أسماء لمسردي
يشهد النقاش القانوني المرتبط بحماية الطفولة بالمغرب تحولات متسارعة خلال السنوات الأخيرة، خاصة في ظل الاتجاه المتزايد نحو تبني مقاربات جديدة تجعل المصلحة الفضلى للطفل محور السياسات العمومية والتشريعات الوطنية. ومن بين المفاهيم التي بدأت تفرض حضورها في هذا النقاش مفهوم "الأسر المستقبلة"، باعتباره إحدى الآليات البديلة للرعاية المؤسساتية للأطفال والأحداث الذين يوجدون في وضعية هشاشة أو في نزاع مع القانون.
وتقوم فلسفة الأسرة المستقبلة على إسناد رعاية الطفل، بصفة مؤقتة أو طويلة الأمد، إلى أسرة بديلة تتوفر فيها شروط الاستقرار والحماية والتأطير التربوي، عوض إيداعه داخل مؤسسة للرعاية أو مركز للإيواء. ويستند هذا التوجه إلى قناعة متزايدة لدى المختصين في علم النفس والاجتماع والقانون مفادها أن البيئة الأسرية الطبيعية أو البديلة تظل أكثر قدرة على تحقيق التوازن النفسي والاجتماعي للطفل من المؤسسات المغلقة مهما بلغت جودة خدماتها.
وعلى الصعيد الدولي، تعد تجربة المملكة المتحدة من أبرز النماذج في هذا المجال، حيث يشكل نظام الأسر الحاضنة (Foster Care) العمود الفقري لمنظومة حماية الطفولة، إذ يتم إسناد آلاف الأطفال سنويا إلى أسر مؤهلة تخضع للتكوين والمراقبة الدورية من قبل السلطات المختصة. كما تعتمد كندا وأستراليا ونيوزيلندا النموذج ذاته مع تطوير آليات للمواكبة النفسية والاجتماعية وتقييم الأسر المستقبلة بشكل مستمر.
أما فرنسا، فقد اعتمدت منذ عقود نظام "الأسر الحاضنة" كجزء من منظومة المساعدة الاجتماعية للطفولة، حيث يخضع الأشخاص الراغبون في استقبال الأطفال لتكوين خاص وترخيص إداري ومراقبة مستمرة، مع توفير دعم مالي وتقني يمكنهم من أداء هذه المهمة ذات البعد الاجتماعي والإنساني.
وتشير العديد من الدراسات الدولية إلى أن الأطفال المستفيدين من الرعاية الأسرية البديلة يحققون نتائج أفضل على مستوى الاندماج الاجتماعي والتحصيل الدراسي والاستقرار النفسي مقارنة بالأطفال الذين يقضون فترات طويلة داخل مؤسسات الإيواء. كما أن الرعاية الأسرية تساهم في الحد من مخاطر العود إلى الانحراف بالنسبة للأحداث الموجودين في نزاع مع القانون، لأنها توفر لهم روابط عاطفية واجتماعية مستقرة تساعدهم على إعادة بناء مسارهم الشخصي.
نجاح الأسر المستقبلة لا يرتبط فقط بالنص القانوني، بل بوجود جهاز مؤسساتي قادر على اختيار الأسر وتأهيلها وتتبع الأطفال المودعين لديها، لأن التجارب المقارنة أظهرت أن الرعاية الأسرية قد تتحول بدورها إلى مصدر للمخاطر إذا لم تكن خاضعة للمراقبة والتقييم المستمر.
وفي المغرب، ظل النموذج التقليدي للرعاية قائما أساسا على مؤسسات حماية الطفولة ومراكز الإيواء والرعاية الاجتماعية. غير أن السنوات الأخيرة شهدت ظهور تجارب أولية للأسر المستقبلة أو "أسر الحماية"، بدعم من مؤسسات وطنية وشركاء دوليين، في محاولة لاختبار إمكانية نقل بعض الأطفال من الرعاية المؤسساتية إلى الرعاية الأسرية البديلة.
