الدكتور أنور الشرقاوي خبير في التواصل الطبي والإعلام الصحي
العلم - د. أنور الشرقاوي
كلما ظهر دواء جديد ينقذ الأرواح، أو أحدث علاج مناعي تحولاً في مآل مرضى السرطان، أو فتحت تقنية علاجية مبتكرة باب الأمل أمام المصابين بالأمراض النادرة، فإن الرأي العام لا يرى في الغالب سوى النتيجة النهائية.
كلما ظهر دواء جديد ينقذ الأرواح، أو أحدث علاج مناعي تحولاً في مآل مرضى السرطان، أو فتحت تقنية علاجية مبتكرة باب الأمل أمام المصابين بالأمراض النادرة، فإن الرأي العام لا يرى في الغالب سوى النتيجة النهائية.
غير أن كل إنجاز طبي كبير يسبقه مسار طويل من البحث والتقييم والتحقق العلمي.
وفي صلب هذا المسار توجد التجارب الطبية السريرية التي تشكل الحلقة الأساسية التي تربط بين الاكتشاف العلمي وتطبيقه على المرضى.
فبدونها لا يمكن للطب الحديث أن يقوم على أدلة علمية راسخة، ولا يمكن لأي ابتكار علاجي أن ينتقل من المختبر إلى سرير المريض.
وفي زمن أصبحت فيه البحوث الطبية الحيوية رافعة استراتيجية للتنمية الصحية والعلمية والاقتصادية، يبرز سؤال مشروع: لماذا لا يزال المغرب يحتضن عدداً محدوداً نسبياً من التجارب الطبية السريرية مقارنة بما يتوفر عليه من مؤهلات وإمكانات؟
*ما هي التجربة الطبية السريرية؟*
التجربة الطبية السريرية هي دراسة علمية تُجرى على الإنسان تهدف الى تقييم فعالية وسلامة دواء جديد أو جهاز طبي أو مقاربة تشخيصية أو علاجية مبتكرة.
وتمثل هذه المرحلة الخطوة الحاسمة التي تسبق الترخيص بتسويق أي ابتكار طبي، إذ تسمح بالتأكد من أن النتائج الواعدة التي تم الحصول عليها داخل المختبرات تتحول فعلاً إلى فوائد علاجية ملموسة لدى المرضى.
*البحث الطبي والتجارب الطبية السريرية: شراكة لا تنفصم*
البحث الطبي هو الذي ينتج الاكتشافات والأفكار الجديدة، أما التجارب السريرية الطبية فهي التي تثبت قيمتها وجدواها في الواقع العملي.
فأي ابتكار طبي، مهما بدا واعداً، لا يمكن أن يتحول إلى علاج معترف به إلا بعد اجتياز مراحل دقيقة من التقييم السريري.
البحث العلمي يبتكر، والتجارب السريرية تثبت. فمن دون البحث الأساسي لا توجد ابتكارات، ومن دون التجارب السريرية لا يوجد طب قائم على الدليل العلمي.
*هل يعاني المغرب من نقص في الكفاءات؟* الجواب بكل وضوح: لا.
فالمشكل لا يكمن في مستوى الأطباء والباحثين المغاربة، الذين يمارسون اليوم وفق المعايير الدولية ويشاركون بانتظام في المؤتمرات العلمية الكبرى.
إن التحدي الحقيقي يكمن في بنية منظومة البحث الطب السريري نفسها، وفي مدى قدرتها على استقطاب المشاريع البحثية الدولية واحتضانها بكفاءة ومرونة.
*إشكالية المساطر الإدارية*
عندما تختار الشركات الدوائية العالمية بلداً ما لإجراء تجربة سريرية، فإنها تبحث عن بيئة تنظيمية واضحة، وإجراءات متوقعة، وسرعة في اتخاذ القرار.
غير أن العديد من الفاعلين يعتبرون أن بعض المساطر الإدارية لا تزال تتسم بطول الآجال وتعقيد الإجراءات وتعدد المتدخلين في المغرب.
وفي عالم تتنافس فيه الدول على استقطاب الاستثمارات العلمية، قد تتحول هذه العوامل إلى عناصر تحد من جاذبية المغرب مقارنة بدول أكثر سرعة ومرونة.
*منظومة تحتاج إلى مزيد من الهيكلة*
لم تعد التجارب السريرية الطبية الحديثة تعتمد فقط على الطبيب الباحث.
فهي تتطلب منظومة متكاملة تضم مختصين في البحث الكبي السريري، وخبراء في الإحصاء الحيوي، وصيادلة متخصصين، ومهنيين في تدبير البيانات الطبية، إضافة إلى بنية رقمية مؤمنة ومتطورة.
ويمتلك المغرب جزءاً مهماً من هذه الموارد داخل الجامعات والمراكز الاستشفائية الجامعية والقطاع الخاص والصناعة الدوائية.
