2026 فبراير 5 - تم تعديله في [التاريخ]

التعليم العالي والبحث العلمي في زمن الرقمنة والذكاء الاصطناعي


العلم الإلكترونية - الرباط
 
تشهد المجتمعات المعاصرة تحولات تكنولوجية متسارعة وعميقة، تتقاطع مع تحديات اقتصادية واجتماعية وبيئية وثقافية متزايدة، مما يجعل من القدرة على التكيف مع هذه التحولات شرطاً أساسياً لضمان الاستقرار وتحقيق التنمية المستدامة. وفي هذا السياق، يبرز تطوير منظومة التعليم العالي والبحث العلمي كرافعة استراتيجية لكسب رهانات الحاضر واستشراف رهانات المستقبل، إذ إن التكوين الجيد يتيح إعداد كفاءات قادرة على إنجاح المشاريع الكبرى ومواكبة التحولات العالمية، في حين يشكل البحث العلمي المتقدم أساساً لتنمية الاقتصادات الوطنية وتعزيز تنافسيتها، فضلاً عن كونه مجالاً لمعالجة مختلف الإشكالات المجتمعية.
 
وبالنسبة للمغرب، فقد اضطلعت الجامعات الوطنية بدور محوري في مسار التنمية، حيث ساهمت، منذ مرحلة ما بعد الاستقلال، في مغربة الأطر الإدارية والتقنية، وفي تزويد القطاعين العام والخاص بالكفاءات الضرورية، الأمر الذي مكّن البلاد من تحقيق خطوات مهمة نحو الالتحاق بركب الدول الصاعدة. كما أن المؤهلات المتنوعة التي يزخر بها المغرب، وعلى رأسها ثروته البشرية، المتمثلة في كون أكثر من نصف السكان من فئة الشباب دون سن الثلاثين، تفتح آفاقاً واعدة لتحقيق مستوى أعلى من التقدم والاندماج في مصاف الدول المتقدمة.
 
غير أن أي إصلاح فعال يقتضي، قبل وضع الاستراتيجيات وتعبئة الوسائل، التوفر على معطيات دقيقة ومحينة تشكل أساساً للتشخيص السليم واتخاذ القرار الرشيد. وفي هذا الإطار، يبلغ عدد الطلبة المسجلين بمؤسسات التعليم العالي الوطنية ما يفوق 1,3 مليون طالب، موزعين بنسبة 71 في المائة بالمؤسسات الجامعية ذات الاستقطاب المفتوح، و21 في المائة بالمؤسسات ذات الاستقطاب المحدود، و8 في المائة بمؤسسات التعليم العالي الخاصة. كما يكشف توزيع الطلبة على 453 مؤسسة وطنية عن تفاوتات كبيرة في الكثافة الطلابية، إذ يصل المعدل بالمؤسسات ذات الاستقطاب المفتوح إلى حوالي 14 ألف طالب لكل مؤسسة، مقابل 800 طالب بالمؤسسات القطاعية و490 طالباً بالمؤسسات الخاصة.
 
وتعكس هذه المعطيات وجود ضغط كبير على المؤسسات ذات الاستقطاب المفتوح، يتجلى بشكل أوضح عند استحضار نسب التأطير البيداغوجي والإداري، حيث يصل المعدل إلى 105 طلبة لكل أستاذ و303 طلبة لكل إطار إداري، مقابل 23 طالباً لكل أستاذ و61 طالباً لكل إطار إداري بالمؤسسات ذات الاستقطاب المحدود. وتؤكد هذه المؤشرات، رغم حاجتها إلى مزيد من التدقيق، أن منظومة التعليم العالي والبحث العلمي تواجه تحديات بنيوية، غالباً ما تُعزى إلى محدودية المناصب المالية والموارد المرصودة للقطاع.
 
إلا أن استحضار معطيات أخرى، من قبيل ضعف صرف الميزانيات المخصصة، وشكاوى الأساتذة من تدني انخراط الطلبة في مساراتهم التكوينية وارتفاع نسب الغياب، يدفع إلى اعتبار أن الإشكال لا يرتبط فقط بندرة الموارد، بل كذلك بضرورة إرساء حكامة جديدة تعتمد على وسائل حديثة ونظم معلوماتية فعالة توفر معطيات دقيقة ومحينة تساعد على التقويم المبكر للاختلالات واتخاذ القرارات المناسبة.
 
وفي هذا الإطار، تبرز رقمنة التعليم العالي، بمختلف مكوناته ومستوياته، كخيار استراتيجي لا محيد عنه، ينبغي تنزيله وفق رؤية متكاملة، وآجال مضبوطة، وآليات واضحة. فلا يعقل أن يستمر تدبير الميزانيات، والموارد البشرية، وبرامج البحث العلمي، والشراكات، في العديد من المؤسسات وخاصة بالمؤسسات ذات الاستقطاب المفتوح، دون أنظمة معلوماتية مندمجة. هذا القصور غير مبرر مقارنة بالتطور الرقمي الذي تعرفه قطاعات أخرى غير مرتبطة بالمعرفة والعلم. وقد أشار التقرير السنوي الأخير للمجلس الأعلى للحسابات إلى غياب رؤية استراتيجية موحدة لنظام معلوماتي شامل خاص بقطاع التعليم العالي، وإلى تطوير تطبيقات معلوماتية بشكل متفرق وغير منسق بين الوزارة والجامعات، إضافة إلى الاعتماد على بنى تحتية معلوماتية قائمة على مراكز بيانات محلية، وهو ما أفضى إلى ضعف الترابط والتكامل، ومحدودية نضج النظام المعلوماتي وقدرته على الاستجابة لمتطلبات التدبير والخدمات.
 
كما أن تحسين مؤشرات التكوين يمر، من جهة أخرى، عبر تعزيز التواصل الموجه للطلبة، وتجويد الأنظمة المعلوماتية المخصصة لهذا الغرض، وتعميم فضاءات رقمية مؤسساتية للعمل والتواصل، تضم إلى جانب الخدمات البيداغوجية، القوانين الداخلية والدلائل والمواثيق، بما يعزز الشفافية، ويوضح المساطر، ويضمن الحقوق والواجبات، ويفتح المجال للتقييم والتدقيق.
 
وعليه، فإن المطلوب من الوزارة الوصية هو الانتقال من منطق التدابير الظرفية ذات الأثر المحدود إلى تبني إصلاحات هيكلية متوسطة المدى، وصياغة استراتيجية واضحة المعالم، محددة الأهداف والنتائج، وقابلة للتنزيل وفق الإمكانيات المتاحة، يكون من مرتكزاتها الأساسية تعميم الرقمنة واعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي لمعالجة الخصاص في الموارد، وتحسين الحكامة، والارتقاء بجودة أداء منظومة التعليم العالي والبحث العلمي.



في نفس الركن