كما أن الإصلاحات التشريعية الحديثة أظهرت توجها واضحا نحو تعزيز البدائل الأسرية وإعطاء الأولوية للعيش داخل محيط عائلي كلما كان ذلك ممكنا. ويعكس هذا التوجه انسجام المغرب مع المبادئ الواردة في اتفاقية حقوق الطفل والتوجيهات الأممية المتعلقة بالرعاية البديلة للأطفال.
غير أن نجاح تجربة الأسر المستقبلة بالمغرب يظل رهينا بتجاوز عدد من التحديات العملية والقانونية. فالأمر لا يتعلق فقط بإيجاد أسر راغبة في استقبال الأطفال، بل يقتضي وضع إطار قانوني دقيق يحدد شروط الاعتماد والمراقبة والمسؤوليات المترتبة عن هذا الاستقبال. كما يتطلب توفير مواكبة نفسية واجتماعية مستمرة للأطفال والأسر المستقبلة على حد سواء، فضلا عن توفير الموارد البشرية والمالية الكفيلة بضمان استدامة التجربة.
ويضاف إلى ذلك تحدي الخصوصية الثقافية والاجتماعية، إذ لا يزال المجتمع المغربي أكثر ألفة مع نظام الكفالة منه مع مفهوم الأسر المستقبلة المتداول في بعض الأنظمة المقارنة، الأمر الذي يفرض مجهودا تحسيسيا وتواصليا لتوضيح طبيعة هذا النظام وأهدافه وحدوده القانونية.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن في استنساخ التجارب الأجنبية بحذافيرها، بل في بناء نموذج مغربي للرعاية الأسرية البديلة يستلهم الممارسات الدولية الناجحة مع مراعاة الخصوصيات القانونية والاجتماعية الوطنية. وإذا ما تم توفير الضمانات القانونية والمؤسساتية الكافية، فإن الأسر المستقبلة قد تشكل مستقبلا إحدى أهم آليات حماية الأطفال وإعادة إدماج الأحداث، بما ينسجم مع التحول العالمي من منطق الإيواء المؤسساتي إلى منطق الرعاية الأسرية القائمة على المصلحة الفضلى للطفل.
يشهد النقاش القانوني المرتبط بحماية الطفولة بالمغرب تحولات متسارعة خلال السنوات الأخيرة، خاصة في ظل الاتجاه المتزايد نحو تبني مقاربات جديدة تجعل المصلحة الفضلى للطفل محور السياسات العمومية والتشريعات الوطنية. ومن بين المفاهيم التي بدأت تفرض حضورها في هذا النقاش مفهوم "الأسر المستقبلة"، باعتباره إحدى الآليات البديلة للرعاية المؤسساتية للأطفال والأحداث الذين يوجدون في وضعية هشاشة أو في نزاع مع القانون.
وتقوم فلسفة الأسرة المستقبلة على إسناد رعاية الطفل، بصفة مؤقتة أو طويلة الأمد، إلى أسرة بديلة تتوفر فيها شروط الاستقرار والحماية والتأطير التربوي، عوض إيداعه داخل مؤسسة للرعاية أو مركز للإيواء. ويستند هذا التوجه إلى قناعة متزايدة لدى المختصين في علم النفس والاجتماع والقانون مفادها أن البيئة الأسرية الطبيعية أو البديلة تظل أكثر قدرة على تحقيق التوازن النفسي والاجتماعي للطفل من المؤسسات المغلقة مهما بلغت جودة خدماتها.
وعلى الصعيد الدولي، تعد تجربة المملكة المتحدة من أبرز النماذج في هذا المجال، حيث يشكل نظام الأسر الحاضنة (Foster Care) العمود الفقري لمنظومة حماية الطفولة، إذ يتم إسناد آلاف الأطفال سنويا إلى أسر مؤهلة تخضع للتكوين والمراقبة الدورية من قبل السلطات المختصة. كما تعتمد كندا وأستراليا ونيوزيلندا النموذج ذاته مع تطوير آليات للمواكبة النفسية والاجتماعية وتقييم الأسر المستقبلة بشكل مستمر.
