20 غشت، لحظة فارقة في تاريخ المغرب المعاصر عبَّر من خلالها المغاربة، ملكاً وشعباً، عن أن زمن الحجر والتبعية قد انتهى، وأنه "ماض لن يعاد"، وأنه لا بديل ولا غد ممكن إلا في ظل الملكية الشرعية الوطنية والمواطنة.
ولقد ظل حزب الاستقلال، عبر مساره النضالي والسياسي الممتد، وفي مختلف المواقع التي شغلها، سواء في معركة الحرية والاستقلال، أو في معترك "الجهاد الأكبر" لبناء الدولة والمؤسسات والديمقراطية، حريصاً على الالتحام العميق بالسردية الوطنية الجامعة، السابقة على ثورة 20 غشت واللاحقة عليها، دون أن يجنح إلى صناعة سردية موازية لها أو في تنازع معها.
آمن الحزب، منذ نشأته في مهد الحركة الوطنية، بأن قوة الفعل السياسي لا تكمن في افتعال القطيعة مع المسار التاريخي للأمة، بل في الاتساق الواعي في ديناميته وتعزيز مقوماته، بما يحفظ وحدة المجتمع ويوطد مقومات الدولة كسقف نحتمي به جميعاً.
ومن هذا المنطلق، حرصت السردية الاستقلالية، بمختلف تنويعاتها وتلويناتها حسب المراحل الزمنية والظرفيات السياسية، على أن تتغذى من مرتكزات جامعة شكلت على الدوام القاعدة الصلبة للوجدان الوطني: الإسلام الوسطي القائم على مقاصد الشريعة والمصالح المرسلة باعتباره عنصر توازن روحي وقيمي للأفراد والجماعات، والملكية الدستورية باعتبارها الإطار الضامن لاستمرارية الدولة ووحدة الأمة، والوحدة الوطنية والترابية باعتبارها أفقاً لا يقبل المساومة، ثم الديمقراطية التي تجعل من المواطنة التامة والكاملة درعاً لسيادة الوطن.
لقد انبثقت هذه السرديات مع بزوغ نوع من الوعي التاريخي والشعور بالانتماء إلى كيان موحد ومستقل اسمه "الأمة المغربية".
سردية "الظهير البربري" (1930) التي نبهت إلى مناورات التفرقة والتقسيم الإثني والثقافي واللغوي، ورسخت في الأذهان أن المغاربة يشكلون أمة واحدة يجمعها الدين والتاريخ والأرض والمصير المشترك. كما أبرزت سردية "عيد العرش"، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، المرتبطة بذكرى تولي السلطان محمد الخامس (محمد بن يوسف) العرش، لحظة وطنية تجسد التلاحم التاريخي المتواصل بين العرش والشعب. وقد أنتجت انتفاضة "الما لحلو" (1937) سردية مبكرة في مقاومة سياسات الظلم والاستبداد والاستغلال الجائر للثروات الوطنية التي كان ينهجها الاستعمار، والدفاع عن حقوق المواطن وكرامته.
وفي خضم هذه التحولات حملت وثيقة المطالبة بالاستقلال (11 يناير 1944) "مشروع" المغرب الجديد الذي يتطلع إلى الالتحاق بمصاف دول "العالم الحر" في أعقاب الحرب العالمية الثانية، معلنة أن زمن الاستعمار قد بدأ ينجلي وأن المغرب ماضٍ في استعادة سيادته وبناء دولته الوطنية المستقلة.
وتذكر أجيال الخمسينيات كيف انتشرت سردية "رؤية السلطان في القمر" (1953)، وهي محكي شعبي جسد المكانة التي يتبوؤها شخص الملك في الوجدان المشترك، باعتباره المنارة التي يستضاء بها في لحظات الكرب والشدة وفي الليالي المظلمة، ورسالة إلى من يهمه الأمر مفادها أن حاضر ومستقبل المغرب لا يمكن أن يُبنى إلا بعودة الملك الشرعي الذي يسكن القلوب وتراه البصائر قبل العيون، رغم البعد والمنفى.
وهكذا، أصبح لهذه السردية عنوان ملهم هو "ثورة الملك والشعب"، وانكتبت عبر وقائع خالدة انطلقت شرارتها مع "نداء القاهرة" للزعيم علال الفاسي، وما تلاه من بطولات مجيدة وقعها علال بنعبد الله، ومحمد الزرقطوني، والحسين برادة، والسعيد بونعيلات، والغالي العراقي... واللائحة تطول بأسماء تحولت إلى رموز للفداء والمقاومة والتحرير في الذاكرة الوطنية.
وفي هذا السياق، انبرى الزعيم علال الفاسي من خلال أشعاره وأناشيده، فضلاً عن قيمتها الإبداعية والفنية، لرسم صورة "المغربي الأبي" الذي يرفض الخنوع ويجعل الكرامة أساس وجوده، وفورة "الشباب" الذين تهون عليهم الصعاب في سبيل الحرية والكرامة، كما رسخ صورة "الوطني" المتشبث بالملكية والمستعد للتضحية من أجل نصرتها. وقد انتشرت تلك الأناشيد في صفوف الشباب والطلبة والمناضلين خلال سنوات الكفاح الوطني، فكانت تُلقى في الاجتماعات والاحتفالات والمظاهرات وتتحول إلى مصدر للتعبئة وحشد الهمم، وسند للصمود والتطلع إلى غد أفضل.
ولم يسبق للسردية الاستقلالية يوماً أن انخرطت في سيناريوهات التفرقة والشتات، أو ساهمت في تسويق حَبْكات الاستكانة والسوداوية أو الانهزامية أمام التحديات. لقد ظلت سردية تجنح إلى السلم والتساكن، وتراهن على أن قوة المجتمع تكمن في وحدته، وعلى أن الاستقرار قيمة لا تدرك إلا بتماسك المؤسسات وتآزر الأفراد والطبقات والقوى الحية للأمة. كما يعتبر حزب الاستقلال أن السردية المغربية ينبغي أن تكون مرآة للسيادة الوطنية ودعامة لها في إشعاع صورة بلد ينظر إلى العالم وفق قواعد جيو-سياسية ودبلوماسية متينة لا تتغير تجاه جواراته وشركائه؛ ينأى بنفسه عن إعطاء الدروس للآخرين أو الشماتة في مصائب حتى من يَكنُّون له العداء. فعندما نتضامن ونتعاطف فإننا لا نعادي أحداً في المقابل، وعندما نصمت فإن صمت المغرب بليغ جداً.
ولأن سرديتنا ليست حكاية من نسج الماضي فحسب، فإننا نواصل السير بدون انقطاع على هذا الخط النضالي والفكري والسياسي، وحقن شرايينها بمستجدات المعرفة والتكنولوجيا والتواصل، وبتحولات المشروع المجتمعي المشترك، وبتنامي منسوب المطالب والانتظارات، وذلك على نهج ما يعزز ثقة المغاربة في أنفسهم وفي مؤسساتهم، ويجعل من تنوع روافد هويتهم مصدر قوة وإبداع وإصلاح مستمر، وانخراطنا بكل إرادية وحماسة في تحقيق الطموح الذي يقوده جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، لجعل المغرب قوة صاعدة ينعم فيها المواطنون والمواطنات بالعدالة الاجتماعية والعدالة المجالية وفعلية الحقوق والعيش الكريم.
العلم