من محددات السياسة الحكيمة التي تعتمدها المملكة المغربية ، أنها في تطور دائم لا تتوقف آلياته ولا تتراجع منطلقاته ، تمتلك القدرات على التجاوز والانتقال من مرحلة إلى أخرى ، بتخطي العراقيل وبتذليل الصعاب وبإزالة المثبطات ، لتستأنف الانطلاق في الاتجاه المرسوم ضمن الاستراتيجية الوطنية العامة التي تحكم السياسات العمومية ، وتضبط المسارات المخطط لها .
وهذا هو جوهر التقدم نحو الأمام ، في مفهومه العلمي ومدلوله العملي ومضمونه الاستراتيجي .
لقد طويت صفحة النسخة الخامسة والثلاثين من كأس أفريقيا للأمم ، وخرجنا منها منتصرين على شتى المستويات ، و إن لم نفز بالبطولة ، لأن المنجزات التي حققناها والمكاسب التي راكمناها والنجاحات التي أحرزنا عليها ، هي أعلى قيمةً من أي فوز وبأي كأس ، لأنها الباقية ، و ما عداها فهو الزائل.
و دخلنا اليوم المرحلة ما بعد الكان / المغرب 2025، وهي الأصعب والأعقد والأثقل أعباء والأكثر مسؤوليات ، و أمامنا تحديات أكبر عقدنا العزم على رفعها ، وصممنا على تحويلها إلى فرص للاستثمار في مؤهلاتنا و مقدراتنا ووسائلنا ومواردنا البشرية ، من أجل أن نحقق مستويات أعلى من النجاح تفوق ما أحرزنا عليه خلال المرحلة السابقة التي دخلت التاريخ ، لنكون الدولة الصاعدة التي تلعب مع الكبار وتساهم في بناء السلام العالمي ، من خلال تنظيم كأس العالم لكرة القدم التي لا يفصلنا عنها سوى أربع سنوات ، وضعنا لها خريطة طريق لتكون أكبر من المستوى المطلوب تنظيماً واستضافةً وتدبيراً و إدارةً بالتعاون والتنسيق الكاملين مع الجارتين إسبانيا والبرتغال اللتين نتشارك معهما في تنظيم الدورة المقبلة لكأس العالم لكرة القدم .
إن أجندة المغرب خلال المرحلة الجديدة التي بدأناها عقب الدورة الخامسة والثلاثين لكأس أفريقيا للأمم ، حافلة بالمهام الكبرى وبأوراش العمل ذات الأبعاد المتعددة ، ومليئة بالانشغالات التي تتطلب الانخراط في تنفيذ مشاريع بالغة الأهمية ، في المقدمة منها مشروع تنفيذ خطة الحكم الذاتي في أقاليمنا الجنوبية تحت السيادة المغربية الكاملة غير المنقوصة ، على أساس قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2797 .
لقد تجاوزنا مرحلة كأس أفريقيا للأمم ، بكل ماجَرَياتها التي صارت من التاريخ . ولكننا لم نتجاوز الروح التي سادت تلك المرحلة ، والتي تمثلت في الوحدة الوطنية و العزيمة الجماعية و التجاوب مع السياسات التي نفذتها الحكومة تنفيذاً للتوجيهات الملكية السامية ، إلى جانب التفاني في العمل والضبط والإتقان في الإنجاز والتنافس في تنفيذ المخططات الخاصة بالبنيات التحتية التي تمت بالخبرة المغربية في جميع المراحل . فهذه الروح هي التي ستسود المرحلة الجديدة ، لنبني مغرب السرعة الواحدة ، مغرب الوحدة الوطنية والترابية ، مغرب المستقبل ، في ظل الأمن والسلم والتضامن والتماسك والتعاون على تحقيق مصالح الوطن ومطالب المواطن .
فالمغرب ، إذن ، في موعد مع التاريخ ، وطنياً وقارياً و دولياً ، يعرف طريقه ، ويقدر مسؤولياته ، ويدرك أن المستقبل يبدأ اليوم ، وأن الحضارة تقوم على العمل المتواصل والابتكار والإبداع والشجاعة في اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب .
فليس أمام المغرب سوى أن يمضي قدماً نحو الأمام ، وأن لا يشغل باله بما لا يستحق الانتباه، وأن يكون دائماً قاطرةً تربط بين أفريقيا وأوروبا والأمريكتين وآسيا ، وأن يحافظ على مركزه الدولي في الفضاءات العالمية ، بقيادة جلالة الملك محمد السادس ، حفظه الله وأيده وعافاه .
فإلى الأمام دائماً على طريق التقدم والتميز والتفوق والريادة ، نحو صناعة المستقبل الذي يليق ببلادنا ذات الحضارة الباذخة والعراقة الأصيلة والتاريخ الحافل بالأمجاد الشامخة .