2026 يوليو/جويلية 14 - تم تعديله في [التاريخ]

التبعية التجارية والسيادة الوطنية في زمن التحولات الاقتصادية.. د. مصطفى بلعوني


التبعية التجارية تؤدي إلى التبعية السياسية ثم إلى عدم حماية الإنتاج الوطني في زمن التكتلات والتحولات الاقتصادية


علمنا التاريخ أن البشرية لا يمكن أن تعيش في عزلة تامة، أو في جزيرة، وتحيط نفسها بسياج حديدي، أو تحفر خندقا عميقا. ولكن العلاقات بين الدول والشعوب يجب أن تكون متكافئة ومتوازنة. لا يمكنها أن تكون على حساب شعب ضد آخر؛ شعب يتمتع بالكسب والرفاه، وشعب آخر يعاني من الفقر والظلم الاجتماعي نتيجة الاستغلال واحتكار الخيرات وامتصاص مدخراته.

إن التاريخ الاجتماعي أو الاقتصادي يبين أن الدول القوية اقتصاديا تمول الشعوب التي هي سائرة في طريق النمو، أو الدول النامية، بقروض أو اتفاقيات تجارية لبيع بعض المواد المصنعة أو نصف المصنعة، أو قروض بعيدة المدى ومتوسطة المدى، أو تكون على شكل رهونات لقطاعات استراتيجية، أو مواد أولية نادرة تصلح في تدوير دولاب القطاعات الصناعية الثقيلة أو الدقيقة، مما يكبل الاقتصاد الوطني ويجعله تابعا للدول الأجنبية أو المانحة للقروض.

علمنا التاريخ أن الشعوب أو الدول التي لا تحمي نفسها وإنتاجها الوطني معرضة للاستعمار والاحتلال، كما وقع في القرن التاسع عشر، عندما خرجت أوروبا الجغرافية نحو مناطق عدة من العالم آنذاك. وبالنسبة لما عرف في المصادر التاريخية والوثائق، فقد بدأت الأزمة المغربية، أو القضية المغربية، وبدأ التكالب الاستعماري المحتدم والصراع بين فرنسا وإنجلترا وألمانيا وإسبانيا على المغرب.

في وقت كانت إنجلترا قد أبرمت مع المملكة الشريفة اتفاقية تجارية عام 1856، بموجبها يمارس التجار الإنجليز التجارة والإقامة في كل تراب المملكة المغربية، وتم تعطى لهم المحلات التجارية للكراء والشراء. أما القضاء، فإن المواطن الإنجليزي، سواء كان متهما في قضية جنائية أو طرفا في نزاع تجاري، يتحاكم وفق القانون الإنجليزي وبحضور القنصل العام البريطاني. وفي هذا الظرف نزلت هيبة الدولة المغربية وسلطة المخزن المغربي، مما كان دعوة غير ضمنية لتكاثر المحميين تحت سلطة الإنجليز. وبدأت الدول الأخرى تحذو حذو الإنجليز، وتطالب بالمعاملة التجارية بالمثل، وبذلك بدأت الدولة تضعف في الدفاع عن السيادة الوطنية.

حيث وقعت الاتفاقية بمدينة طنجة، في عهد السلطان مولاي عبد الرحمن، بين المملكة الشريفة والمملكة المتحدة. وأنهت هذه الاتفاقية احتكار المخزن المغربي للتجارة، وحددت الرسوم في 10 في المائة، مما أدى إلى دخول البضائع الأوروبية إلى الأسواق المغربية. كما رسمت الاتفاقية حرية التملك للتجار الإنجليز، وكراء المحلات التجارية وبنائها وشرائها. ومما زاد الوضع تأزما أن التجار الإنجليز، إذا وقع نزاع تجاري أو قضية جنائية، فإنهم يحاكمون بالقانون الإنجليزي، بالإضافة إلى المحميين المغاربة من طرف الإنجليز. وبدأ القناصل يتدخلون في القضاء، مما أزال حجاب الهيبة عن المخزن المغربي وعن المملكة الشريفة.

