Quantcast
2026 يناير 21 - تم تعديله في [التاريخ]

إبراهيم دياز… ركلة جزاء أطفأت حريقًا كان يُراد له أن يلتهم إفريقيا


 
*بقلم : بوشعيب حمراوي*

لم تكن ضربة الجزاء التي فشل في تنفيذها إبراهيم دياز أمام حارس منتخب السنغال في نهائي كأس افريقيا، مجرد لقطة عابرة في مباراة كبيرة، ولا لحظة تقنية قابلة للتأويل الرياضي الضيق. فقد كانت بكل المقاييس، فاصلاً حاسمًا بين كرة قدم تُدار بالشرف و الإنصاف، وفوضى كان يُراد إشعالها سياسيًا وإعلاميًا، على حساب أمن واستقرار بلد منظم، هو المغرب.


سواء ضاعت ركلة الجزاء أم أُضيعت، فالنتيجة واحدة: إخماد هيجانٍ كان يُخطَّط له داخل كل مرافق ملعب مولاي عبد الله؛ من المدرجات إلى المراحيض والمقاهي الداخلية، إلى غرف الملابس، والممرات و المكاتب...

نارٌ لم يكن هدفها التتويج بالكأس الإفريقية، بقدر ما كان المراد منها تشويه صورة البلد المنظم، ونسف منجز نسخةٍ تُعدّ بشهادة المتابعين الأكثر نضجًا في البنية التحتية والإعداد، والاحتضان، والتنظيم، والضيافة والكرم، والتحكيم... إنها النسخة الوحيدة التي لعب فيها الإنصاف دوره ميدانيًا بلا مجاملات داخل وخارج الملاعب الرياضية التسعة.
 
سيقول قائل: تعمّد دياز الإهدار، أو كانت هناك تعليمات خفية، أو توافقات بين اتحادي الدولتين . كل ذلك قابل للتحقيق ولا يخشاه من يثق في المؤسسات. و طبعا أنا رغم ما تم التلميح له، فلا أظن أن براءة وأخلاق دياز تجعله ينخرط في مثل هكذا سلوك. كما لا أظن أن أي مغربي سيقبله.
 
لكن الأهم أن عدم تسجيل الركلة أفشل مخططًا عدوانيًا كان يُراد تمريره في غفلة من البعض من داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، ممن يتوهمون احتراف التنظيم والإشراف، بينما يمارسون ركوبًا سياسيًا أو ربما استرزاقيا على حدث رياضي.
 
للأسف، مشكلتنا ليست مع كرة القدم، بل مع إفريقيا المنحلة تنظيميًا حين تُستدعى للعب أدوار لا تشبه شعوبها. ولا تدار دار شعابها التقليدية. إفريقيا التي يعرف العالم أنها قد تأكل أبناءها من أجل متعةٍ عابرة قبل العيش الكريم.
 
إفريقيا المستعدة لتعيد صياغة أدوارها عند كل طلبٍ أجنبي. قارةٌ قد تُصافحك في العلن، وتناور ضدك في الكواليس والخفاء، وقد تعلن مواقفها وفق منطق المنح والسلطة.
 
لن ندخل هنا في نوايا منتخبٍ السنغال، الدولة التي نعتبرها شقيقة في الدين قبل الدنيا.
 
 الذي رأى في تلك اللحظة (هدفًا مشروعًا) قبل إعلان ضربة الجزاء لصالح المغرب، كان لاعليه أن يدفع الحكم للتحقق من ذلك. فاللاعب المحترف والمدرب المحنك يعرفان أن الڤار وُجد ليُستعمل، عوض الاحتجاج العاطفي. وأنه كان عليهم الضغط القانوني على الحكم.

فالإقرار بالڤار يغلق باب الانسحاب؛ لأن الانسحاب في قوانين كرة القدم الدولية والإفريقية هزيمةٌ صريحة. وهي زلة أخرى لحكم اللقاء، الذي اختار المهادنة عوض تطبيق قانون الفيفا والكاف واللعبة. كما أخطا منتخب المغرب بمدربه ولاعبيه حين بدؤوا بالتوسط لعودة منتخب السنغال.
 
كما أن هدف الفوز السنغالي، كان يستوجب بدوره ضغطًا قانونيًا من الجهاز الفني المغربي بقيادة وليد الركراكي و اللاعبين (في مقدمتهم الياميق)على الحكم من أجل المرور إلى الڤار قبل إعلان مشروعيته. كرة القدم اليوم ليست انفعالًا؛ هي مسطرة.
 
ويبقى حق التشكيك قائمًا رياضيًا وإعلاميًا في كيفية تنفيذ ضربة الجزاء المهدورة من طرف دياز : ليس فقط في طريقة التنفيذ، ولا في الإشارات والتحركات التي التقطتها عدسات الإعلام، بل في غياب مظاهر الفرح لدى لاعبي السنغال وحارسهم. تصدٍّ هادئ، بلا انفجار مشاعر، بلا عناقٍ جماعي، رغم أن الركلة لو سكنت الشباك، كانت ستحرم السنغاليين من التتويج القاري.
 
هنا، تتجاوز اللقطة حدود المستطيل الأخضر. تصبح ركلة جزاء أطفأت حريقًا، ورسالةً بأن الرياضة حين تُدار بالإنصاف تُفشل الاستثمار في الفوضى. قد لا يكون دياز أنقذ كأسًا، لكنه في تلك اللحظة أنقذ إفريقيا من هيجانٍ مصطنع، وحمى صورة بلدٍ اختار التنظيم والهدوء طريقًا، لا الضجيج والابتزاز. وهكذا، حين يفشل المخطط، لا تُقاس البطولة بعدد الأهداف، بل بقدرتها على حماية القيم.
 
لحسن الحظ، برع المغرب وتميّز في كل ما يتصل بالأمن، كما تألق في الدبلوماسية الملكية الخارجية التي راكمت ثقة العالم، وثقة الأنظمة الجادة والقوية، وأعطى بطولة قارية ملكية في كل تجلياتها، بفضل رؤية دولة يقودها المميز والسامي محمد السادس بثبات وحكمة.
 
ولذلك، لا يمكن لشطحات نظامٍ حاقد مهما علا صخبه، أن ينال من بلدٍ رسّخ مؤسساته، وأتقن إدارة الاختلاف قبل إدارة المنافسة.
 
دخلوا المغرب بالآلاف، وجالوا في ترابه، ونقّبوا في تفاصيله، فلم يجدوا ما يُسوَّق من سلبيات. وحين خاب المسعى، اختاروا العبث حيث لا يُفترض العبث: داخل المدرجات، وفوق أرضية الملعب؛ هناك حيث التنافس الشريف، وحيث يُفترض أن تسمو الروح الرياضية فوق كل نزعات التشويش، وأن تنتصر القيم قبل النتائج.
 
لكن المغرب بأمنه المتماسك، وتنظيمه الرصين، وهدوئه السيادي، حوّل محاولات التشويش إلى شهادة إضافية على قوته. فالرياضة عنده فضاء أخلاقٍ قبل أن تكون حساب أهداف، ومناسبة لإظهار النضج لا لإشعال الفتن.
 
وهكذا، حين فشلوا في إيجاد عيبٍ يُدان به البلد، انكشفت نوايا العبث، وبقيت الحقيقة واضحة: دولة تعرف كيف تحمي ملاعبها، كما تحمي صورتها ومكانتها.

              



في نفس الركن
< >

الاحد 18 يناير 2026 - 14:09 عابر كلمات.. جهة من الجهات















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار