2026 يوليو/جويلية 28 - تم تعديله في [التاريخ]

الأمراض النفسية.. معاناة صامتة بين الحاجة إلى العلاج والخوف من نظرة المجتمع

49% من المغاربة البالغين يعانون من اضطراب نفسي واحد على الأقل


*العلم إلكترونية: سلمى يفلح - صحفية متدربة*
 
لم تعد الأمراض النفسية حالات نادرة أو معزولة، بل أصبحت من أبرز القضايا الصحية التي تفرض نفسها عالميا، في ظل الارتفاع المتزايد في أعداد المصابين بها وتأثيرها المباشر في جودة الحياة والإنتاجية والعلاقات الاجتماعية. ولم يعد الحديث عن الصحة النفسية يقتصر على المختصين، بل أصبح جزءا من النقاش العمومي، بعدما أثبتت الدراسات أن الاضطرابات النفسية يمكن أن تصيب أي شخص، بغض النظر عن عمره أو جنسه أو مستواه الاجتماعي، وأن تجاهلها قد يحولها إلى معاناة طويلة الأمد.

وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن واحدا من كل سبعة أشخاص في العالم يعاني من اضطراب نفسي، وهو ما يعكس حجم الظاهرة على المستوى العالمي. أما في المغرب، فقد كشفت الندوة الوطنية الأخيرة الحديثة حول الصحة النفسية بالرباط أن 49% من المغاربة البالغين يعانون من اضطراب نفسي واحد على الأقل. غير أن هذه النسبة لا تعني، كما يعتقد البعض، أن نصف المغاربة فقدوا عقولهم أو يعانون من أمراض عقلية حادة، بل تشمل اضطرابات نفسية شائعة مثل القلق والاكتئاب والضغط النفسي، وهي حالات قد يعيشها الإنسان بصمت لسنوات دون أن ينتبه المحيطون به إلى حجم معاناته.

الخوف من المجتمع يؤخر العلاج

وفي هذا السياق، يرى الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية الدكتور طيب حمدي أن الأرقام التي تفيد بأن قرابة نصف المغاربة البالغين يعانون أو عانوا في مرحلة من حياتهم من اضطرابات نفسية أو عقلية، تعكس ما وصفه بـ"الجائحة الصامتة"، بالنظر إلى آثارها التي لا تقتصر على الفرد فقط، بل تمتد إلى الأسرة والمجتمع والإنتاجية الاقتصادية والاجتماعية.

و أكد أن الاضطرابات النفسية لا تزال في مجتمعنا تحاط بهالة من التابوهات والتمثلات الخاطئة، حيث ينظر للمريض النفسي أحيانا على أنه 'ضعيف شخصية' أو 'مجنون'. هذا الخوف من نظرة المجتمع يدفع بالعديد من المرضى إلى المعاناة في صمت، أو اللجوء إلى حلول بديلة كالرقية والشعوذة، مما يؤدي إلى تدهور حالتهم وتأخر تشخيصهم حتى تقع الكارثة.فآثار الوصمة الاجتماعية حينها لا تقتصر عند الجانب النفسي فقط، بل تمتد إلى الجانب الصحي، إذ يؤدي تأخر طلب المساعدة إلى تفاقم الأعراض وتحول اضطرابات كان من الممكن علاجها في مراحلها الأولى إلى حالات أكثر تعقيدا.

خصاص في الأطباء وصعوبة في الولوج إلى العلاج

غير أن الاعتراف بالمرض وطلب العلاج لا يعني بالضرورة نهاية المعاناة، بل يفتح الباب أمام تحديات أخرى لا تقل صعوبة. فبدل أن يجد المرضى خدمات صحية قريبة وسهلة الولوج، يصطدم كثير منهم بواقع يكشف عن خصاص كبير في الموارد البشرية والإمكانات المخصصة للصحة النفسية.

فالدكتور حمدي يرى أن هذا العبء المرضي يقابله خصاص كبير في عدد الأطباء النفسيين، ما يخلق مفارقة حقيقية بين حجم الطلب وضعف العرض الصحي، خاصة مع تمركز أغلب الأطباء في المحاور الحضرية الكبرى، مثل الرباط والدار البيضاء، وهو ما يحرم عددا كبيرا من سكان المناطق القروية والنائية من حقهم في العلاج النفسي، ويكرس ما يسميه بـ"الصحراء الطبية" في مجال الصحة النفسية.فعدد سكان المغرب يتجاوز أكثر من37 مليون نسمة، في حين لا يتجاوز عدد الأطباء النفسيين445 طبيبا في القطاعين العام والخاص، وهو رقم يطرح تساؤلات حول قدرة المنظومة الصحية على الاستجابة للطلب المتزايد على خدمات الصحة النفسية.

وأكد الدكتور أن الأمر لا يقف عند ندرة الأطباء فقط، بل يشمل أيضا محدودية البنيات الصحية المتخصصة بالمستشفيات العمومية، إلى جانب ارتفاع تكلفة العلاج في القطاع الخاص، وضعف تغطية عدد من الاستشارات والأدوية النفسية، وهو ما يدفع بعض المرضى إلى التوقف عن العلاج أو التخلي عنه نهائيا بسبب الكلفة.

وتكشف هذه المعطيات أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في ارتفاع عدد المصابين بالاضطرابات النفسية، بل في قدرة المنظومة الصحية على ضمان حقهم في العلاج، وفي بناء مجتمع يتعامل مع المرض النفسي باعتباره قضية صحية وإنسانية، لا وصمة اجتماعية. فكلما تراجعت الأحكام المسبقة، وتحسن الولوج إلى خدمات العلاج، ازدادت فرص آلاف المغاربة في استعادة توازنهم النفسي والاندماج من جديد في حياتهم الأسرية والدراسية والمهنية.



في نفس الركن