العلم: ليلى فاكر
أظهر تقرير حديث للبنك الدولي أن تحسين مؤشرات الفقر بالمغرب يظل مرتبطاً بقدرة الاقتصاد الوطني على تجاوز الاختلالات التي تطبع سوق الشغل، وتوسيع فرص الإدماج الاقتصادي أمام الفئات التي تواجه صعوبات في الحصول على عمل، خاصة في المناطق القروية. ورغم التحسن الذي شهدته بعض المؤشرات الاقتصادية، مدعوماً بتباطؤ التضخم وتحسن مداخيل العمل في الوسط الحضري، فإن استمرار ضعف إحداث مناصب الشغل وتفاوت فرص الاستفادة من النمو بين المجالات والفئات الاجتماعية يحدان من إمكانية تحقيق تقدم أكثر استدامة في مجال محاربة الفقر.
وأكد التقرير الصادر عن البنك الدولي في 9 أكتوبر 2026، تحت عنوان «الفقر والإنصاف في المغرب»، أن التحديات الاجتماعية التي تواجه المملكة لا ترتبط فقط بمستوى الفقر المسجل، وإنما أيضاً بمدى قدرة الأسر على تحسين مداخيلها وضمان استقرارها الاقتصادي، في ظل استمرار الفوارق المجالية وضعف المشاركة في سوق العمل. وتبرز خلاصات التقرير، أن إحداث فرص الشغل وتعزيز الإدماج الاقتصادي يظلان من العوامل الأساسية لترسيخ المكتسبات الاجتماعية، خصوصاً لدى الفئات التي تتأثر بصورة أكبر بالتقلبات الاقتصادية والمناخية.
وفي هذا الإطار، تبرز المناطق القروية ضمن المجالات التي تواجه تحديات أكبر على مستوى التشغيل، بالنظر إلى محدودية الفرص الاقتصادية المتاحة واستمرار ارتباط مداخيل عدد من الأسر بأنشطة تتأثر بالتغيرات المناخية والظروف الاقتصادية. ويؤدي هذا الوضع إلى تقليص قدرة السكان على تحسين أوضاعهم المعيشية بصورة مستقرة، كما يجعل عدداً من الأسر أكثر عرضة للعودة إلى دائرة الفقر عند مواجهة صدمات تؤثر في مواردها المالية.
ولا يقتصر تأثير ضعف التشغيل على حرمان الأفراد من مصدر قار للدخل، بل يمتد إلى الحد من فعالية الجهود المبذولة لتحسين المؤشرات الاجتماعية، إذ يصعب تحقيق تحسن مستدام في مستوى العيش عندما لا تتوفر للأسر فرص اقتصادية تتيح لها تأمين حاجياتها بصورة منتظمة. ومن ثم، فإن معالجة الفقر تقتضي، إلى جانب مواصلة برامج الدعم الاجتماعي، العمل على توسيع قاعدة الأنشطة المدرة للدخل، وتحفيز الاستثمار في المناطق الأقل استفادة من فرص التنمية، وتعزيز قدرة الاقتصاد على استيعاب اليد العاملة.
وفي المقابل، ساهم تراجع التضخم وتحسن مداخيل العمل في الوسط الحضري في دعم القدرة الشرائية للأسر خلال الفترة الأخيرة، بما انعكس إيجاباً على بعض مؤشرات العيش. غير أن هذا التحسن لا يعني أن مختلف الفئات الاجتماعية استفادت بالدرجة نفسها من التطورات الاقتصادية، في ظل استمرار التفاوتات في فرص العمل والدخل، واختلاف قدرة الأسر على مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة أو فقدان مصادر دخلها.
وتكشف هذه المعطيات عن أهمية عدم الاقتصار على مؤشرات النمو والتضخم عند تقييم التقدم الاجتماعي، بل الأخذ بعين الاعتبار مدى انعكاس التحسن الاقتصادي على فرص التشغيل وتوزيع المداخيل بين السكان. فكلما ظلت فرص العمل محدودة في بعض المجالات، واستمرت الفئات الهشة في مواجهة صعوبات الاندماج الاقتصادي، تراجعت إمكانية تحويل النمو إلى تحسن ملموس ومستدام في مستوى عيش جميع الأسر.
ومن بين المؤشرات التي تعكس هذه الاختلالات، تسجيل معدل النشاط الاقتصادي بالمغرب نحو 43 في المائة سنة 2025، بعدما تراجع بنحو عشر نقاط مئوية مقارنة بمستواه سنة 2000. ويرتبط هذا التراجع، وفق المعطيات التي نقلتها التغطيات الصحفية للتقرير، أساساً بانخفاض النشاط الاقتصادي في المناطق القروية، بما يعكس الصعوبات التي تواجه توسيع المشاركة في سوق العمل خارج المراكز الحضرية.