أما فرنسا، فقد اعتمدت منذ عقود نظام "الأسر الحاضنة" كجزء من منظومة المساعدة الاجتماعية للطفولة، حيث يخضع الأشخاص الراغبون في استقبال الأطفال لتكوين خاص وترخيص إداري ومراقبة مستمرة، مع توفير دعم مالي وتقني يمكنهم من أداء هذه المهمة ذات البعد الاجتماعي والإنساني.
وتشير العديد من الدراسات الدولية إلى أن الأطفال المستفيدين من الرعاية الأسرية البديلة يحققون نتائج أفضل على مستوى الاندماج الاجتماعي والتحصيل الدراسي والاستقرار النفسي مقارنة بالأطفال الذين يقضون فترات طويلة داخل مؤسسات الإيواء. كما أن الرعاية الأسرية تساهم في الحد من مخاطر العود إلى الانحراف بالنسبة للأحداث الموجودين في نزاع مع القانون، لأنها توفر لهم روابط عاطفية واجتماعية مستقرة تساعدهم على إعادة بناء مسارهم الشخصي.
نجاح الأسر المستقبلة لا يرتبط فقط بالنص القانوني، بل بوجود جهاز مؤسساتي قادر على اختيار الأسر وتأهيلها وتتبع الأطفال المودعين لديها، لأن التجارب المقارنة أظهرت أن الرعاية الأسرية قد تتحول بدورها إلى مصدر للمخاطر إذا لم تكن خاضعة للمراقبة والتقييم المستمر.
وفي المغرب، ظل النموذج التقليدي للرعاية قائما أساسا على مؤسسات حماية الطفولة ومراكز الإيواء والرعاية الاجتماعية. غير أن السنوات الأخيرة شهدت ظهور تجارب أولية للأسر المستقبلة أو "أسر الحماية"، بدعم من مؤسسات وطنية وشركاء دوليين، في محاولة لاختبار إمكانية نقل بعض الأطفال من الرعاية المؤسساتية إلى الرعاية الأسرية البديلة.
كما أن الإصلاحات التشريعية الحديثة أظهرت توجها واضحا نحو تعزيز البدائل الأسرية وإعطاء الأولوية للعيش داخل محيط عائلي كلما كان ذلك ممكنا. ويعكس هذا التوجه انسجام المغرب مع المبادئ الواردة في اتفاقية حقوق الطفل والتوجيهات الأممية المتعلقة بالرعاية البديلة للأطفال.
غير أن نجاح تجربة الأسر المستقبلة بالمغرب يظل رهينا بتجاوز عدد من التحديات العملية والقانونية. فالأمر لا يتعلق فقط بإيجاد أسر راغبة في استقبال الأطفال، بل يقتضي وضع إطار قانوني دقيق يحدد شروط الاعتماد والمراقبة والمسؤوليات المترتبة عن هذا الاستقبال. كما يتطلب توفير مواكبة نفسية واجتماعية مستمرة للأطفال والأسر المستقبلة على حد سواء، فضلا عن توفير الموارد البشرية والمالية الكفيلة بضمان استدامة التجربة.
ويضاف إلى ذلك تحدي الخصوصية الثقافية والاجتماعية، إذ لا يزال المجتمع المغربي أكثر ألفة مع نظام الكفالة منه مع مفهوم الأسر المستقبلة المتداول في بعض الأنظمة المقارنة، الأمر الذي يفرض مجهودا تحسيسيا وتواصليا لتوضيح طبيعة هذا النظام وأهدافه وحدوده القانونية.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن في استنساخ التجارب الأجنبية بحذافيرها، بل في بناء نموذج مغربي للرعاية الأسرية البديلة يستلهم الممارسات الدولية الناجحة مع مراعاة الخصوصيات القانونية والاجتماعية الوطنية. وإذا ما تم توفير الضمانات القانونية والمؤسساتية الكافية، فإن الأسر المستقبلة قد تشكل مستقبلا إحدى أهم آليات حماية الأطفال وإعادة إدماج الأحداث، بما ينسجم مع التحول العالمي من منطق الإيواء المؤسساتي إلى منطق الرعاية الأسرية القائمة على المصلحة الفضلى للطفل.