العلم الإلكترونية - بقلم أسماء لمسردي
شهدت الساحة المالية المغربية في السنوات الأخيرة تناميا ملحوظا لحالات الاختلاس والاحتيال على أرصدة الزبناء، وهو ما لم يعد يقتصر على الأخطاء الفردية أو التجاوزات الداخلية من بعض الموظفين، بل امتد ليشمل الهجمات السيبرانية المنظمة، والاحتيالات عبر الهاتف والبريد الإلكتروني، واستغلال الثغرات التقنية. هذا التوسع في الظاهرة يعكس تحولات في طبيعة الجريمة المالية، ويطرح تحديات استراتيجية للنظام البنكي والاقتصادي المغربي، ويجعل من حماية الأموال وسلامة المعلومات قضية وطنية بالغة الأهمية.
أساليب الاختلاس تتعدد وتشمل ما يعرف بالهندسة الاجتماعية، حيث يتم الاتصال بالزبون من قبل المحتالين مدعين أنهم من البنك لإقناعه بتسليم معلومات حساسة مثل كلمات المرور أو رموز التحقق. وهناك الهجمات السيبرانية التي تستهدف قواعد البيانات البنكية مباشرة، واختراق الأنظمة الداخلية للبنوك عبر موظفين غير أمناء، وهو ما يعكس وجود شبكات منظمة تتخذ من الفضاء الرقمي منصة للاستيلاء على الأموال، وبعض التحقيقات تشير إلى أن هذه الشبكات قد تكون متصلة بشبكات دولية، ما يجعل الموضوع أوسع من مجرد خروقات فردية، ويستدعي تحليل الأبعاد القانونية، التقنية، والاقتصادية معا.
من الناحية القانونية، يوفر المغرب حماية قوية لحقوق الزبناء وأرصدتهم، حيث ينص القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية المعطيات الشخصية على وجوب حفظ البيانات البنكية وحمايتها، ويضمن مسؤولية جزائية للموظفين غير الأمناء. كما يفرض القانون عقوبات صارمة على الجرائم الإلكترونية والمالية، ويكفل للزبائن تعويضاتهم عند ثبوت أي تقصير من طرف البنوك، لكن الفجوة تكمن أحيانا في تطبيق هذه القوانين بشكل عملي ومواكبة التطور المتسارع لتقنيات الاحتيال الرقمي، ما يستدعي تحديث الإجراءات الرقابية للبنوك وتدريب الموظفين على التعامل مع محاولات الاحتيال الحديثة.
الوعي المالي والرقمي للزبائن يمثل خط الدفاع الأول ضد هذه الاختلاسات، لأن غالبية الاحتيالات تبدأ بتسريب معلومات شخصية عبر البريد الإلكتروني أو المكالمات الهاتفية المزورة، ما يبرز الحاجة إلى تثقيف المواطنين حول أساليب الاحتيال وكيفية حماية بياناتهم وأموالهم، هذا الوعي يضاف إلى الإجراءات البنكية الداخلية ويحول الزبون إلى شريك فاعل في حماية النظام المالي، ومن هنا تنبع أهمية حملات التوعية المنتظمة، ونشر الأدوات الرقمية التي تساعد الزبائن على كشف عمليات الاحتيال قبل وقوعها، بما يرفع من مستوى الوقاية المجتمعية ويعزز الثقة في القطاع البنكي.
الجهات التي تقف وراء هذه الاختلاسات متعددة، وتشمل موظفين داخليين غير أمناء، محتالين محترفين، وخبراء جرائم إلكترونية يعملون أحيانا ضمن شبكات منظمة على المستوى الإقليمي أو الدولي. هذه الشبكات تستفيد من الضعف الرقابي أو التقني للبنوك، وقد تتراوح أهدافها بين سرقة أرصدة صغيرة أو تنفيذ عمليات ضخمة تستهدف النظام المالي نفسه، وهنا يصبح التعاون بين الجهات القضائية والأمن السيبراني والمصارف أمرا حاسما لتعقب الفاعلين ومنعهم من التأثير على الاستقرار المالي، مع تعزيز تبادل المعلومات بين المؤسسات البنكية والهيئات الرقابية لتصميم أنظمة إنذار مبكر متقدمة.
مكافحة الاختلاسات تتطلب استراتيجية متعددة المستويات، فعلى صعيد الأبناك مثلا، يجب تعزيز الرقابة الداخلية، اعتماد بروتوكولات حماية تقنية حديثة، وإنشاء أنظمة إنذار مبكر للكشف عن التحركات المشبوهة، أما على المستوى القانوني، يجب على السلطة القضائية تسريع التحقيقات وتطبيق العقوبات على كل من يثبت تورطه، وفيما يتعلق بالمواطنين بات من الضروري تعميم تعزيز التوعية المالية والرقمية، وتقديم إرشادات عملية للتعامل مع أي محاولات احتيال محتملة، مع تشجيع استخدام التطبيقات البنكية الآمنة وأساليب التحقق المزدوج.
التجارب الدولية أظهرت أن الاستثمار في التعليم المالي والتقني للزبائن، مع رقابة صارمة على الموظفين وأنظمة المعلومات، يقلل بشكل كبير من حجم الاختلاسات. المغرب يمتلك أطره القانونية والإدارية للتصدي لهذه الظاهرة، لكن الفعالية الحقيقية تأتي من تضافر جهود البنوك، الدولة، والمواطنين، بما يخلق ثقافة مالية رقمية متقدمة وحماية مستمرة للأموال، ونجاح مواجهة هذه الظاهرة لا يكمن فقط في العقوبات القانونية، بل في ترسيخ ثقافة مالية رقمية، تعزيز الرقابة الداخلية، وتفعيل التنسيق بين البنوك والسلطات الأمنية والقضائية، بما يجعل المغرب نموذجا في حماية الاقتصاد الوطني وحقوق المواطنين.
في نهاية المطاف، الاختلاسات البنكية ليست مجرد حوادث فردية، بل تحد استراتيجي متداخل الأبعاد بين القانون، التقنية، والوعي الاجتماعي، ويستدعي من كل الفاعلين، من الدولة إلى المواطن، أن يشاركوا في حماية النظام المالي لضمان استدامته واستقرار الاقتصاد الوطني.