2026 أغسطس/أوت 24 - تم تعديله في [التاريخ]

اتركونا نعبد الله… واتركونا نحب رسول الله

في ذكرى المولد النبوي، يدعو الكاتب بوشعيب حمراوي إلى احترام حق المسلمين في الاختلاف، واستعادة رحمة الرسول ﷺ وأخلاقه بعيدًا عن التبديع والتخوين والتشدد.



*بقلم: بوشعيب حمراوي*
في ذكرى المولد النبوي الشريف… لا تجعلوا محبة رسول الرحمة سببًا للتبديع والتخوين، ولا تعسّروا على الناس دينًا جاء باليسر والرحمة

تحل علينا ذكرى المولد النبوي الشريف، فتعود معها إلى القلوب سيرة رجل غيّر مجرى التاريخ، وأخرج الناس من ظلمات الجهل والوثنية والظلم إلى نور الإيمان والعلم والرحمة والعدل. إنها ذكرى ميلاد سيدنا محمد ﷺ، رسول الله وخاتم أنبيائه، الإنسان الذي حمل الرسالة، وتحمل في سبيلها ما لا يحتمله بشر عادي، وظل إلى آخر لحظات حياته حريصًا على أمته، خائفًا عليها من المشقة والضياع.

وما إن تحل هذه الذكرى حتى تتجدد، للأسف، معارك قديمة بين المسلمين؛ فريق يحتفي بالمولد باعتباره مناسبة لاستحضار السيرة النبوية والصلاة على الرسول ﷺ وتعليم الأبناء أخلاقه وشمائله، وفريق يرى أن تخصيص يوم بعينه للاحتفاء لم يكن من عمل السلف، فيرفض ذلك من منطلق اجتهاده وفهمه.

ولا مشكلة في أن يختلف المسلمون في مسألة اجتهادية.

المشكلة تبدأ حين يتحول الاختلاف إلى خصومة، والخصومة إلى تبديع، والتبديع إلى تجريح في العقائد والنيات، وكأن بعضنا أصبح يحمل مفاتيح الجنة والنار ويوزع شهادات الإيمان على الناس.

لهذا نقول بكل بساطة:

اتركونا نعبد الله… واتركونا نحب رسول الله ﷺ.

ولا تعسّروا علينا ديننا.

نحن نعبد الله… ونحب رسوله

من أغرب ما يقع في بعض النقاشات أن الإنسان قد يجد نفسه مضطرًا إلى الدفاع عن حقه في محبة النبي ﷺ، وكأن المحبة أصبحت تهمة تحتاج إلى التبرير.

نحن لا نعبد رسول الله. ولا نعتقد له شيئًا من خصائص الألوهية.

ونؤمن أن العبادة لله وحده لا شريك له.

لكننا نحب محمدًا ﷺ لأنه رسول رب العالمين، ولأنه الذي بلغنا الرسالة، وحمل إلينا القرآن، وعلمنا الصلاة والصيام والزكاة والحج، وعلمنا كيف نعامل آباءنا وأمهاتنا وأبناءنا وجيراننا، وكيف نكون صادقين وأمناء ورحماء.

نحبه لأن الله أحبه واصطفاه. ونصلي ونسلم عليه لأن الله سبحانه وتعالى أمر المؤمنين بذلك:

﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

فأين المشكلة إذا استغل مسلم ذكرى المولد النبوي ليجلس مع أبنائه ويحدثهم عن رسول الله؟

وأين المشكلة إذا قرأ سيرته؟ أو أكثر من الصلاة والسلام عليه؟

أو أطعم الطعام؟ أو نظم لقاءً للتعريف بأخلاقه؟

ما دام كل ذلك داخل دائرة عبادة الله وتوقير رسوله، بعيدًا عن الغلو والشرك وكل ما يخالف أصول الدين؟

رسول خاف المشقة على أمته

ولعل من أجمل ما يمكن أن نستحضره في ذكرى المولد النبوي الشريف تلك الصورة العظيمة من ليلة الإسراء والمعراج.

