*بقلم: الدكتور مصطفى بلعوني*
التجربة النرويجية: من الدولة الاجتماعية إلى دولة الرفاه الشامل بواسطة قانون مبدأ "يانتي" لعالم الاجتماع النرويجي Aksel Sandemose: "أنت لست الأحسن" – "Tu N'es pas Le Meilleur" في ثلاثينات القرن الماضي..
خلقت الأزمة الاقتصادية العالمية 1929 تحولات عميقة في المجتمعات ولدى الشعوب في العالم، وخاصة المجتمعات الأوروبية والأمريكية، وأثرت سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وأدت إلى أزمة لم يشاهدها العالم المعاصر في القرن العشرين. وأوصلت إلى الحكومات الأحزاب المتطرفة والتقليدية الهوياتية المتشبعة بمفهوم الوطنية والهوية، وتقديس المجال الحيوي الترابي، وواصلت الحكومات بقيادة هذه الأحزاب من نسف جميع الالتزامات والاتفاقيات والمعاهدات الدولية في السابق، وخاصة المعاهدات التي خرجت من قصر فرساي بفرنسا، منها معاهدة سان ريمو 1920 في فرنسا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى 1914 م – 1918 م.
وخاصة في المجتمعات الجرمانية، الألمانية المجرية النمساوية، واعتبرت أن ما فرض عليهم إهانة للشعب الجرماني من طرف فرنسا وحلفائها، وخاصة عندما وصلت الأحزاب القومية مثل هتلر في ألمانيا، وموسوليني في إيطاليا، إلى الحكم، وزادت الأزمة الاقتصادية من تأزيم المجتمعات، وكثرة البطالة، وأفلست كثير من المعامل والمصانع، وتعرضت اليد العاملة إلى العطالة التقنية. وتوقفت المشاريع التنموية، وأصبح الكساد في المجتمع. وقد أفلست العملة، وأصاب الاقتصاد التضخم.
ففي هذه الظروف برز عالم الاجتماع النرويجي الدانماركي اكسال ساندي روس Aksel Sandrose بمقولة جاءت في روايته بعنوان "هارب عبر المسار المتصالب"، حيث قال: "لا تعتقد أنك الشخص المميز"، و"لا تعتقد أنك أفضل من الآخرين"، وقال: "أنت لست الأحسن"، وذلك في عام 1933 م، أيام الأزمة الاقتصادية العالمية.
وقد قام أحد الباحثين الاجتماعيين بتوظيف هذه المقولة وحولوها إلى البحث في علم الاجتماع، كما حولوها إلى قانون سمي "بقانون مبدأ يانتي"، وشعاره "أنت لست الأحسن"، ولكن نحن الأفضل مع بعضنا، وخاصة عالم الاجتماع جون جارفيلد Jun Jervell.
وقد بدأت الأبحاث الميدانية في كل المجتمعات الاسكندنافية في أربعينات القرن العشرين، حيث أثر قانون "مبدأ يانتي" على التنمية الاجتماعية، وحولوه إلى السؤال إلى تهديف التنمية الاجتماعية، خاصة تم تفكيك المجتمع الاسكندنافي وتحليل عناصره وميكانيزماته وفك عقده النفسية، وتجاوز كل ما هو سيئ مثل الحقد والحسد والغرور والكراهية والميز العنصري، وتجاوز الأنا لصالح "فكر النحن".
وتجاوز التمركز حول "الأنا" والذات، أي التمركز حول الضمير، ونحن الضمير الجمعي والجماعي. تم تجاوز خاصية "تمركز المعرفة" في إطار نزعة التفوق المؤدية إلى تدمير الجماعة والتضامن والتعاضد، تحت شعار: "لا تعتقد أنك تعرف أكثر منا".
وتحول هذا الشعار إلى المؤسسات والأجهزة وكل مفاصل الدولة، وساد شعور "الكل واحد والواحد في الكل". وانتشرت ثقافة المساواة والاعتراف بالآخر، واعتبار الفرد ضمن نسقية دينامية الجماعة. وبدأ الإنسان يشعر بالاستقرار النفسي والاجتماعي، وأصبحت كل المناصب والمكاسب مفتوحة بدون تمييز، لأنك "لست أنت الأحسن"، "لأننا كلنا واحد والواحد للجميع".
