2023 يونيو/جوان 16 - تم تعديله في [التاريخ]

الأولوية لدى الأقوياء تتمثل في إلهاء العالم بالحروب المفتعلة وتجنب التصدي للأخطار الحقيقية المحدقة بالعالم


العلم الإلكترونية - بقلم عبد الله البقالي

الواضح أن مؤشرات سلبية كثيرة مصرة على التكالب ضد الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في العالم مما سيزيد من متاعب ملايين الأشخاص في العديد من الأقطار. وسيفاقم الأوضاع المعيشية لجحافل من الفئات من ذوي الدخل المحدود والمتوسط. إذ لن تقتصر التداعيات المقلقة المترتبة عن الأزمة الصحية التي هزت أركان العالم، والتي تسببت في اختلالات عميقة في سلاسل الإنتاج والتسويق، وحدت من حريات التنقل والتجول. ولن تتوقف عند ما خلفته الحرب الروسية الأوكرانية المدمرة. وهي التداعيات التي ساهمت إلى حد كبير في ارتفاع مهول في أسعار العديد من المواد الاستهلاكية الأساسية والخدمات، وأجبرت حكومات العديد من الدول على اتخاذ تدابير صارمة لمواجهة ظاهرة التضخم .

لن تقتصر التداعيات السلبية على كل هذه التكلفة الباهظة، إذ تؤكد مؤشرات تم الكشف عنها قبل أيام قليلة من اليوم، عن معطيات جديدة ستزيد الأوضاع المعيشية لشرائح كثيرة صعوبة وترديا .

فقد كشف تقرير جديد للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، نشر على العموم قبل أيام قليلة، عن معطيات مقلقة في هذا الصدد، ستكون لها تداعيات سلبية ستزيد الأوضاع تعقيدا. وهكذا يؤكد التقرير الجديد أن المعطيات المتعلقة بأحوال الطقس والمناخ ستعرف خلال السنة الجارية والسنة المقبلة تقلبات سلبية مؤثرة، حيث يكشف عن نهاية مرتقبة قريبا لظاهرة (النينيا)، التي تعتبر ظاهرة مناخية تحدث نتيجة برودة غير عادية لسطح المياه في المنطقة الاستوائية في المحيط الهادئ، مما يساعد على التصدي للجفاف و شح سقوط الأمطار في أجزاء شاسعة من المعمور. ويؤكد التقرير بداية قريبة لظاهرة (النينيو) التي هي عبارة عن دورة مناخية مناقصة تحدث في المحيط الهادئ، ويكون لها تأثير كبير على حالة الطقس في جميع أنحاء العالم. وعادة ما تبدأ حينما تنتقل المياه الدافئة في المحيط الهادئ من الجهة الغربية إلى الجزء الشرقي الاستوائي، باتجاه سواحل أمريكا الجنوبية على طول خط الاستواء، وبعد ذلك تطفو هذه المياه الدافئة على مياه غرب أمريكا الجنوبية. و هذا ما يؤثر على درجات الحرارة في المحيطات في المناطق المدارية، ويتسبب في التغيير الذي يطرأ على الطقس الموسمي في جميع أنحاء العالم، وفي الجفاف في أستراليا وفي تغيير الرياح الموسمية الصيفية في الهند .

وهكذا يتوقع تقرير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن تتسبب ظاهرة (النينيو) في ارتفاع درجات الحرارة بمعدلات قياسية تتعدى ما سجل سنة 2016، وقد تصل إلى مستوى جفاف حاد جدا و خطير، في استراليا وإندونيسيًا و الهند وفي بعض مناطق جنوب آسيا، مما يهدد بدوره بنشوب حرائق في الغابات. إضافة إلى أن هذه الظاهرة المناخية المقلقة، التي يسميها المختصون في علم المناخ ب (طفل المحيط الهادئ المرعب) تهدد باستمرار ارتفاع درجات الحرارة و بالزيادة في حجم التساقطات المطرية في جنوب أمريكا اللاتينية وجنوب الولايات المتحدة الأمريكية ومنطقة القرن الأفريقي وآسيا الوسطى، مما يهدد بدوره بحدوث فياضانات وانزلاقات في الأتربة .

التقرير الجديد يكشف أن الثمان سنوات الماضية كانت الأكثر سخونة بمستويات غير مسبوقة، و يؤكد في هذا الصدد أن معدل ارتفاع درجة الحرارة سنة 2022 فاق 1,2 درجة حرارية رغم وجود ظاهرة (النينيا) التي تعتبر مناقضة لظاهرة (النينيو) وكان متوقعا منها أن تحد من هذا الارتفاع .

ما يتضمنه هذا التقرير الصادر عن منظمة عالمية متخصصة في المناخ، يؤشر على اختلالات متوقعة في الانتاج الغذائي العالمي، خصوصا ما يتعلق بالفلاحة والصيد البحري، حيث سيتسبب التغير المناخي المتوقع في تقليص كبير في الانتاج الفلاحي وكميات الصيد البحري من الأسماك، وفي مزيد من تقلص في الموارد المائية العالمية. و هذا يعني، في حالة إذا ما ترك مصير البشرية على حاله، مزيدا من شح المواد الغذائية، مما سيكون سببا آخر في استمرار ارتفاعات جديدة في أسعارها، وفي سيادة قلق لدى الدول المنتجة للمواد الفلاحية والسمكية سيدفعها إلى تقليص صادراتها من هذه المواد، وفي تعميق الاختلالات في سلاسل الإنتاج والتسويق .

موازاة مع ظهور هذه التهديدات الخطيرة، يواصل المجتمع الدولي انشغاله بحروب مفتعلة، في حين يتعمد التغافل عن التهديدات الحقيقية المحدقة بمصير مئات الملايين من الأشخاص في العالم. وهو يؤكد من خلال ذلك، زيف شعاراته التي تدعي التصدي للتغيرات المناخية وما تشكله من أخطار حقيقية على البشرية جمعاء. وهكذا فإن الرهان الرئيسي والأولوية المطلقة حاليا بالنسبة للأقوياء المتحكمين في رقاب النظام العالمي الجديد، هو الرهان على الانتصار في حرب مفتعلة تمثل لحظة صدام لمصالحها الاستراتيجية والسياسية، وليس التصدي للأخطار والتهديدات المحدقة بالبشرية.



في نفس الركن