2026 أغسطس/أوت 27 - تم تعديله في [التاريخ]

الأدوية ليست سلعة عادية.. اخفضوا الأسعار، ولكن لا تجعلوا الدواء الرخيص دواءً مفقوداً

يناقش الكاتب "بوشعيب حمراوي" تحديات خفض أسعار الأدوية بالمغرب بعد دخول المرسوم 2.25.631 حيز التنفيذ، محذراً من أن نجاح الإصلاح يرتبط بتوفر العلاج وحماية الصيدليات والتوزيع والصناعة الوطنية والسيادة الدوائية.


صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الإصطناعي

*بقلم: بوشعيب حمراوي*
بعد دخول إصلاح الأسعار حيز التنفيذ… الاختبار الحقيقي ليس في الرقم على العلبة، بل في جيب المريض ورفوف الصيدليات ومخازن المستشفيات والسيادة الدوائية للمغرب

لا أحد يمكنه أن يعارض خفض أسعار الأدوية إذا كان ذلك سيخفف عن مريض يقتطع كل شهر جزءاً من دخله لشراء علاج الضغط أو السكري أو القلب أو السرطان أو غيرها من الأمراض المزمنة والمكلفة. ولا يمكن لأي دفاع عن أرباح شركة أو هامش موزع أو مصلحة صيدلية أن يكون أقوى من حق المريض في العلاج، لأن الدواء، قبل أن يكون منتوجاً اقتصادياً يباع ويشترى، هو في النهاية جرعة أمل وحياة وصحة، وقد يكون بالنسبة إلى مريض فقير أو متقاعد أو أسرة محدودة الدخل الفارق بين الاستمرار في العلاج والتخلي عنه.

لكن السياسة الدوائية لا تُصنع بالشعارات، والدواء ليس كأي سلعة يمكن أن نخفض ثمنها ثم نعتبر أن الملف أُغلق.

لأن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح مباشرة بعد السؤال عن الثمن هو: هل سيجد المريض هذا الدواء عندما يحتاج إليه؟

ثم يأتي سؤال ثانٍ لا يقل أهمية: هل سنظل قادرين على إنتاج جزء معتبر من أدويتنا داخل المغرب، أم سندفع الصناعة الوطنية تدريجياً إلى الانكماش لنعود أكثر ارتباطاً بالاستيراد؟

وسؤال ثالث: هل يمكن تخفيض الأسعار بطريقة تحمي، في الوقت نفسه، الحلقة التي توصل الدواء من المصنع إلى المريض، من موزعين وصيدليات ومستشفيات؟

إنها معادلة دقيقة، ومن الخطأ أن نختزلها في مواجهة سطحية بين «مواطن يريد الدواء رخيصاً» و«صيدلي يريد الربح»، أو بين «حكومة تخفض الأسعار» و«مهنيين يعارضون الإصلاح». فالواقع أعقد من ذلك، ومصلحة المريض نفسها تقتضي أن تكون كل حلقات سلسلة الدواء قادرة على الاستمرار في أداء وظيفتها.

إصلاح جديد… والهدف المعلن يستحق الدعم

دخل المغرب، خلال شهر غشت 2026، مرحلة جديدة في تنظيم أسعار الأدوية، بعد نشر المرسوم رقم 2.25.631 المعدل للنظام المعمول به منذ سنة 2013. وكانت الحكومة قد صادقت عليه في 22 يوليوز، معلنة أن أهدافه تتمثل في تحسين ولوج المواطنين إلى الأدوية من خلال خفض أسعارها، وتقليص العبء المالي المتبقي على عاتق المؤمنين، والمساهمة في استدامة التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، إلى جانب دعم تنافسية الصناعة الدوائية الوطنية وترسيخ السيادة الدوائية.

وهي أهداف يصعب الاختلاف حولها. فالمريض يريد ثمناً يستطيع أداءه، ونظام التأمين الصحي لا يمكنه الاستمرار إذا انفجرت نفقاته الدوائية بلا ضوابط، والدولة مطالبة، في الوقت نفسه، بألا تجعل المغرب مرتهناً بالكامل للأسواق الخارجية في قطاع يتعلق بالأمن الصحي للبلاد.

والنظام الجديد يقر، من بين مستجداته، مراجعة دورية للأسعار كل ثلاث سنوات، ومراجعة عامة للأدوية الموجودة في السوق خلال اثني عشر شهراً من دخوله حيز التنفيذ، فضلاً عن تغييرات في منهجية مقارنة الأسعار ومعالجة الأدوية المستوردة.

لكن إصدار مرسوم جيد على الورق لا يعني أن النتائج ستأتي تلقائياً. وهنا تبدأ المساءلة الحقيقية.

نحن لا نخفض أثمان الأحذية… نحن نتحدث عن دواء

في أسواق كثيرة يمكن للسعر أن ينخفض، فيخرج منتج من السوق ويأتي آخر، أو تتوقف شركة عن البيع ويعوضها منافس جديد، دون أن يهدد ذلك حياة أحد. أما سوق الدواء فلا يحتمل هذه البساطة.

حين يختفي حذاء من متجر نستبدله بحذاء آخر.

وحين يختفي دواء يحتاج إليه مريض بالسرطان أو القلب أو الصرع أو مرض مزمن، فإن الأمر لا يعود نقاشاً حول العرض والطلب، بل يصبح مسألة صحة وربما حياة.

ولهذا فإن التخفيض الناجح ليس ذلك الذي يجعل الرقم المطبوع على العلبة أصغر فقط، وإنما الذي يجعل الدواء أقل سعراً وأكثر توفراً في الوقت ذاته.

وليس هذا تخويفاً افتراضياً. فمجلس المنافسة نفسه، وهو المؤسسة التي دفعت بقوة في اتجاه إصلاح سوق الدواء، شدد في رأيه الأخير على ضرورة حماية توفر الأدوية، وعلى أن اختلال التوازن الاقتصادي لبعض حلقات التوزيع يمكن أن يؤثر في استمرارية الإمدادات والوصول إلى العلاج. كما أوصى بمراجعة نموذج تعويض الصيدليات والموزعين، وخصوصاً بالنسبة إلى الأدوية مرتفعة الكلفة، حتى لا تؤدي الاختلالات الاقتصادية إلى صعوبات في التوزيع والتوفر.

إذن، المسألة ليست: هل نخفض الأسعار أم لا؟

بل: كيف نخفضها دون أن نخلق مشكلة جديدة ونحن نعالج المشكلة القديمة؟

أرقام تكشف أن الملف أكبر من سعر العلبة

يكفي أن نقرأ بعض الأرقام التي جمعها مجلس المنافسة لنعرف أننا أمام قطاع اقتصادي وصحي ضخم ومتشابك.

سوق الأدوية بالمغرب بلغ رقم معاملات يقارب 25.91 مليار درهم سنة 2024، ويضم أكثر من 7500 دواء حاصل على ترخيص للتسويق. وتغطي الصناعة المحلية حوالي 52 في المائة من الحاجيات من حيث القيمة، ونحو 75 في المائة من حيث عدد الوحدات.

تلك أرقام تدعو إلى شيء من الاطمئنان، لأنها تؤكد أن المغرب يمتلك قاعدة صناعية دوائية حقيقية.

لكن الوجه الآخر للصورة ينبغي ألا يطمئننا كثيراً.

فخلال سنة 2024، تجاوزت واردات الأدوية 10.6 مليارات درهم، في حين ظلت الصادرات في حدود 1.6 مليار درهم تقريباً، ما أدى إلى عجز تجاري دوائي يقارب تسعة مليارات درهم.

وهنا يصبح الحديث عن «السيادة الدوائية» أكبر بكثير من خطاب جميل.

فالسيادة لا تعني فقط أن تكون لدينا مصانع تحمل أسماء مغربية أو أجنبية فوق التراب المغربي، وإنما أن نمتلك قدرة حقيقية ومستدامة على إنتاج ما يحتاج إليه المواطن، وأن نقلص ارتباطنا بالخارج، خصوصاً في الأدوية والمواد الأولية الاستراتيجية التي قد يصبح الحصول عليها صعباً في زمن الأزمات والحروب واضطراب سلاسل التوريد.

لقد علمتنا جائحة كورونا أن البلد الذي لا يمتلك جزءاً معتبراً من حاجياته الصحية قد يجد نفسه، في لحظة أزمة، يبحث في الأسواق العالمية عما يبحث عنه الجميع في اللحظة نفسها.

