Quantcast
2026 أكتوبر 4 - تم تعديله في [التاريخ]

أنديفيلم: حين تصبح السينما جسرًا نحو مجتمع أكثر إدماجًا

أن يكون الإنسان صانعًا لصورته، لا مجرد موضوع على الشاشة، هو الرهان الذي يمنح السينما الدامجة معناها، ففي تجربة أنديفيلم تتقاطع الحكايات والمواهب والحقوق، ويصبح تغيير النظرة بدايةً لسؤال أكبر عن مكان كل فرد داخل المجتمع.


من تغيير النظرة إلى الإعاقة إلى المشاركة في صناعة الصورة… مسار مهرجان يستعد لدورته التاسعة عشرة بالرباط

الدكتور أنور الشرقاوي والسينما الدامجة
الدكتور أنور الشرقاوي والسينما الدامجة
*بقلم: الدكتور أنور الشرقاوي*
وماذا لو لم تكن السينما مجرد شاشة تُروى عليها الحكايات، بل نافذة تُعيد ترتيب نظرتنا إلى العالم؟

ماذا لو استطاعت الصورة، في لحظة صامتة أو مشهد عابر، أن تهزّ حكمًا مسبقًا، وأن تفتح ثقبًا في جدار الصور النمطية، وأن تجعلنا نرى الإنسان قبل الإعاقة، والحكاية قبل الاختلاف؟

فخلف كل شخص تضعه الشاشة في الهامش، حكاية تنتظر أن تُروى، وموهبة تبحث عن فضاء، ووجه إنساني يستحق أن يُرى، لا أن يبقى في الظل.

من هنا بدأ الرهان، فمنذ سنة 2007، اختار مهرجان أنديفيلم بالرباط أن يجعل من السينما أكثر من مجرد فن للفرجة، جعل منها مساحة للقاء، وأداة لتغيير النظرات، ووسيلة لفتح نوافذ جديدة على عالم الإعاقة، بعيدًا عن الشفقة وقريبًا من الكرامة والحق في الظهور والمشاركة.

وفي كل دورة، تستمر الكاميرا في طرح السؤال نفسه، لكن بصورة أكثر إلحاحًا: هل نستطيع أن نغيّر العالم من خلال تغيير الطريقة التي نراه بها؟

◆ البداية كانت في ربيع 2007

من 26 إلى 31 مارس 2007، احتضنت العاصمة الرباط الدورة الأولى لمهرجان كان آنذاك تجربة متميزة، تخصصت في موضوع الإعاقة.

وكان وراء هذه المبادرة الطبيب وعاشق السينما، الدكتور مصطفى بنخلافة، إلى جانب عدد من الفاعلين الجمعويين المنخرطين في قضايا الإعاقة.

كانت الفكرة واضحة: استخدام الفن السابع ليس لتقديم الإعاقة كنوع من «الفرجة» أو كحالة تثير الشفقة، وإنما للمساهمة في تغيير النظرة إلى الأشخاص في وضعية إعاقة.

وفي السنة نفسها، تأسست جمعية أنديفيلم «Handifilm»، لتتحول المبادرة من حدث ثقافي عابر إلى مشروع مستمر.

ومنذ سنة 2008، حظي المهرجان بدعم المركز السينمائي المغربي.

وبمرور السنوات، لم يعد أنديفيلم مجرد عروض سينمائية، فقد أصبحت التكوينات والتحسيس وإنتاج الأفلام القصيرة وإشراك الشباب ركائز أساسية للمهرجان.

◆ من المشاهد إلى صانع الفيلم

من أبرز التحولات التي عرفها أنديفيلم أنه لم يعد يكتفي بعرض أفلام تتناول الإعاقة، بل بدأ يضع الشباب أمام الكاميرا وخلفها أيضًا.

ففي سنة 2012، أُطلق برنامج لمواكبة تلاميذ الثانويات بإقليم الصخيرات تمارة، بهدف إنتاج وصلات تحسيسية.

وفي سنة 2013، وُلدت مسابقة وطنية للوصلات والكبسولات التحسيسية، قبل أن تتحول إلى مسابقة دولية ابتداءً من سنة 2014.

أما سنة 2015، فشهدت محطة جديدة، مع إطلاق مسابقة دولية رسمية للأفلام القصيرة التي تتناول قضايا الإعاقة.

وفي السنة نفسها، حظي المهرجان بالرعاية الملكية السامية، ما عزز حضوره وإشعاعه، وطنيًا ودوليًا.

وكانت الرسالة واضحة: الإعاقة ليست فقط موضوعًا اجتماعيًا، بل يمكن أن تكون أيضًا موضوعًا للإبداع والفن والسينما.

◆ «كرامتي حقي»

في دورته العاشرة سنة 2016، اختار أنديفيلم شعارًا يحمل دلالة قوية: «كرامتي حقي».

فخلف الأفلام والندوات واللقاءات، كان المهرجان يذكّر برسالة بسيطة وعميقة في آن واحد: الشخص في وضعية إعاقة لا تختصره إعاقته.

إنه إنسان له قدرات وطموحات ومواهب، وله الحقوق الأساسية نفسها التي يتمتع بها باقي أفراد المجتمع.

وفي سنة 2019، حملت الدورة الثالثة عشرة شعار «من أجل عالم سينمائي متاح للجميع»، وقدمت 24 فيلمًا من ثمانية بلدان، إلى جانب ورشات وندوات وتكريمات وقافلة سينمائية.

وفي السنة نفسها، أنتجت الجمعية فيلم «الفايزات»، الذي قُدم باعتباره أول فيلم مغربي متاح للأشخاص الذين يعانون من إعاقات حسية، من خلال تقنيات من بينها الوصف السمعي للمكفوفين وضعاف البصر، والترجمة النصية المرمّزة للصم وضعاف السمع.