غير أن هذه الكفاءات ما تزال مشتتة نسبياً وتحتاج إلى الاندماج ضمن شبكة وطنية متماسكة للبحث السريري.
*عندما يصبح الوقت عدواً للبحث العلمي*
في العديد من المؤسسات الصحية المغربية ينشغل الأطباء بمهام الرعاية اليومية والاستشفاء والحراسة والالتزامات الإدارية.
وفي المقابل، تتطلب التجارب السريرية الطبية وقتاً كافياً، ودقة في المتابعة، والتزاماً صارماً بالبروتوكولات العلمية.
ومن ثم، فإن السؤال المطروح ليس ما إذا كان الأطباء المغاربة قادرين على إنجاز هذه الدراسات، بل ما إذا كانت المنظومة الصحية توفر لهم الظروف التنظيمية اللازمة للقيام بذلك.
*القطاع الخاص: طاقات لم تُستثمر بالكامل*
في العديد من الدول، أصبح القطاع الصحي الخاص شريكاً أساسياً في البحث السريري بفضل مرونته التنظيمية وتجهيزاته الحديثة.
ويتوفر المغرب بدوره على عدد كبير من الأطباء المختصين والمؤسسات الصحية الخاصة القادرة على الإسهام بشكل أكبر في هذه الدينامية العلمية إذا ما توفرت الظروف المناسبة.
*المراكز الاستشفائية الجامعية والمستشفيات العمومية: ركيزة أساسية*
تظل المراكز الاستشفائية الجامعية الحاضنة الطبيعية للبحث السريري لما تتوفر عليه من كفاءات أكاديمية وتجهيزات متخصصة ونشاط علمي مستمر.
كما تمثل المستشفيات العمومية ثروة علمية حقيقية بفضل التنوع الكبير للحالات المرضية التي تستقبلها، وهو ما يمنحها قيمة كبيرة في إنجاز الدراسات السريرية ذات البعد الوبائي.
*الكلفة الخفية لغياب التجارب السريرية الطبية بالمغرب*
كل تجربة سريرية لا تُنجز في المغرب تمثل فرصة ضائعة:
*فرصة للمرضى* من أجل الاستفادة المبكرة من العلاجات المبتكرة.
*وفرصة للأطباء* والباحثين لتعزيز خبراتهم وحضورهم العلمي الدولي.
*وفرصة للاقتصاد الوطني* من خلال استقطاب الاستثمارات وخلق مناصب شغل عالية التأهيل ونقل التكنولوجيا والمعرفة.
*وفرصة للاقتصاد الوطني* من خلال استقطاب الاستثمارات وخلق مناصب شغل عالية التأهيل ونقل التكنولوجيا والمعرفة.
كما أن غياب هذه الدراسات يضعف القدرة على إنتاج معطيات علمية تعكس الخصوصيات الصحية والوراثية والبيئية للسكان المغاربة والأفارقة.
*رهان السيادة الصحية*
لم تعد التجارب السريرية مجرد نشاط علمي، بل أصبحت أداة من أدوات السيادة الصحية.
فالدول التي تساهم في إنتاج المعرفة الطبية العالمية تكتسب قدرة أكبر على التأثير في التوصيات العلاجية المستقبلية، وتعزز استقلاليتها في مواجهة التحديات الصحية.
أما الدول التي تظل خارج هذه الدينامية، فإنها تجد نفسها في موقع المستهلك للابتكارات التي صُممت واختُبرت في أماكن أخرى.
*المغرب يمتلك مقومات النجاح*
يتوفر المغرب على عناصر قوة مهمة تتمثل في الاستقرار المؤسساتي، وتطور البنيات الصحية، ووجود كفاءات طبية عالية المستوى، وموقع جغرافي استراتيجي يربط بين أوروبا وإفريقيا.
وهي عوامل تؤهله لأن يصبح مركزاً إقليمياً مرجعياً في مجال البحث السريري والطبي.
*من الإمكانات إلى الطموح الوطني*
يبقى مستقبل التجارب السريرية الطبية في المغرب رهيناً بمدى القدرة على بناء بيئة أكثر دعماً للبحث العلمي.
ويتطلب ذلك تبسيط المساطر، وتعزيز البنيات المتخصصة، وتكوين الموارد البشرية، وتشجيع التعاون بين الجامعات والمستشفيات والقطاع الخاص والصناعة الدوائية.
فالبحث السريري لم يعد مجرد قضية أكاديمية أو علمية، بل أصبح مؤشراً على القوة الصحية والجاذبية الاقتصادية والسيادة الوطنية.
وإذا كان المغرب يمتلك الكفاءات والمؤهلات، فإن التحدي الحقيقي اليوم هو تحويل هذا الرصيد إلى مشروع وطني طموح يجعل المملكة فاعلاً مؤثراً في صناعة الطب العالمي، لا مجرد مستفيد من نتائجه.