السيادة الدوائية لا تُبنى بالشعارات ولا بالأسعار المرتفعة

لكن الدفاع عن الصناعة الوطنية لا ينبغي أن يتحول بدوره إلى ذريعة لإبقاء أسعار مرتفعة على حساب المواطنين.

فلا معنى لصناعة وطنية قوية إذا كان المريض المغربي لا يستطيع شراء إنتاجها.

ولا معنى أيضاً لدواء منخفض الثمن إذا أدت سياسة التسعير إلى جعل إنتاجه أو توزيعه غير قابل للاستمرار.

المعادلة العادلة تقع بين الطرفين.

نريد صناعة دوائية وطنية تنافسية، لكنها ليست محمية من كل مراجعة. ونريد دواء في متناول المواطن، ولكننا لا نريد سياسة أسعار تحسب الربح الصحي الآني وتنسى كلفة الاعتماد المتزايد على الاستيراد مستقبلاً.

لذلك ينبغي أن يرافق إصلاح الأسعار تصور صناعي واضح: ما هي الأدوية الاستراتيجية التي ينبغي أن ينتجها المغرب محلياً، مهما كانت تقلبات السوق؟ وما هي المواد الأولية التي يمكن توطين صناعتها؟ وما الحوافز التي تُمنح للمصنع الذي ينتج الأدوية الأساسية والجنيسة؟ وما نسبة المكون المحلي الحقيقية في كل ما نسميه «صناعة وطنية»؟

هذه الأسئلة أهم من الاكتفاء بعدد الوحدات الصناعية المفتوحة أو بيانات الاستثمارات المعلنة.

الصيدلي ليس خصماً للمريض

ومن الإنصاف أيضاً ألا نحول الصيدلي إلى متهم كلما تحدث عن وضعه الاقتصادي.

المغرب كان يتوفر سنة 2024 على حوالي 14,134 صيدلية، بعدما كان عددها 9,185 فقط سنة 2015، أي بزيادة تقارب 54 في المائة خلال تسع سنوات، وهي وتيرة تفوق كثيراً تطور عدد السكان. وقد وصف مجلس المنافسة بنفسه النموذج الاقتصادي لجزء واسع من الصيدليات بأنه هش، وأكد أن التوازن المالي للصيدليات يؤثر في قدرة المرضى على الوصول إلى العلاج واستدامة سلسلة التوزيع بأكملها.

لذلك، ليس المطلوب حماية هامش ربح غير مبرر، ولا الدفاع عن امتيازات إن وجدت، ولكن المطلوب هو بناء نموذج يجعل الصيدلي يحصل على مقابل عادل للخدمة التي يؤديها، بدل أن يرتبط دخله حصرياً أو بشكل شبه كامل بسعر الدواء.

وهذه إحدى الأفكار المهمة التي اقترحها مجلس المنافسة: الانتقال نحو نموذج يجمع بين الهامش التجاري وتعويض عن فعل صرف الدواء والخدمة الصيدلية.

وهو نقاش يستحق أن يُفتح بجدية. فالصيدلي ليس مجرد بائع يسلم علبة ويأخذ ثمنها.

إنه جزء من المنظومة الصحية، وعليه مسؤوليات في حفظ الأدوية، والتأكد من سلامة صرفها، وتقديم المعلومات للمريض، والتعامل مع وصفات طبية وحالات تحتاج إلى يقظة ومهنية.

إذا أردنا خفض أسعار الأدوية، فلنبحث، في الوقت نفسه، عن طريقة حديثة وعادلة لتعويض الخدمة الصيدلية، حتى لا يصبح ثمن الدواء وحده هو الذي يحدد بقاء الصيدلية أو إفلاسها.

وبين المصنع والصيدلية… حلقة لا يراها المريض

هناك كذلك الموزعون بالجملة الذين لا يراهم المواطن، لكن الدواء لا يصل إلى رفوف الصيدلية من دونهم.

سجل المغرب سنة 2024 وجود 66 مؤسسة للتوزيع بالجملة، غير أن ست مجموعات وحدها تسيطر على أكثر من 84 في المائة من السوق.