فرض الله سبحانه وتعالى على أمة محمد ﷺ في البداية خمسين صلاة في اليوم والليلة.

وبعد أن لقي النبي ﷺ موسى عليه السلام وأخبره بما فرض الله عليه وعلى أمته، أشار عليه موسى بأن أمته لن تطيق ذلك، وأن يسأل ربه التخفيف.

فعاد رسول الله ﷺ يسأل ربه التخفيف.

وتكرر الأمر حتى جعل الله الصلوات المفروضة خمسًا في اليوم والليلة، مع بقاء ثوابها خمسين.

خمس بدل خمسين. لا ينبغي أن نمر على هذه القصة فقط باعتبارها واقعة تاريخية أو معجزة من معجزات الإسراء والمعراج.

إنها تحمل معنى بالغًا في عمق الدين نفسه. محمد ﷺ كان يخاف على أمته من المشقة. كان يريد لها أن تعبد الله، لكنه كان يريد لها أيضًا أن تستطيع حمل تكاليف دينها. كان رحيمًا بها حتى قبل أن تعيش الأجيال التي ستأتي بعده. وكان يحمل همّ أمة لم ير معظم أفرادها ولم يلتق بهم. ولهذا وصفه الله تعالى بقوله:

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.

والتعبير القرآني بليغ: «عزيز عليه ما عنتم»… أي يشق عليه أن تقعوا في العنت والمشقة.

فإذا كان رسول الله ﷺ نفسه حريصًا على رفع المشقة عن أمته، فكيف تحول التدين عند بعضنا إلى سباق في التشديد على الناس؟

لا تجعلوا التدين مسابقة في التحريم

لدينا أحيانًا فهم غريب للتدين. كأن الأكثر تحريمًا هو الأكثر ورعًا. وكأن الأكثر تشددًا هو الأكثر تمسكًا بالدين. وكأن المسلم كلما ضيق على الناس أكثر أصبح أقرب إلى الله. وهذا منطق يحتاج إلى مراجعة عميقة.

لقد قال رسول الله ﷺ: «يسّروا ولا تعسّروا، وبشّروا ولا تنفّروا». هذه ليست جملة للتزيين، بل منهج في الدعوة وفي التعامل مع الناس.

الداعية الذي يجعل الناس يكرهون الدين يحتاج إلى مراجعة أسلوبه، ولو كان يقصد الخير. والواعظ الذي لا يسمع الناس منه إلا كلمات التحريم والعقاب والوعيد، ولا يحدثهم عن رحمة الله ومغفرته وحلمه، يقدم لهم صورة ناقصة عن الدين. والذي يحول كل اختلاف فقهي إلى حرب عقائدية، لا يجمع المسلمين، بل يفرقهم.

نحن بحاجة إلى من يقرب الناس من الله، لا إلى من يقيم بينهم وبين ربهم الحواجز.

المولد النبوي… اختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى فتنة

لنكن واضحين. هناك اختلاف معروف بين العلماء حول حكم تخصيص ذكرى المولد النبوي بالاحتفاء. ومن حق كل مسلم أن يتبع في ذلك ما يطمئن إليه من رأي علمي معتبر. لكن من الخطير أن يحاول كل طرف تحويل اجتهاده إلى معيار وحيد لإيمان الآخرين.

من لا يريد الاحتفال فله ذلك. ولا ينبغي لأحد أن يجبره عليه.

ومن أراد أن يجعل المناسبة فرصة لقراءة السيرة والصلاة على النبي ﷺ وإطعام الطعام وتعليم أبنائه أخلاقه، فهو مسؤول أمام الله عن نيته وعمله. ليس من حقنا أن نفتش في قلبه، ولا أن نتهمه في عقيدته لمجرد أنه اختار شكلًا من أشكال التعبير عن محبته.

