الظلال، وإلا ما قيمة الشخص، إذا صار في الأيادي المرتعشة للقصبات، مجرد شصٍّ لاصطياد ضفدع هزيل بمستنقع، ما جدواه إذا كان سيلعب دور اللاعب والمتفرج في قناع واحد، وعوض أن تنصف بعض اللجن الإبداع الحقيقي، تجني عليه بأسوء المحن !
 
ألعب كرة القلم، أراوغ الأيام بما أوتيتُ من سِحْر الكلام، فينقلبُ السِّحْر على الشاعر، ولكن لا ضيْر أن أربح نفسي ولو كان الشعر هو الخاسر، المهم أن يستمر اللاعب أو الكاتب في دحرجة الكرة إلى أعلى، أن يتجاوز في اللعب حيز العشب حيث يكلأ القطيع، أن لا يستهين بالرُّكْنيات فالغدر يأتي غالبا من الهامش، يا للوحة الساعة الإلكترونية المُسلّطة أعلى المدرجات على الرقاب، انتهت المباراة ولا أحد ممن أهدروا لأجلها الأنفاس والإحساس، عاش الحياة، ترى هل يحتسب القَدر من العمر الوقت بدل الضائع، فهو الحَكم الأول والأخير، وها نحن في آخر المباراة أو نهاية الحياة، نتلقى من الخريف أكثر من بطاقة صفراء، ومع ذلك أمرُّ كل مساء بجزّار الحي، وأسأله أن يساعدني في الحفاظ على روحي الرياضية، بأنْ يودعها إلى أجل غير مسمى في ثلاجته شديدة التبريد، وحين يفتح أبوابها الضخمة بسِعة اندهاشي على مرأى العالم، أجد أن الجثث قد سبقتني إلى الازدحام في رفوف هذه الثلاجة، فأنصرف بروحي الرياضية، لا أتركها شاغرة عن الأمل، أعانق بها على الأقل لاعبا هزمني في غيابي!
 
ألعب كرة القلم، بدأت مساري مع الهواة في نوادي الشباب الورقية، لأحترف في ما بعد بنادي جريدة العلم، لم أكن وأنا غض طري، بسعة الرؤية الكافية لأدرك أن أي قارب أشكِّله من ورق، لن يكون سكرانا كقارب آرثر رامبو، إنما مآله بعد أن أمخر على متنه في حلم مستحيل، هو التسمُّم بأول قطرة حبر حدّ الغرق، لحسن الحظ أن المباراة كانت ما زالت في بدايتها، والحَكم أيقظني من الحلم بصفّارة الإنذار قبل أن أحترق!
 
ألعب كرة القلم، وأوثر الجناح الأيسر، هناك مكمن القلب على امتداد خط التّماس، هناك أركض بجوار المدرجات قريبا من الناس، عين على الكرة تتقافز في العشب، وأخرى تقيس في الجمهور نبض الشعب !

ملحق "العلم الثقافي" ليوم الخميس 9 يوليوز 2026




في نفس الركن