وهي درجة تركّز تستحق المراقبة، ولكن هذه المؤسسات تتحمل أيضاً التزاماً قانونياً بتكوين مخزونات أمان لضمان استمرار التموين، وهو ما يفرض عليها تكاليف مالية ولوجستيكية معتبرة. وقد نبه مجلس المنافسة إلى أن الضغوط على هوامش الموزعين وتمويل المخزون وآجال الأداء قد تؤثر مستقبلاً على صلابة شبكة التوزيع وتوفر العلاج، إذا لم تُعالج بطريقة متوازنة.

وهذا يذكرنا، مرة أخرى، بأن كل قرار يمس سعراً في آخر السلسلة يتحرك أثره في كل ما قبلها.

المصنع. المستورد. الموزع. الصيدلي. المستشفى. ثم المريض.

ومن الخطأ أن نصلح حلقة ونحن لا نعرف ما الذي سيحدث لبقية الحلقات.

والدواء داخل المستشفى؟ هنا توجد مشكلة أخرى

ثم هناك جانب يكاد يغيب كلما نوقشت أسعار الأدوية: الدواء داخل المستشفى العمومي.

فالمواطن قد لا يهتم كثيراً بسعر دواء يفترض أن توفره له مؤسسة صحية عمومية، إذا كان هذا الدواء غير موجود عندما يحتاج إليه.

وتقرير مجلس المنافسة يقدم تشخيصاً مقلقاً لمسار التموين في القطاع الاستشفائي العمومي، متحدثاً عن صعوبات في توقع الحاجيات، وآجال في معالجة الطلبيات قد تصل إلى شهرين، وفترة إجمالية للتموين قد تبلغ خمسة أشهر، إضافة إلى محدودية الموارد البشرية المتخصصة، وتعثر بعض الصفقات، وتشبع المستودع المركزي ببرشيد، وضعف قدرات بعض المستودعات الجهوية ووسائل النقل والتخزين، فضلاً عن غياب نظام معلوماتي مندمج يسمح بمعرفة المخزونات والاستهلاك والحاجيات في الزمن الحقيقي.

هنا يصبح الحديث عن سعر الدواء وحده ناقصاً جداً.

فما الفائدة أن نوفر للدولة دواء بسعر أقل إذا كانت دورة الطلب والتوريد والتخزين تجعل المريض ينتظر أو يبحث عنه خارج المستشفى؟

السياسة الدوائية لا تبدأ من المختبر ولا تنتهي عند تحديد السعر.

إنها سلسلة تبدأ من قرار التصنيع أو الاستيراد، وتمر بالترخيص والتسعير والمراقبة والمخزون والتوزيع والشراء العمومي، ولا تنتهي إلا عندما تصل الجرعة الصحيحة إلى المريض في الوقت المناسب.

الدواء الجنيس… كنز ما زلنا لا نستثمره بما يكفي

وهناك باب آخر يمكن أن يسمح لنا بتخفيض نفقات العلاج دون التضحية بالتوفر أو الجودة: الأدوية الجنيسة.

بيانات مجلس المنافسة تبين أن نسبة اختراق الجنيس بالسوق الخاصة سنة 2024 بلغت نحو 56.1 في المائة من حيث عدد الوحدات، و50.4 في المائة من حيث القيمة.

والسؤال هنا ليس لماذا نفرض على المواطن دواء أرخص، وإنما لماذا لا نبني ثقافة صحية تجعل الطبيب والصيدلي والمريض يثقون في الجنيس عندما يكون معتمداً ومتكافئاً علاجياً؟

فكل درهم توفره منظومة التأمين من دواء يمكن استبداله ببديل جنيس آمن وفعال، هو درهم يمكن توجيهه إلى علاج مريض آخر أو دواء أكثر كلفة لا يوجد له بديل.

لكن هذا يتطلب رقابة صارمة على الجودة، ودراسات التكافؤ الحيوي، وشفافية، وتوعية للمواطن، وإطاراً واضحاً لمسؤولية الطبيب والصيدلي، حتى لا يشعر المريض بأن اختيار الجنيس هو اختيار «الدواء الرخيص للفقراء»، بل اختيار علاجي علمي واقتصادي سليم متى توافرت الشروط.

لا تجعلوا المريض ممولاً أخيراً لكل الاختلالات

وفي نهاية كل هذه السلسلة يبقى المواطن.