هناك فرق كبير بين النقاش العلمي والتخوين الديني. والدين أقوى من أن يخاف من الاختلاف.

لماذا نختلف حول المولد أكثر مما نختلف حول أخلاق الرسول؟

وهنا تكمن مفارقة مؤلمة.

قد نقضي ساعات وأيامًا نتجادل حول حكم الاحتفاء بالمولد النبوي، لكننا لا نخوض بالحماس نفسه في الحديث عن الأخلاق التي جاء بها صاحب المولد.

نتخاصم حول المناسبة، ولا نتخاصم حول الكذب.

نتجادل حول شكل الاحتفاء، ولا ننزعج بالقدر نفسه من الرشوة والفساد وأكل حقوق الناس.

نملأ المنابر بالكلام عن البدعة، بينما تمر أمامنا مظالم يومية كثيرة بلا غضب مماثل.

نختلف حول كيفية التعبير عن محبة الرسول ﷺ، ولا نسأل أنفسنا بالجدية ذاتها:

كم أخذنا من صدقه؟ كم أخذنا من رحمته؟ كم أخذنا من أمانته؟ كم أخذنا من عدله؟ كم أخذنا من وفائه؟ كم تعلمنا منه العفو عند المقدرة؟ وكم تعلمنا منه الإحسان إلى الضعفاء؟

أليس الأجدر أن نجعل ذكرى مولده مناسبة لامتحان علاقتنا بأخلاقه قبل امتحان الآخرين في طريقة احتفائهم به؟

نريد أبناءنا أن يعرفوا رسولهم

لدينا أجيال صغيرة تعرف أسماء لاعبين ومشاهير ومؤثرين وفنانين أكثر مما تعرف عن سيرة رسولها.

وهذا في حد ذاته سبب كاف لكي نحول المناسبات الدينية إلى فضاءات للتربية والمعرفة.

حدثوا أبناءكم عن محمد ﷺ… حدثوهم عن الطفل اليتيم الذي أصبح قائد أمة، وعن الشاب الذي لقبته قريش بالصادق الأمين قبل البعثة، وعن الرجل الذي أوذي فأبى أن ينتقم لنفسه، وعن القائد الذي دخل مكة منتصرًا وقد أصبح خصوم الأمس تحت سلطته، فلم يجعل النصر مناسبة للانتقام.

حدثوهم عن رحمته بالأطفال، وعن معاملته لجيرانه، وعن احترامه للنساء، وعن اهتمامه بالفقير واليتيم والمسكين.

هذا هو المولد الذي نحتاجه. ليس مجرد أضواء وأهازيج، بل معرفة وسيرة وأخلاق ووعي.

بين الغلو والجفاء طريق اسمه المحبة

كما يجب أن نرفض الغلو في الرسول ﷺ، يجب أيضًا أن نرفض الجفاء في التعبير عن محبته.

الإسلام دين توحيد. والله وحده هو المعبود.

لكن رسول الله ﷺ ليس شخصية تاريخية عادية بالنسبة للمسلمين.

هو النبي والقدوة والمعلم. ونحن مأمورون باتباعه وتوقيره والصلاة والسلام عليه. والاعتدال هنا واضح: لا نرفعه إلى مقام الألوهية.

ولا نحوله، في المقابل، إلى مجرد اسم نردده دون محبة وشوق واقتداء.

بين الغلو والجفاء توجد مساحة واسعة اسمها المحبة الواعية.

محبة لا تنازع الله في ألوهيته، ولا تنقص من مقام الرسول الذي اختاره الله لحمل رسالته.

اتركوا الناس يقتربون من الله

كم من إنسان يبحث اليوم عن طريق إلى الله.

وكم من شاب يريد أن يعود إلى الصلاة.

وكم من أسرة تريد أن تربي أبناءها على الدين.

وكم من إنسان أثقلته الحياة ويريد أن يجد في المسجد والقرآن والدعاء طمأنينة.