ومما زاد الوضع تأزما أن التجار الإنجليز، إذا وقع بينهم نزاع تجاري أو قضية جنائية، فإنهم يحاكمون بالقانون الإنجليزي، إلى جانب المحميين المغاربة من طرف الإنجليز. وبدأ القناصل يتدخلون في القضاء، مما أزال حجاب الهيبة عن المخزن المغربي وعن المملكة الشريفة.

وفي إطار التوسع التجاري الأوروبي، أقدمت فرنسا على الضغط على المملكة الشريفة، حيث استجاب المخزن المغربي لهذا الضغط، فحذت فرنسا حذو الإنجليز بإبرام اتفاقية تجارية، وكان ذلك في 19 غشت 1863، وسميت بمعاهدة "بكلارك" لتنظيم التجارة مع المغرب. وكان الهدف منها حماية التجار الفرنسيين، وكذلك الوسطاء الأجانب والصيارفة اليهود، ومنحهم امتيازات سياسية وقضائية ضخمة. ثم أُعفي المحميون من أداء الضرائب، وأُخرجوا من دائرة القضاء الشرعي، واستقوى القناصل على المخزن المغربي، وبدأوا يتدخلون في كل شيء، مما أفقد المملكة الشريفة سيادتها، وتراجعت هيبة الدولة، وكثر المحميون، وأصبح آلاف المغاربة خارج دائرة القضاء الشرعي المغربي والأحكام القضائية المغربية.

ومن جهة أخرى، تأزمت ميزانية المخزن، ورفضت بعض القبائل دفع ضريبة الترتيب، واتسعت الفوارق داخل المجتمع، مما أدى إلى تفكك وحدته. وتدخل الفقهاء والعلماء لإصدار الفتاوى لإيقاف النزيف التجاري والاستنزاف الاقتصادي والتسيب الذي خلفته هذه المعاهدات والاتفاقيات غير المتكافئة.

هذا الوضع المتأزم، والصراع الذي أصبح محتدما بين الدول الأوروبية الطامعة في الاستحواذ على المجال التجاري للمغرب، نظرا لموقعه المتميز والاستراتيجي، والمنفتح على إفريقيا، ثم على المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط.

ولهذا دفعت إسبانيا إلى عقد مؤتمر مدريد في 3 يوليوز 1880 لإيجاد حل لقضية الحماية القنصلية، والحد من التغلغل الأوروبي وانفراد بعض الدول بالمملكة الشريفة. وقد انعقد المؤتمر قرابة شهرين، وحضرته أربع عشرة دولة أوروبية. ولم يستطع السفير المغربي محمد بركاش إقناع الأوروبيين، الذين كانوا يريدون السيطرة على المغرب، خاصة فرنسا وألمانيا وإنجلترا وإسبانيا. ولم تكترث هذه الدول المجتمعة بتدخلات الجانب المغربي.

ومما زاد الوضع تأزما وفاة السلطان الحسن الأول سنة 1894، وهو الشخصية القوية، بالرغم من أن الصدر الأعظم أحمد بن موسى "با حماد" تولى الأمر، وكان يعرف دهاليز الدولة ومفاصل المخزن المغربي.

بيد أن التكالب الاستعماري أصبح أكثر شراسة، خاصة بعدما احتلت فرنسا الجزائر سنة 1830، ثم تونس سنة 1881. وبدأت التحرشات من الجهة الشرقية، فدخل الفرنسيون إلى وجدة بدعوى حماية التجار الفرنسيين.

وأدت التدخلات الأجنبية إلى عقد مؤتمر الجزيرة الخضراء، المعروف بمؤتمر الخزيرات، الذي فرض شروطا مجحفة على المملكة الشريفة، ومنح امتيازات واسعة للأجانب دون حسيب أو رقيب. وقد رفض السفير المغربي، ممثل المغرب محمد العربي الطريس، التوقيع على الاتفاقية، لأنها تمس السيادة المغربية وتهين الإيالة الشريفة، في حين كان الهدف الأبرز للمؤتمر تسوية الخلاف بين ألمانيا وفرنسا.
 
الدكتور مصطفى بلعوني - دكتور باحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية والتاريخ المعاصر والراهن
 



في نفس الركن