*العلم الإلكترونية - حكيمة الوردي*
قُتل رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الليبية، اللواء فوزي المنصوري، إثر استهداف سيارته بعبوة ناسفة في مدينة بنغازي، في حادث أمني خطير لم تتضح بعد جميع ملابساته والجهة التي تقف وراءه.
وبحسب المعطيات الأولية، وقع الانفجار مساء الثلاثاء 11 غشت الجاري، عقب خروج المنصوري من صلاة العشاء، حيث استهدفت العبوة السيارة التي كان يستقلها بمنطقة الهواري، وسط حي السيدة عائشة بمدينة بنغازي.
وعقب الحادث، باشرت الأجهزة الأمنية المختصة تحقيقاتها للكشف عن ظروف وملابسات عملية الاستهداف، وتحديد هوية المتورطين والدوافع والخلفيات المرتبطة بالهجوم.
وفي أول تحرك رسمي عقب الاغتيال، وجّه قائد القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية، المشير خليفة حفتر، بتشكيل لجنة أمنية للتحقيق في مقتل اللواء فوزي المنصوري، حيث شرعت اللجنة في مباشرة أعمالها للوقوف على تفاصيل العملية وكشف ملابساتها.
كما قدم حفتر واجب العزاء لأسرة المنصوري، في أعقاب مقتله، في وقت شددت فيه القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية على أن منفذي الهجوم «لن ينجوا من العقاب»، مؤكدة مواصلة العمل لمكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن والاستقرار وتوحيد مؤسسات الدولة.
من جانبه، أعلن خالد المحجوب، مدير إدارة التوجيه المعنوي بالجيش الليبي، في تصريحات لقناة «القاهرة الإخبارية»، اغتيال مدير إدارة الاستخبارات العسكرية اللواء فوزي المنصوري، واصفاً العملية بأنها «محاولة يائسة من عناصر إرهابية»، ومؤكداً استمرار التحقيقات لكشف كافة تفاصيل الحادث وتحديد المتورطين فيه.
وكان قائد الجيش الليبي خليفة حفتر قد كلف اللواء فوزي المنصوري بإدارة الاستخبارات العسكرية التابعة للقيادة العامة للقوات المسلحة الليبية في 20 ماي 2024، بعدما شغل منصب رئيس منطقة سبها العسكرية منذ 3 غشت 2021.
ويأتي اغتيال المنصوري في ظل حساسية الموقع الذي كان يشغله داخل المؤسسة العسكرية في شرق ليبيا، فيما لا تزال هوية منفذي العملية والجهة التي تقف وراءها غير معلنة رسمياً.
وتتواصل التحقيقات الأمنية لكشف كيفية تنفيذ عملية الاستهداف وتحديد المسؤولين عنها، في انتظار ما ستسفر عنه أعمال اللجنة الأمنية من نتائج ومعطيات جديدة بشأن ملابسات اغتيال رئيس الاستخبارات العسكرية الليبية.
اغتيال المنصوري يعيد ملف سيف الإسلام إلى الواجهة
وهنا يبرز سؤال أكثر حساسية: هل كان فوزي المنصوري على صلة مباشرة بملف اغتيال سيف الإسلام القذافي؟
لا يتعلق الأمر فقط بما إذا كان رئيس الاستخبارات العسكرية الليبية يمتلك معلومات حساسة حول عملية قتل سيف الإسلام، وإنما يطرح السؤال أيضاً احتمال أن تكون له، بحكم موقعه ومسؤولياته الأمنية، صلة مباشرة أو غير مباشرة بالملف، سواء من خلال جمع المعلومات أو متابعة التحقيقات أو معرفة تفاصيل ظلت بعيدة عن الرأي العام.
ففي فبراير 2026، قُتل سيف الإسلام القذافي في مدينة الزنتان في ظروف وصفتها تقارير ليبية بأنها غامضة، قبل أن يعلن النائب العام الليبي أن التحقيقات أثبتت تعرضه لأعيرة نارية، وأنها أسفرت عن تحديد مشتبه فيهم والشروع في الإجراءات القانونية بحقهم.
وبعد أشهر قليلة، يُغتال فوزي المنصوري، الذي كان يشغل منصب مدير إدارة الاستخبارات العسكرية التابعة لقوات شرق ليبيا، بعبوة ناسفة استهدفت سيارته في بنغازي، من دون أن تعلن السلطات حتى الآن هوية منفذي العملية أو دوافعهم.
ومن هنا تبرز فرضية تستحق التحقيق، لا الجزم: هل كان المنصوري يعرف شيئاً عن خلفيات مقتل سيف الإسلام القذافي، أو يمتلك معلومات يمكن أن تكشف أسماء أو أدواراً أو ملابسات ظلت طي الكتمان؟ وهل يمكن أن تكون تلك المعلومات قد جعلته هدفاً لعملية تصفية لاحقة؟
والسؤال الأكثر حساسية: هل كان المنصوري مجرد مسؤول أمني يمتلك معلومات عن الملف، أم أن التحقيقات المستقبلية قد تكشف وجود دور مباشر له في العملية التي انتهت بمقتل سيف الإسلام؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالاستنتاج وحده، ولا توجد حتى الآن أدلة منشورة تثبت تورط المنصوري في اغتيال سيف الإسلام أو وجود علاقة بين الجريمتين. لكن التزامن الزمني، وطبيعة منصب المنصوري، وحساسية ملف سيف الإسلام، ثم اغتيال المسؤول الأمني نفسه بطريقة استهدفت سيارته بعبوة ناسفة، تجعل فرضية وجود صلة بين الملفين جديرة بالتحقيق الجاد.
وإذا كانت لجنة التحقيق في اغتيال المنصوري تريد الوصول إلى الحقيقة كاملة، فإن من الأسئلة التي ينبغي ألا تغيب عنها: هل كانت لدى المنصوري ملفات أو معلومات تتعلق بمقتل سيف الإسلام القذافي؟ ومن كان آخر من تواصل معه أو التقى به قبل اغتياله؟ وهل كان قد بدأ، قبل مقتله، في اتخاذ إجراءات أو فتح ملفات يمكن أن تكون قد أثارت مخاوف لدى أطراف نافذة؟
وفي انتظار نتائج التحقيقات، يبقى الربط بين اغتيال الرجلين فرضية مفتوحة وليست حقيقة مثبتة. لكن الكشف عن حقيقة مقتل سيف الإسلام، وكذلك حقيقة اغتيال فوزي المنصوري، قد يكشفان جانباً من الصراع الخفي على مستقبل ليبيا، ومن يملك مفاتيح القرار الأمني والسياسي فيها.
وفي بلد أنهكته سنوات الصراع وتعدد مراكز النفوذ، قد لا تكون بعض الاغتيالات مجرد أحداث أمنية معزولة، بل حلقات في صراعات أكبر تتداخل فيها المصالح السياسية والأمنية والإقليمية. ومن هنا تكتسب قضية فوزي المنصوري أهمية تتجاوز شخصه، لتفتح من جديد السؤال الأوسع حول من يملك مفاتيح القرار في ليبيا، ومن له مصلحة في إبقاء بعض الملفات الحساسة بعيداً عن الضوء؟