هؤلاء يحتاجون من يأخذ بأيديهم، لا من يرهبهم.

يحتاجون من يقول لهم إن باب الله مفتوح، لا من يشعرهم أنهم لن يكونوا مؤمنين حتى يجتازوا عشرات امتحانات التشدد.

الإسلام ليس ناديًا مغلقًا. والتدين ليس امتيازًا يحتكره فريق.

والله أقرب إلى عباده من كل المتحدثين باسمه.

لا تحوّلوا ذكرى الرحمة إلى موسم للخصومة

كيف يمكن أن نحتفي بذكرى ميلاد رجل وصفه الله بأنه رحمة للعالمين، ثم نحول المناسبة نفسها إلى موسم للخصومة؟

كيف نجعل اسم رسول الرحمة مدخلًا للعداوة بين المسلمين؟

من أراد أن ينصح فليَنصح بأدب. ومن أراد أن يخالف فليخالف بعلم.

ومن رأى خطأ فليبينه دون أن يهين صاحبه. لسنا بحاجة إلى مزيد من الصراعات الدينية داخل مجتمعاتنا.

لدينا ما يكفينا من أزمات اجتماعية واقتصادية وأخلاقية وثقافية.

فلنحافظ على الدين فضاءً يجمعنا بدل أن نجعله سلاحًا نضرب به بعضنا بعضًا.

ذكرى المولد… لنستعد منها رسول الرحمة

ليس المطلوب في ذكرى المولد النبوي الشريف أن نرفع أصواتنا أكثر.

المطلوب أن نستعيد الرسول ﷺ في حياتنا.

أن نستعيد صدقه في معاملاتنا، وأمانته في وظائفنا، وعدله في مسؤولياتنا، ورحمته داخل أسرنا، وتواضعه في علاقاتنا.

وحلمه عند الخصومة، واحترامه للإنسان.

لو خرجنا من ذكرى المولد بخلق واحد من أخلاق محمد ﷺ أصبح جزءًا من حياتنا، لكان ذلك أعظم من آلاف الكلمات والخطب والاحتفالات.

اتركونا نحب رسول الرحمة

في ذكرى المولد النبوي الشريف، لا نطلب من أحد أن يشاركنا طريقة تعبيرنا عن المحبة. ولا نريد أن نفرض على أحد احتفالًا لا يراه مناسبًا. لكننا نطالب بشيء أبسط وأعمق:

احترموا حق الناس في الاختلاف.

اتركونا نعبد الله كما أمرنا.

واتركونا نحب رسوله ﷺ.

اتركونا نصلي عليه. اتركونا نقرأ سيرته. اتركونا نحدث أبناءنا عنه.

اتركونا نفرح بذكره. ولا تجعلوا من كل اختلاف سببًا للتبديع والتكفير والتخوين.

فهذا النبي الذي نختلف اليوم حول طريقة الاحتفاء بذكرى مولده هو نفسه الذي كان يخشى العنت على أمته. وهو نفسه الذي راجع ربه في أمر الصلوات حتى خففت من خمسين إلى خمس.

وهو نفسه الذي قال: «يسّروا ولا تعسّروا، وبشّروا ولا تنفّروا».

وهو نفسه الذي وصفه الله بأنه:

﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.

فلا تجعلوا من دين رسول الرحمة دينًا للمشقة.

ولا تجعلوا من ذكرى مولده ذكرى للصراع. ولا تجعلوا من محبتنا له تهمة. نحن نعبد الله وحده، ونحب نبيه ورسوله محمدًا ﷺ.

ونرجو أن تكون ذكرى مولده فرصة لنتعلم منه كيف نكون أكثر رحمة ببعضنا، وأكثر تسامحًا في اختلافنا، وأكثر صدقًا في إيماننا.

اتركونا نعبد الله…

واتركونا نحب رسول الله ﷺ.




في نفس الركن