هو الذي لا يهمه كثيراً اسم المرسوم، ولا طريقة حساب سعر المصنع، ولا نسب هوامش التوزيع، ولا التفاصيل التقنية للمقارنة الدولية.

المريض يريد أمراً بسيطاً: أن يجد الدواء… أن يكون الدواء سليماً وفعالاً… أن يستطيع أداء ثمنه… وأن يُعوض عنه التأمين الصحي بشكل عادل إذا كان من حقه ذلك.

ولا ينبغي أن يصبح المواطن الممول الأخير لاختلالات المنظومة كلها؛ فلا يعقل أن يدفع ثمن ضعف المنافسة، أو سوء تدبير المشتريات، أو غياب الرقمنة، أو ضعف إنتاج الجنيس، أو اختلال شبكة التوزيع، أو بطء المساطر، أو نقص التخطيط.

وإذا كان الإصلاح الجديد قادراً على تخفيف ما يبقى من مصاريف العلاج على عاتق الأسر، فإن ذلك مكسب يجب الدفاع عنه.

لكن يجب أن نقيسه بنتائجه لا بنواياه.

لا نريد دواء غالياً… ولا دواء رخيصاً لا نجده.

المغرب اليوم أمام فرصة لإعادة بناء سياسته الدوائية على قواعد أكثر عدلاً وعقلانية.

لا ينبغي أن يربح المختبر على حساب المريض، ولا الموزع على حساب الصيدلي، ولا الصيدلي على حساب المواطن.

ولا ينبغي، في الاتجاه الآخر، أن تتحول الرغبة المشروعة في تخفيض الأسعار إلى ضغط غير محسوب يفقد بعض الأدوية جدواها الاقتصادية، أو يضعف الاستثمار والإنتاج الوطني والتوزيع، ثم نستيقظ بعد سنوات لنكتشف أننا أصبحنا أكثر اعتماداً على الخارج.

ما نحتاج إليه ليس حرب أسعار.

نحتاج إلى سياسة دوائية وطنية متكاملة.

سياسة تجعل السعر عادلاً، والدواء متوفراً، والجودة غير قابلة للمساومة، والجنيس أكثر حضوراً، والصيدلية مستقرة، والتوزيع آمناً، والمستشفى قادراً على معرفة مخزونه في اللحظة نفسها، والصناعة الوطنية أقوى، والاستيراد مكملاً لا بديلاً عن القدرة الوطنية.

وعندما تبدأ المراجعة العامة للأسعار خلال الأشهر المقبلة، أتمنى ألا تنشغل الوزارة فقط بالسؤال: كم دواء خفضنا سعره؟

بل أن تنشر للمغاربة، بعد سنة، أجوبة واضحة عن أسئلة أكثر أهمية:

كم انخفض فعلياً ما يدفعه المرضى من جيوبهم؟

كم دواء أصبح أكثر توفراً؟

كم دواء اختفى أو عرف اضطرابات في التموين؟

كم ارتفعت حصة الأدوية الجنيسة؟

كم تقلصت فاتورة الاستيراد؟

كم ارتفعت قدرة الصناعة الوطنية؟

وكم تحسن مخزون المستشفيات العمومية وآجال تزويدها؟

لأن نجاح الإصلاح لن يكون في أن نصنع لائحة طويلة من الأدوية التي انخفضت أثمانها، ثم نصفق للأرقام.

النجاح الحقيقي أن يدخل المريض إلى الصيدلية أو المستشفى، فيجد الدواء الذي يحتاج إليه، بالسعر الذي يستطيع تحمله، وبالجودة التي يستحقها، ومن دون أن يكون المغرب قد دفع، في المقابل، ثمناً أخطر يتمثل في إضعاف صناعة وطنية أو شبكة توزيع أو سيادة صحية بناها عبر عقود.

اخفضوا أسعار الأدوية، نعم. راقبوا الأرباح والمنافسة والهوامش، نعم. وسّعوا استعمال الجنيس وحاربوا كل تضخم غير مبرر في الأسعار، نعم. لكن لا تجعلوا من الدواء الرخيص دواء مفقوداً، ولا تجعلوا من تخفيض الثمن اليوم فاتورة يؤديها المريض والوطن غداً.

فالدواء ليس مجرد علبة عليها ثمن.

الدواء أمن صحي… والأمن الصحي لا يُقاس بالثمن وحده.



في نفس الركن