العلم - بقلم أسماء لمسردي
انطلقت الاحتفالات برأس السنة الأمازيغية "ناير" أو "حاكوزة" أو "ايض يناير 2976..." بمختلف المناطق الأمازيغية بشمال افريقيا، الذي يصادف ما بين 12 و14 يناير. وهذا الاحتفاء يعد تقليدا عريقا يشكل لحظة رمزية للاعتزاز بالهوية الأمازيغية، ويجسد عمق التنوع الثقافي والحضاري الذي تتميز به شمال افريقيا، باعتبارها أرضا للتعايش والانفتاح.
انطلقت الاحتفالات برأس السنة الأمازيغية "ناير" أو "حاكوزة" أو "ايض يناير 2976..." بمختلف المناطق الأمازيغية بشمال افريقيا، الذي يصادف ما بين 12 و14 يناير. وهذا الاحتفاء يعد تقليدا عريقا يشكل لحظة رمزية للاعتزاز بالهوية الأمازيغية، ويجسد عمق التنوع الثقافي والحضاري الذي تتميز به شمال افريقيا، باعتبارها أرضا للتعايش والانفتاح.
ترتبط رأس السنة الأمازيغية بالتقويم الفلاحي الأمازيغي، وهناك من يربطها أيضا بصعود الملك الأمازيغي "شيشنق" إلى عرش مصر القديمة عام 950 قبل الميلاد. ولكن بالرغم من اختلاف الروايات حول هذا الحدث، إلا أن ما لا جدال فيه هو أن هذا الاحتفال يعكس ارتباطا قويا بين الإنسان الأمازيغي وأرضه، وموسم الزراعة والغلة، مما يجعل من هذه المناسبة فرصة للاحتفاء بالخيرات والأمل في سنة فلاحية خصبة.
والاحتفالات بهذه المناسبة تتخذ طابعاً شعبياً تقليديا هوياتياً وفق الموروث الثقافي لكل منطقة، وإلى جانب هذا تحيى سهرات غنائية فولكلورية، وندوات فكرية للتعريف بالهوية الأمازيغية والتاريخ الأمازيغي والموروث الثقافي، وبطبيعة الحال لا تمر هذه المناسبة لدى الأمازيغ دون تحضير الأطباق التقليدية المتميزة الخاصة بهذه المناسبة، مثلا في منطقة الريف المغربية الاحتفال لا يمر دون وجود أطباق من المكسرات والفواكه الجافة والتمر والأهم من هذا كله وجود نوع من الزرع المحمص الذي يطلق عليه بـ"ثغواوين" تيمنا ببركة غلة السنة، والكسكس المزين بالمكسرات والفواكه الجافة، ولدى عموم الأمازيغ غالبا ما تكون تقريبا نفس العادات هذه المرتبطة بغلة السنة.
وتحمل طقوس الاحتفال بـ"ناير" رسائل رمزية: كالأكل الجماعي، إخفاء بعض الحبوب في الطعام، تزيين المنازل وأماكن الاحتفال بتحف وأفرشة وديكورات تقليدية تؤثث للثقافة الأمازيغية، وتزيين خاصة الأطفال بملابس وحلي أمازيغية تعبر عن المناطق التي ينتمون إليها، لأنه إلى جانب كون هذه المناسبة احتفالا هوياتيا وثقافيا فإنها أيضا مناسبة لتلقين الأطفال قيم الأرض، والكرم، والانتماء، ولا تمر هذه الاحتفالات سواء العائلية أو الجماعية دون الأجواء الموسيقية الشعبية المحلية والفولوكلورية.
وبعدما أقر صاحب الجلالة الملك محمد السادس بجعل رأس السنة الأمازيغية عطلة رسمية مؤدى عنها، إسوة بالتوقيمين الهجري والميلادي، أصبح هذا العيد وطنيا يشمل كل تراب المملكة وتعم الاحتفالات كل أرجاء المملكة خاصة العاصمة التي شهدت السنة الماضية احتفالات كبرى لأيام متتالية، في مختلف الفضاءات والمؤسسات، وهذا الإقرار الملكي بهذا العيد اعتبره العديد من النشطاء والباحثين خطوة تاريخية نحو ترسيخ العدالة الثقافية، وإدماج الأمازيغية كمكوّن أصيل في الهوية الوطنية، وفقا لما ينص عليه دستور المملكة الذي اعترف بالأمازيغية لغة رسمية.
إن الاحتفال بالسنة الأمازيغية ليس مجرد تقليد شعبي لدى الأمازيغ، وإنما هو تعبير راسخ عن الرغبة في الحفاظ على الهوية والتراث اللامادي ونقله للأجيال القادمة. كما يشكل فرصة لإحياء الذاكرة الجماعية، ومناسبة ذات دلالات ثقافية وحضارية عميقة، وميثاقا جماعيا يؤكد انتماء هذه الشعوب إلى جماعات متماسكة وراسخة وهو ما يعبرون عنه أثناء احتفالاتهم الجماعية وتقاسمهم وتشاركهم للطعام وما جادت به الأرض عنهم من خيرات، ومواجهة محاولات طمس الهويات المحلية في ظل العولمة الحالية والتصنيفات القومية السابقة.
إن رأس السنة الأمازيغية مناسبة للربط بين الماضي والحاضر، وبين التراث والتحديث. واحتفال متوارث عبر الأجيال يعبر عن الهوية من جهة ولكنه أيضا احتفال بخيرات الموسم الفلاحي وشكر، وأمل وتفاؤل بموسم أحسن مليء بالوفرة والخيرات، ومناسبة يحتفل بها المغاربة في القرى كما في المدن، تعكس الوعي الجماعي بأهمية الثقافة الأمازيغية في بناء مغرب متنوع، متماسك، يفتخر بتعدديته، ويؤسس لمواطنة ثقافية شاملة.
رئيسية 








الرئيسية 