لأن النفس المملوءة بالتفوق تكون مملوءة بالضغينة وعدم خدمة الآخر، ولهذا لا تسود خصال التعاون والتآزر وسيادة العدالة الإنسانية، تم الاجتماعية والمجالية، لكي يتعامل الناس سواسية في المجتمع.
وعلى أساس هذا الهدف تشكلت جبهة من المفكرين في علم الاجتماع والأدب والتاريخ وعلم النفس، يروجون لهذه الثقافة، حتى أصبحت مغروسة في المجتمعات الاسكندنافية. وحولوها إلى التنمية الاجتماعية، ودفعوا المجتمع المدني بإنشاء المشاريع الصغرى في شق الطرقات، وحفر الآبار، وبناء المستوصفات والمراكز الصحية، ودور الرعاية الاجتماعية، كما قاموا بتشييد اقتصاد الرعاية، وتشجيع التعاونيات، وانخرط الجميع في التنمية، وأصبح المجتمع مثل خلية النحل، لا فروقات داخل المجتمع.
وتغيرت نظرة الإنسان لأخيه الإنسان في المجتمع، واحترمت الأعمال التي كانت متدنية، وأصبحت محترمة ومعترفا بها، مثل التنظيف والكنس. وانقلب المجتمع في ظرف عقدين من الزمان.
واعتمد هؤلاء المفكرون والباحثون في أعمالهم على التعليم الأساسي، بدءا برياض الأطفال وتعميمه، والإجبارية ومجانيته، وخاصة في الأحياء الهامشية والفقيرة. تم التعليم في المستويات الأولى من الابتدائي، ووفروا النقل والمطعم المدرسي، ونشروا هذه الأفكار والشعارات وسط التلاميذ والطلاب: "أنت لست الأحسن"، "نحن جميعا الأفضل"، وتم نشر المحبة والوئام والتعاون وسط الجماهير التلاميذية.
وأعادوا صياغة البرامج الدراسية والتي تتماشى مع هذه التحولات والأفكار، فقاموا بتنمية الإنسان والفرد، واعتنوا بالمرأة في الأرياف التي انخرطت طوعا أو وجوبا، في مؤسسات التمكين الاقتصادي للنساء، حيث شكلوا جمعيات، وأحدثوا المراكز المتعددة الوظائف، وشجعوا المجتمع إلى تأسيس جمعيات أهلية مدنية، وانخرطوا إما في فرق رياضية، أو جوقة موسيقية، أو مجموعة ألعاب ومباريات في الطبخ، كدوري سنوي أو شهري.
وزرعوا الخصوصية التي تنبي على المساواة، ونسجوا علاقات صداقة عميقة، وطالبوا الأفراد للانخراط في النوادي وتنظيم الأنشطة المختلفة، القريبة من الإنسان في الحي. وانتشرت الثقافة التي تعتبر الإنسان سواء، لا فرق كبير بين الغني والفقير، حيث يتعاملون باحترام متبادل سواسية أمام القانون.
وركزوا على مجانية التعليم، لأنه ممول من الضرائب كاملا في جميع مراحل الدراسة، وعلى تأمين صحي عالي الجودة، ودعموا الأسر بشبكة أمان قوية لرعاية الأطفال، ومساعدة العائلات ذات الدخل المنخفض في تكاليف السكن. وبناء مؤسسات الرعاية الاجتماعية وقوانين ضمان اجتماعي غير مسبوق في مجال الرعاية الصحية والتعليم والنقل والإسكان، حيث أظهر تعميم الثقافة تقليص الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، والهدف كان تخريج أجيال تتوفر على وعي ومسؤولة وطنية.
بيد أن قانون "مبدأ يانتي" لاكسل ساندي موسى أصبح مؤثرا للغاية تحت شعار "أنت لست الأفضل". ساعد على تقبل الضرائب العالية مقابل خدمات عامة، من طرف الأغنياء وأصحاب الشركات الكبرى. وخرجت الدول الاسكندنافية تدريجيا من الدولة الاجتماعية إلى دولة الرفاه الشامل، التي تعتمد على المساواة والشفافية، في ظرف عقدين من الزمن. وقد تم تطبيق هذا القانون في مختلف المجالات.