وتطرح هذه الوضعية تحدياً أمام السياسات العمومية الرامية إلى تحسين التشغيل وتقليص الفوارق المجالية، إذ إن ضعف النشاط الاقتصادي في القرى لا يؤثر فقط في فرص حصول السكان على عمل، وإنما يحد أيضاً من إمكانات تنويع مصادر الدخل وتطوير الأنشطة الإنتاجية المحلية. كما تبرز الحاجة إلى توفير بيئة اقتصادية قادرة على استقطاب الاستثمار وإحداث فرص عمل تتلاءم مع خصوصيات هذه المناطق وإمكاناتها.
وفي سياق متصل، تظل مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي من أبرز التحديات التي سلط التقرير الضوء عليها، إذ لم تتجاوز نسبة مشاركتهن في القوى العاملة 19.7 في المائة سنة 2025، مقابل 68.1 في المائة لدى الرجال. وتعكس هذه الفجوة استمرار التفاوت بين الجنسين في الولوج إلى سوق الشغل، كما تشير إلى محدودية استفادة الاقتصاد الوطني من الإمكانات الإنتاجية للنساء.
وتكتسي هذه المؤشرات أهمية خاصة بالنظر إلى انعكاس المشاركة الاقتصادية على مستوى دخل الأسر وقدرتها على تحسين ظروف عيشها، فضلاً عن دورها في توسيع قاعدة الإنتاج وتعزيز الاستقلال المالي للنساء. ولذلك، فإن تقليص الفجوة بين الرجال والنساء في سوق العمل يظل رهيناً بتطوير فرص التشغيل وتحسين شروط الولوج إليها، إلى جانب معالجة العوائق التي تحول دون المشاركة الاقتصادية للنساء واستمرارهن في العمل.
كما أن ضعف مشاركة النساء، بالتوازي مع تراجع النشاط الاقتصادي في الوسط القروي، يبرز تعدد أبعاد التحدي الذي يواجه سوق الشغل بالمغرب. فالأمر لا يتعلق فقط بعدد مناصب الشغل التي يتم إحداثها، بل أيضاً بمدى قدرة الاقتصاد على توفير فرص متاحة لمختلف الفئات والمجالات، بما يسمح بتوسيع قاعدة المستفيدين من النمو وتحسين توزيع ثماره بصورة أكثر إنصافاً.
وفي مواجهة هذه الاختلالات، تبرز أهمية التوجهات الحكومية الرامية إلى تعزيز التشغيل وتحفيز الاستثمار وتوسيع فرص العمل في المناطق القروية. وتكتسي هذه التدابير أهمية بالنظر إلى الحاجة إلى معالجة الفوارق في الولوج إلى الفرص الاقتصادية، والحد من اعتماد الأسر على أنشطة محدودة المردودية أو شديدة التأثر بالتقلبات، فضلاً عن دعم الإدماج الاقتصادي للفئات التي تواجه صعوبات في دخول سوق العمل.
ويظل تطوير العلاقة بين برامج الحماية الاجتماعية وسياسات التشغيل من المداخل الأساسية لمواجهة هذه التحديات، بالنظر إلى أن التحويلات المالية المباشرة تساهم في تخفيف الأعباء المعيشية عن الأسر الأكثر احتياجاً، لكنها تحتاج إلى أن تواكبها إجراءات تتيح للأفراد الوصول إلى مصادر دخل مستقرة. ويتيح هذا التكامل تعزيز أثر الدعم الاجتماعي، والانتقال تدريجياً من معالجة مظاهر الهشاشة إلى الحد من أسبابها الاقتصادية والاجتماعية.
وبناءً على ذلك، فإن الرهان المطروح أمام المغرب يتمثل في جعل التحسن الاقتصادي رافعة لتوسيع فرص العمل وتقليص التفاوتات، من خلال سياسات تستهدف المناطق القروية، وتعزز مشاركة النساء في النشاط الإنتاجي، وتدعم الاستثمار وخلق فرص الشغل المستدامة. كما أن ضمان استمرارية التقدم في مجال محاربة الفقر يقتضي تحسين قدرة الأسر على مواجهة الصدمات الاقتصادية والمناخية، وتوسيع استفادتها من فرص التنمية، بما يساهم في تحقيق إنصاف الاجتماعي ومجالي أكبر.
2026 أكتوبر 13 - تم تعديله في
[التاريخ]
البنك الدولي يرصد اختلالات سوق الشغل بالمغرب وضغف التشغيل في القرى يحد من تقليص الفقر
في نفس الركن
{{#item}}
{{/item}}
{{/items}}