☰
2026 أكتوبر 20 - تم تعديله في [التاريخ]

أوروبا على صفيح الاحتجاجات.. هل تلوح ملامح خريف الاجتماعي جديد؟

الغلاء وأزمة السكن والتعليم يؤججون الغضب


الرباط: أنس الشعرة

لم تعد الاحتجاجات التي تتوالى في عدد من الدول الأوروبية مجرد تعبيرات اجتماعية معزولة، بقدر ما بات تزامنها واتساع رقعتها يطرحان أسئلة عميقة بشأن قدرة النماذج السياسية والاجتماعية القائمة على الاستجابة لانتظارات المواطنين. فمن أزمة المعيشة والسكن إلى تراجع الخدمات العمومية وارتفاع تكاليف التعليم، تتراكم أسباب الغضب في شوارع القارة، حيث تتداخل المطالب الاجتماعية مع أزمات الثقة في المؤسسات، فيما تنزلق بعض التحركات إلى مواجهات وأعمال عنف. وبينما تختلف السياقات الوطنية ودوافع الاحتجاج، فإن تقاطعها يفتح الباب أمام التساؤل عما إذا كانت أوروبا مقبلة على ربيع إحتجاجي جديد، يعيد مساءلة أولويات السياسات العمومية وحدود قدرتها على احتواء التوتر الاجتماعي.

وفي السياق، وضعت الاحتجاجات وأعمال الشغب التي شهدتها عدة مدن فرنسية، السلطات أمام اختبار أمني واجتماعي متصاعد، بعدما تحولت تحركات احتجاجية إلى أعمال تخريب ونهب استهدفت مباني عمومية ومحلات تجارية. وتوعد الرئيس إيمانويل ماكرون بمحاسبة المتورطين، داعياً إلى رد حازم، ومشرعاً إحداث خلية أزمة لتسريع المساعدات للمتضررين، بالتوازي مع التشديد على ضرورة الاستجابة لمطالب القدرة الشرائية ومستقبل الشباب. وأسفرت الأحداث، وفق المعطيات الواردة، عن توقيف نحو 1800 شخص وإصابة أكثر من 500 من أفراد الشرطة والإطفاء، فيما أعادت الاحتجاجات المرتبطة بالتعليم والغلاء والخدمات العمومية طرح أسئلة بشأن التماسك الاجتماعي الفرنسي.

وفي إسبانيا، تصدرت أزمة السكن واجهة الاحتجاجات، مع خروج عشرات الآلاف للمطالبة بإيجارات معقولة وحماية المستأجرين من الإخلاء. ويعكس هذا الغضب اتساع الهوة بين تكاليف العيش وقدرة فئات واسعة، خصوصاً الشباب، على الاستقلال السكني.

كما انتقلت موجة الاحتجاجات نحو بلجيكا، حيث أوقفت السلطات 150 شخصاً عقب أعمال عنف رافقت احتجاجات في بروكسل ولييج رفضاً لسياسات التعليم وخفض الميزانية. وأعلنت الشرطة إصابة خمسة من عناصرها، فيما تواصل التحقيقات لتحديد مشتبه بهم آخرين.

الأمر ذاته ينطبق على إيطاليا، حيث شهدت مدينة ميلانو ومدن أخرى مواجهات على هامش مظاهرات احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة. وأصيب أربعة شرطيين على الأقل وعشرون متظاهراً في ميلانو، بينما تجاوز عدد الموقوفين خمسين شخصاً.

أما ألبانيا، فقد طالتها احتجاجات طالبت من خلالها بتنحي رئيس الوزراء إيدي راما، على خلفية رسوم التسجيل الجامعي والفساد وظروف الدراسة. واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، وسط مواجهات أسفرت عن إصابة 16 شرطياً، فيما رفض راما الاستقالة.

وعلى اختلاف سياقاتها الوطنية، تكشف موجة الاحتجاجات في أوروبا، أنها لا تواجه مجرد انفجارات اجتماعية عابرة، وإنما تقف أمام لحظة اختبار لنموذجها السياسي والاجتماعي، الذي طالما قدم العدالة الاجتماعية وجودة الخدمات العمومية والحماية الاجتماعية بوصفها ركائز للاستقرار الديمقراطي. فحين تصبح كلفة السكن عبئاً على الشباب، والتعليم مصدراً للاحتقان، والقدرة الشرائية عنواناً للقلق اليومي، فإن الأزمة تتجاوز حدود التدبير الحكومي لتطال جوهر العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع.




في نفس الركن