عكس العرض العلمي المكثف للأخ الدكتور نزار بركة الأمين العام لحزب الاستقلال و رئيس مؤسسة علال الفاسي، الأبعاد الوطنية العميقة لإبراز عظمة السيرة النبوية الشريفة، تنفيذاً للتوجيهات السامية لأمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله وأيده، لإحياء ذكرى مرور خمسة عشر قرناً على ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقد أوضح الأخ نزار أن إمارة المؤمنين شكلت عبر تاريخ المملكة المغربية الإطار الجامع بين الشرعية الدينية والوحدة الترابية، مستحضراً دلالات المشيئة الربانية في توجيه مسار الأمة المغربية وجعل إمامتها في الذرية الشريفة لصاحب الذكرى عليه الصلاة والسلام، بما يترتب على ذلك من حفظ للعهد وخدمة للحديث الشريف و ضمان لاستمرار الثوابت الدينية وتماسك المجتمع و صون وسطيتها وتعاليمها السمحة.
إن المبادرة العلمية الروحية التي أقدمت عليها مؤسسة علال الفاسي بتنظيمها للندوة الكبرى حول السيرة النبوية، لها هي الأخرى دلالات وتجليات ومعانٍ ورموز، من ناحيتين رئيستين ، أولاهما اختيار العنوان والزمان والمكان، وثانيتهما حيثيات المشاركين الأجلاء، وهم وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، والكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى الذي هو هيئة دستورية عليا يرأسها أمير المؤمنين جلالة الملك، نصره الله و رعاه ، ونخبة من كبار العلماء.
والجدير بالذكر، أن الدروس الحسنية الرمضانية، في مطلع عهد جلالة الملك الحسن الثاني، رحمه الله وأكرم مثواه ، قد ابتدأت بدرس للعلامة الأستاذ علال الفاسي تحت عنوان (تحليل عميق للسيرة النبوية)، وذلك بتاريخ 7 رمضان 1381 موافق 1962. وتلك من تجليات الريادة لصاحب كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية و مكارمها، الذي شاءت القدرة الإلهية أن تنعقد هذه الندوة العلمية في مقر مؤسسة علال الفاسي، لتدارس موضوع إحياء قيم السيرة النبوية بمناسبة مرور خمسة عشر قرناً على ميلاد رسول الله المصطفى صلى الله عليه وسلم، تنفيذاً لتعليمات حفيده أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس، وفقه الله وأدام عزه.
هذه المعاني العميقة والموحية، هي التي استحضرها الأخ الدكتور نزار بركة رئيس مؤسسة علال الفاسي، حينما قال إن استحضار مكارم الأخلاق في السيرة النبوية، يقودنا إلى استحضار نماذج في تاريخنا الوطني، التي استمدت هذه القيم من الهدي النبوي وجسدتها في الفكر والعمل، وفي مقدمة هؤلاء العلامة المجاهد علال الفاسي، رحمه الله، الذي جعل من مكارم الأخلاق ركيزة أساساً في فكره، حيث لم ينظر إليها كقيم فردية فحسب ، بل كمنظومة شاملة وأساس للتشريع والمصلحة العامة، وربط بين الأخلاق ومقاصد الشريعة ، باعتبار أن التحلي بمكارم الأخلاق هو جوهر الغاية من الأحكام الشرعية ، على أساس أن المقاصد الشرعية تهدف إلى تحقيق المصلحة .
إن هذه الرؤية المعاصرة لقيم السيرة النبوية، هي في الحقيقة رؤية مدنية ، تقوم على أساس الربط بين المقاصد الشرعية وبين مصلحة الإنسان في المقام الأول. وهذا هو عين ما دعت إليه الرسالة الملكية السامية إلى المجلس العلمي الأعلى، وما يعبر عنه بإحياء قيم السيرة النبوية الشريفة بروح معاصرة، والنظر إليها من رؤية مدنية، لبناء قواعد الدولة الحديثة على أساسها. وهو الأمر الذي يقصد به دولة الحق والقانون والمؤسسات ومبادئ حقوق الإنسان.
وهكذا تكون مؤسسة علال الفاسي تعمل على تأصيل أفكار العلامة المجاهد الذي تحمل اسمه، والسعي لتفعيلها في خدمة مصالح الوطن والمواطن، على نحو متطور وبصيغة متجددة وبروح العصر ، وبرؤية مستقبلية . فكما قال الأخ نزار بركة، لم يكن العلامة علال الفاسي ينظر إلى قيم السيرة النبوية الشريفة كقيم فردية فحسب ، بل كمنظومة شاملة وأساس للتشريع والمصلحة .