ففي المجال الاقتصادي، فإن المعادلة اعتمدت على رأسمالية سوق حرة، دولة رفاهية شاملة، نقابات قوية، ضرائب عالية.
وفي المجال السياسي، اعتمدت على العمل الجماعي: "أنت ماشي الزعيم الأوحد"، "أنت مع الفريق"، "ومع عمل دينامية الجماعة"، "ومع المجلس الذي يؤخذ القرار"، لأنك ليس شيخ قبيلة أو شيخ زاوية، لأنك يجب عليك أن تكون ديمقراطي تدبير التسيير، بشفافية، لأنك تتصرف فقط. "لا تكن أحسن مني"، نكون جماعة وفريقا أحسن من الظروف، لكي تتغلب عليها بمجهودات جماعية.
وفي المجال الدراسي، لا الفروقات بين التلاميذ: "تتفوق وساعد صاحبك"، حيث إن قانون "مبدأ يانتي" لا يؤمن بالفرد المتفوق، يؤمن بالمجموعة المتفوقة كلها، لأن النرويج حاربوا ما يسمى "نتائج التميز" داخل الحقل التعليمي، لأن الاحتفال بصاحب أعلى نقطة أو الأول في الدرجة دون الآخرين يعتبرونه تعليما فاشلا عنصريا يخلق فروقات نفسية، لهذا حاربوه تربويا واجتماعيا وسياسيا.
ولهذا، فإن "التلميذ ينصح صاحبه"، و"إذا فهم الدرس يشرحه لصاحبه"، والهدف محاربة الغرور في الجيل الراهن.
ففي مجال تدبير وتسيير المؤسسات والهيئات الترابية، يجب أن تكون الشفافية والحكامة الجيدة والمحاسبة، لأن الشعار آنذاك الذي رفعوه: "المال العام لنا كاملين".
السؤال الجوهري: هل يمكن تطبيق قانون "مبدأ يانتي"، شعاره "أنت لست الأحسن"، "نحن لبعضنا الأفضل"، في المجتمع المغربي، بالرغم من اختلاف الظروف الزمنية وكذلك المكانية، واختلاف كذلك مكونات المجتمع وخصوصياته؟
وبالرغم من ذلك، يمكن التقاط بعض الظواهر تتلاقى معها في المجتمع النرويجي، تقابلها أكثر ملائمة في المجتمع المغربي، مثل: "يد واحدة لا تصفق"، "نحن مع الجماعة"، "إذا عمت هانت"، "الجار قبل الدار"، "اليوم معاكم غدا معايا".
غير أن المجتمع المغربي له عادات وتقاليد متجذرة في الحضارة المغربية، في مختلف مكونات المجتمع وخصائصه وتنوعه الثقافي والاثني، وخاصة "ظاهرة التويزة" التي يتميز بها، والتي تؤدي إلى العمل التطوعي التضامني بصفة جماعية في كل الميادين، وخاصة في عمليات الفلاحة والحرث والحصاد، وبناء الأسوار، وحفر الخنادق، ثم الرعي الجماعي، إلى آخره.
والتي يجب العمل بها وتعميمها حتى تصبح ثقافة متجذرة وعادة مغروسة. ومن هذه الظواهر نستشف أن المجتمع المغربي يميل إلى العمل الجماعي والتضامن، ويؤمن بثقافة "الـنحن"، وهو بعيد عن الفردية والفردانية كنزعة دخيلة على المجتمع المغربي، أيام "الانفتاح القسري" على الثقافة الغربية، أيام الاستعمار والمد الإمبريالي.
إن المجتمعات الاسكندنافية، حسب قانون أو "مبدأ يانتي"، شعاره "أنت لست الأفضل والأحسن"، قانون استطاع إخراج هذه المجتمعات من الدولة الاجتماعية إلى دولة الرفاهية الشاملة.؟؟؟؟.
وهل يمكن العمل بشعارات وضعها مفكرون مغاربة مثل علال الفاسي: "من أين لك هذا"، "كلنا واحد وواحد للجميع"، وأمثال شعبية مثل: "يد الله مع الجماعة"، "الذي يأكله واحد يأكله عشرة"، "البيضة تنقسم على أربعين فقيها أو طالب"، إلى آخره من الأمثال التي تدعو إلى التضامن والعمل الجماعي.
☆– دكتور باحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية والتاريخ المعاصر والراهن