◆ من الجائحة إلى التمكين

وكغيره من التظاهرات الثقافية، تأثر أنديفيلم بجائحة كوفيد-19، ففي سنة 2020، تعذر تنظيم البرمجة العادية، بينما نُظمت الدورة الرابعة عشرة سنة 2021 في صيغة هجينة.

وفي سنة 2022، أعادت الدورة الخامسة عشرة الشباب إلى الواجهة، تحت شعار «السينما رافعة للتمكين»، بمشاركة 29 فيلمًا من 11 دولة.

وفي المسابقة الخاصة بالناشئة، فاز تلاميذ مغاربة بالجوائز الأربع، في رسالة تؤكد أن الهدف ليس جعل الشباب مجرد متفرجين، وإنما مبدعين وصناعًا للصورة أيضًا.

وفي سنة 2023، خصصت الدورة السادسة عشرة حيزًا مهمًا للسينما الوثائقية التي تتناول الإعاقة، من خلال 25 فيلمًا من تسع دول، إلى جانب ورشات ودرس سينمائي وندوات.

أما الدورة السابعة عشرة سنة 2024، فواصلت المسار نفسه، من خلال المسابقة الرسمية، ومسابقة الناشئة، والبانوراما، والمحاضرات والورشات واللقاءات المتخصصة.

كما نصت شروط المشاركة، من بين أمور أخرى، على أن تكون الإعاقة موضوعًا رئيسيًا للفيلم، أو أن يكون الفيلم من إخراج أو أداء أشخاص في وضعية إعاقة.

◆ من الرقمنة إلى الذكاء الاصطناعي

في سنة 2025، دخل أنديفيلم مرحلة جديدة، من خلال دورته الثامنة عشرة التي حملت شعار «الرقمنة والذكاء الاصطناعي في خدمة السينما الدامجة».

وقدمت الدورة 26 فيلمًا من 11 دولة.

وظهر الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة يمكن أن تساهم مستقبلًا في تحسين الولوج إلى الصورة والصوت، خصوصًا بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعانون من إعاقات حسية.

لكن التكنولوجيا فتحت في الوقت نفسه نقاشًا ضروريًا حول الأخلاقيات، وحدود استخدام الذكاء الاصطناعي، وحقوق الأشخاص في إنتاج صورتهم وتمثيلهم.

◆ مهرجان بشبكة واسعة من الشركاء

لم تُبنَ هذه التجربة طوال ما يقارب عقدين من الزمن بشكل منفرد، بل بفضل شبكة من الشركاء المؤسساتيين والجمعويين والمهنيين.

وبمناسبة دورته التاسعة عشرة، يستفيد أنديفيلم، من بين شركائه، من دعم المركز السينمائي المغربي ولجنة دعم تنظيم المهرجانات، إضافة إلى منصتي «Festhome» و«FilmFreeway» الدوليتين.

كما تضم شبكة الشركاء مؤسسة هبة، والجمعية الإيطالية «OVCI – La Nostra Famiglia E.T.S.»، و«CIP – Cinema, Inclusione, Partecipazione»، إلى جانب «Handicap International» في إطار برنامج الحوار.

وتندرج كذلك جمعية مستقبل أفضل لأطفالنا «AMANE»، خصوصًا من خلال مشروع «FAAM»، و«Yall’Atelier»، ضمن الشركاء المعلن عنهم.

وتعكس هذه الشبكة المتنوعة إرادة واضحة: جعل السينما الدامجة مشروعًا مشتركًا بين الفاعلين الثقافيين والجمعويين والمؤسساتيين.

◆ بعد 19 عامًا… التحدي نفسه

من المرتقب أن تحتضن الرباط الدورة التاسعة عشرة من مهرجان أنديفيلم، من 3 إلى 5 دجنبر 2026.

وستحافظ الدورة على ركائزها الثلاث: المسابقة الرسمية، والمسابقة الخاصة بالناشئة، والبانوراما، إلى جانب المحاضرات والورشات والدروس السينمائية والندوات.

بعد نحو عشرين سنة من انطلاقه، أصبح أنديفيلم يتجاوز بكثير مجرد عرض أفلام قصيرة.

فطموحه هو نقل قضية الإعاقة من منطق الشفقة إلى منطق المشاركة، ومن «الاختلاف» المفترض إلى التنوع، ومن المتفرج السلبي إلى الإنسان الذي يشارك في صناعة صورته وتمثيله.

لكن هل يستطيع مهرجان، مهما طال عمره واتسع إشعاعه، أن يجعل المجتمع دامجًا بمفرده؟

بالتأكيد لا.

فالسينما تستطيع أن تغيّر المخيلة والصورة الذهنية، لكنها تحتاج إلى أن تواكبها تغييرات ملموسة في الولوجيات والتعليم والتشغيل والتنقل والثقافة والإعلام والسياسات العمومية.

وهنا ربما تكمن إحدى أهم رسائل تجربة أنديفيلم: تغيير النظرة كخطوة أولى… لكن منح كل شخص مكانه الحقيقي في المجتمع هو الخطوة الأهم.

وهذا ليس دور السينما وحدها، بل مسؤولية المجتمع بأسره، وفي مقدمته المجتمع المدني.

فالسؤال اليوم ليس فقط: كيف نُشاهد الأشخاص في وضعية إعاقة؟

بل: كيف نراهم، وكيف نسمعهم، وكيف نُشركهم، وكيف نمنحهم حقهم في أن يكونوا فاعلين في المجتمع، لا مجرد موضوعات على الشاشة؟

*الدكتور أنور الشرقاوي - خبير في التواصل الطبي والصحي*

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار