سبتة ومليلية بين الجوار المغربي ومساعي مدريد لتعزيز ارتباطهما بأوروبا
الكاتب بوشعيب حمراوي
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
309 ملايين يورو لسبتة، فرونتكس على الحدود، مقعد دائم في لجنة الجهات، ومشروع للانضمام إلى الاتحاد الجمركي… إسبانيا تستخلص دروس أزمة الهجرة وتبحث عن نقل سبتة ومليلية من ملف ثنائي حساس مع المغرب إلى قضية أوروبية.
لم تعد مدريد تكتفي بأن تقول إن سبتة ومليلية المحتلتين إسبانيتان، ولم تعد معركتها تقتصر على ترديد خطاب السيادة كلما عاد الملف إلى الواجهة، بل يبدو أنها انتقلت إلى مرحلة أخرى أكثر عمقًا وهدوءًا وأبعد أثرًا: جعل المدينتين أوروبيتين أكثر مما كانتا عليه من قبل، وربطهما بالمؤسسات والحدود والسياسات الاقتصادية والأمنية للاتحاد الأوروبي، بحيث يصبح أي نقاش مستقبلي حولهما لا يطرق باب مدريد وحدها، بل يجد أمامه أبواب بروكسيل أيضًا.
وهنا تكمن أهمية ما يجري اليوم.
فبعد أحداث الهجرة غير المسبوقة التي عرفتها سبتة يومي 30 و31 يوليوز 2026، لم تتعامل الحكومة الإسبانية مع ما وقع على أنه أزمة عابرة يمكن إغلاقها بإعادة المهاجرين وتشديد المراقبة، بل استخلصت منه، على ما يبدو، نتيجة سياسية واستراتيجية أكبر: الوضع الأوروبي الخاص لسبتة ومليلية لم يعد كافيًا لحماية المصالح الإسبانية فيهما.
وما أعلنته مدريد خلال الأسابيع الأخيرة يؤكد أن الأمر يتعلق بتغيير في المقاربة لا بمجرد إجراءات ظرفية.
◊ اعتراف إسباني متأخر بما وقع سنة 1986
الأكثر إثارة أن رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، عاد بنفسه إلى سنة 1986، تاريخ انضمام إسبانيا إلى ما أصبح لاحقًا الاتحاد الأوروبي، ليقول أمام البرلمان الإسباني يوم 3 شتنبر 2026 إن بلاده «افتقدت الطموح» آنذاك عندما أبقت سبتة ومليلية خارج الاتحاد الجمركي الأوروبي وبعض الأطر والسياسات الأوروبية، موضحًا أن من بين أسباب ذلك الحفاظ على النظام الجبائي الخاص للمدينتين وتفادي احتكاكات دبلوماسية. ثم أعلن أن الوقت حان لتصحيح ذلك الوضع وتحقيق اندماج أعمق للمدينتين داخل الاتحاد الأوروبي.
هذه العبارة ليست تفصيلًا عابرًا. فعندما يعترف رئيس الحكومة الإسبانية بأن الاعتبارات الدبلوماسية ساهمت سنة 1986 في إبقاء المدينتين خارج بعض دوائر الاندماج الأوروبي، ثم يعلن بعد أربعين عامًا تقريبًا أن مدريد تريد تغيير ذلك، فإن السؤال يصبح مشروعًا: ما الذي تغير اليوم؟ ولماذا تريد إسبانيا الآن إغلاق المساحات التي تركتها مفتوحة بالأمس؟ الإجابة توجد جزئيًا على الحدود نفسها.
◊ من حماية الحدود إلى «أوربة» الحدود
وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، تحرك في بروكسيل بعد الأزمة، والتقى مسؤولين أوروبيين لبحث حزمة من الإجراءات تخص سبتة ومليلية: حضور دائم للمدينتين داخل الوفد الإسباني في لجنة الجهات الأوروبية، وتعزيز وجود وكالة «فرونتكس»، ودراسة انضمام المدينتين إلى الاتحاد الجمركي الأوروبي، والعمل من أجل اعتراف أوروبي أكبر بخصوصيتهما الجغرافية. والحكومة الإسبانية نفسها استعملت تعبير «ترسيخ سبتة ومليلية نهائيًا في أوروبا».
والأهم أن المفوض الأوروبي للشؤون الداخلية والهجرة، ماغنوس برونر، أعلن في الثامن من شتنبر أن «حدود سبتة هي حدودنا المشتركة للاتحاد الأوروبي»، مؤكدًا استمرار الدعم الأوروبي لإسبانيا وتعزيز تدبير الحدود الخارجية.
وهنا تتغير طبيعة الصورة. فكلما ازداد حضور فرونتكس والمؤسسات الأوروبية، وكلما اندمجت المدينتان اقتصاديًا وجمركيًا ومؤسساتيًا داخل الاتحاد، أصبحت مدريد قادرة على تقديم أي أزمة مستقبلية لا باعتبارها خلافًا مغربيًا إسبانيًا فقط، وإنما باعتبارها مساسًا بـ«حدود أوروبية خارجية». وهذا هو جوهر التحول.
◊ 309 ملايين يورو… المال أيضًا جزء من التحصين
المسألة ليست شعارات دبلوماسية فقط. في فاتح شتنبر، أقر مجلس الوزراء الإسباني خطة استعجالية لتعبئة 309 ملايين يورو لفائدة سبتة خلال الأشهر الأربعة المتبقية من سنة 2026، وهو مبلغ قالت الحكومة إنه يعادل نحو 16 في المائة من الناتج الداخلي الخام للمدينة.
وتتوزع الخطة على 21 مليون يورو للخدمات الأساسية، و90 مليونًا للأمن، و118 مليونًا للاستقبال الإنساني، و80 مليونًا لدعم النشاط الاقتصادي والمقاولات والعمال.
إنها أرقام تقول الكثير. لأن حماية الوجود الإسباني في سبتة، وفق المقاربة الجديدة، لن تتم فقط بالأسلاك والحواجز والقوات الأمنية، وإنما أيضًا بالاقتصاد والاستثمار والخدمات الاجتماعية وفرص الشغل وإشعار السكان بأن بقاء المدينة مرتبطة بإسبانيا وأوروبا يضمن لها استقرارًا اقتصاديًا واجتماعيًا.
أي أن مدريد تريد تحصين الحدود، لكنها تريد كذلك تحصين الداخل.
◊ من خوان كارلوس إلى بيدرو سانشيز… تغيرت اللغة
وهنا يعود بنا الأمر إلى ما كشفته النقاشات التاريخية التي ارتبطت بالملك الإسباني السابق خوان كارلوس، والتي تناولناها سابقًا، حول البحث عن صيغ للتعامل مع ملف سبتة ومليلية وعلاقة ذلك بالمغرب.
مهما اختلف تقييم تلك المعطيات التاريخية، فإن المقارنة مع إسبانيا اليوم تكشف تغيرًا واضحًا في المنطق السياسي.
إسبانيا التي كانت في مراحل سابقة حريصة على إبقاء بعض هوامش الغموض والخصوصية حول المدينتين، وتحاشي إدخالهما بالكامل في عدد من الهياكل الأوروبية، تتحرك اليوم في الاتجاه المعاكس تمامًا: إغلاق الهامش، وتوسيع الحضور الأوروبي، وربط المدينتين اقتصاديًا وأمنيًا ومؤسساتيًا ببروكسيل.
بل إن سانشيز ذهب إلى أبعد من الاتحاد الجمركي ولجنة الجهات، معلنًا رغبته في بحث الاعتراف بسبتة ومليلية كمنطقتين أوروبيتين ذواتي وضع خاص أكثر تقدمًا.
لكن ينبغي هنا الانتباه إلى أن كل هذه المشاريع لم تتحول بعد إلى أمر واقع نهائي. فالانضمام إلى الاتحاد الجمركي الأوروبي مسار يحتاج إلى موافقة أوروبية، وقد أقر ألباريس نفسه بأنه قد يستغرق عامًا أو عامًا ونصف، كما أن بعض التغييرات الأوسع تتطلب موافقة الدول الأعضاء.
أي أننا أمام مشروع سياسي إسباني قيد البناء، وليس وضعًا قانونيًا مكتملًا.
◊ وأين المغرب من كل ذلك؟
هنا يوجد السؤال الذي لا ينبغي أن يضيع وسط أزمة الهجرة.
العلاقات المغربية الإسبانية بلغت خلال السنوات الأخيرة مستويات مرتفعة من التعاون في التجارة والأمن والهجرة والاستثمار، وأكد البلدان في اجتماعهما رفيع المستوى أواخر 2025 أهمية الحوار والتعاون واحترام الالتزامات المشتركة.
لكن ملف سبتة ومليلية لم يختفِ بسبب تحسن العلاقات.
وبعد أزمة يوليوز الأخيرة، نفت الرباط أي مسؤولية عن تدبير العبور الجماعي نحو سبتة، فيما أكد سانشيز نفسه في البرلمان أنه لم تُقدَّم، حتى ذلك الوقت، أدلة صلبة تثبت أن المغرب خطط لتلك الأحداث أو نفذها، مع استمرار التحقيقات الإسبانية.
وهذا التفصيل أساسي، لأن الخلط بين أزمة الهجرة والخلاف التاريخي حول المدينتين قد يدفع النقاش إلى استنتاجات تتجاوز ما تثبته الوقائع.
لكن الشيء المؤكد أن مدريد خرجت من الأزمة وهي أكثر اقتناعًا بضرورة تقليص اعتماد أمن سبتة ومليلية على التفاهم الثنائي مع المغرب، وإدخال أوروبا بصورة أعمق في المعادلة. وهذا وحده تطور يستحق الانتباه.
◊ هل تتحول القضية من مدريد إلى بروكسيل؟
قد يكون هذا هو السؤال الحقيقي خلف كل ما يحدث.
فإذا أصبحت فرونتكس أكثر حضورًا، ودخلت المدينتان الاتحاد الجمركي، وحصلتا على حضور مؤسساتي دائم داخل أجهزة الاتحاد، وتم تخصيص تمويل أوروبي أكبر لهما، فإن إسبانيا ستكون قد نجحت تدريجيًا في إعادة تعريف الملف: من مدينتين إسبانيتين في شمال إفريقيا توجد بشأنهما مطالبة مغربية تاريخية، إلى مدينتين تقدمهما مدريد باعتبارهما جزءًا متزايد الاندماج من المنظومة الأوروبية وحدودها الخارجية.
وهذا لا يلغي المطالبة المغربية، ولا يحسم نزاع التاريخ والجغرافيا والسيادة بمجرد قرار إداري أوروبي، لكنه يغيّر بلا شك ميزان الأدوات السياسية والدبلوماسية المحيطة بالملف.
ولهذا فإن مبلغ 309 ملايين يورو ليس أهم ما يجري في سبتة اليوم، وفرونتكس ليست سوى جزء من الصورة، والاتحاد الجمركي ليس مجرد ملف تجاري.
ما يجري أعمق من ذلك. مدريد تريد أن تجعل أوروبا شريكًا دائمًا في حماية الوضع القائم.
وهنا يصبح السؤال الموجه إلى المغرب مشروعًا وضروريًا: هل تنظر الرباط إلى هذه التحركات باعتبارها مجرد ترتيبات داخلية إسبانية أوروبية، أم باعتبارها تحولًا استراتيجيًا يستوجب قراءة جديدة للملف؟ وهل يمكن أن يستمر التعاون المغربي الإسباني في الهجرة والأمن والاقتصاد بمعزل عن التحولات التي تحدث في سبتة ومليلية؟ ثم ماذا سيبقى من هامش النقاش الثنائي إذا نجحت إسبانيا يومًا في نقل المدينتين من «خصوصية إسبانية على الضفة الإفريقية» إلى واقع أوروبي مؤسساتي واقتصادي وأمني شديد التماسك؟
لعل مدريد استوعبت من أحداث يوليوز درسًا واحدًا على الأقل: الحدود التي تريد حمايتها غدًا، تريد أن تجعل أوروبا كلها تقف وراءها اليوم.
ومن هنا تبدأ القصة الحقيقية… لا قصة 309 ملايين يورو فقط.
سبتة ومليلية بين الجوار المغربي ومساعي مدريد لتعزيز ارتباطهما بأوروبا