*العلم الإلكترونية: الدكتورة أسماء لمسردي*
لم تعد المنصات الرقمية فضاء محايدا لتبادل الأفكار أو صناعة المحتوى الترفيهي البريء، بل تحولت في بعض الحالات إلى مساحات يختبر فيها صبر المجتمع، وتستفز فيها القيم، ويدفع فيها بالقانون إلى واجهة المواجهة. وقضية صانع المحتوى المعروف بلقب "بن نسناس"، الذي تمت متابعته في حالة اعتقال وإحالته على السجن المحلي العرجات 1، تضعنا أمام سؤال جوهري: أين تنتهي حرية التعبير وأين تبدأ المسؤولية الجنائية؟
حسب المعطيات المتداولة، يتابع المعني بالأمر في ملف يتضمن تهما ثقيلة، من بينها الإساءة إلى الدين الإسلامي، والتهديد بارتكاب جنح وجنايات، إضافة إلى أفعال مرتبطة بتوثيق ونشر محتوى صادم يتعلق بالحيوان. وهي أفعال، إن ثبتت، لا يمكن اختزالها في "محتوى صادم" أو "مقاطع بحث عن التفاعل"، بل تدخل في دائرة المساس بالنظام العام والأمن الأخلاقي للمجتمع، بما يستوجب التكييف القانوني الصارم دون تهويل أو تهاون.
المشرع المغربي كان واضحا في هذا الباب. فالفصول المتعلقة بالمس بالثوابت الدينية، والتحريض على العنف أو التهديد به، إضافة إلى المقتضيات الزجرية في القانون الجنائي وقانون الصحافة والنشر والقوانين المرتبطة بالجريمة الإلكترونية، كلها تشكل منظومة قانونية تهدف إلى حماية التوازن الدقيق بين الحرية الفردية والحق الجماعي في الأمن والسكينة والاحترام الرمزي للمقدسات. كما أن القانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر، إلى جانب مقتضيات القانون الجنائي، يضعان حدودا واضحة لكل استغلال رقمي قد يتحول إلى أداة للإساءة أو التحريض أو الاستفزاز المقصود.
الأخطر في مثل هذه القضايا ليس فقط الفعل موضوع المتابعة، بل نمط جديد من "التفاهة الرقمية" التي تنتج محتوى صادما بهدف رفع نسب المشاهدة، ولو على حساب الذوق العام، أو مشاعر فئات واسعة من المجتمع، أو حتى على حساب القيم الدينية الراسخة. هنا يتحول المحتوى من فعل تعبير إلى فعل اعتداء رمزي على المجتمع، وهو ما لا يمكن أن يبقى خارج دائرة المساءلة.
غير أن المقاربة القانونية تقتضي الحذر من السقوط في محاكمة النوايا أو الاكتفاء بالانطباعات الأخلاقية. فدور القضاء، في مثل هذه الملفات، هو التثبت من الأفعال، وتكييفها وفق عناصرها القانونية الدقيقة، بعيدا عن ضغط الرأي العام أو موجات الغضب الرقمي. فسيادة القانون لا تقاس بشدة التفاعل، بل بصرامة الإجراءات ودقة التكييف.
وفي المقابل، تطرح القضية سؤالا أعمق حول مسؤولية منصات التواصل الاجتماعي في ضبط المحتوى، وحول غياب الوعي الرقمي لدى فئة من صناع المحتوى الذين يخلطون بين الجرأة والاستفزاز، وبين الإبداع والانتهاك. فحرية النشر ليست شيكا مفتوحا لتجاوز القانون أو استفزاز المجتمع، بل هي حرية مؤطرة بواجبات واضحة، أولها احترام كرامة الإنسان، وثانيها عدم المساس بالنظام العام.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد ملف فردي معروض على القضاء، بل هو مرآة لتحول خطير في طبيعة المحتوى الرقمي، حيث تتراجع القيمة لصالح الصدمة، والمعنى لصالح الإثارة. وهنا يصبح تدخل القانون ليس فقط عقوبة، بل أيضا رسالة ردع وإعادة ضبط للبوصلة.
وفي انتظار ما ستسفر عنه المسطرة القضائية، يبقى الأصل هو قرينة البراءة، لكن أيضا يبقى الثابت أن القانون المغربي، حين يتعلق الأمر بالمساس بالمقدسات أو تهديد النظام العام أو التحريض على العنف، لا يترك فراغا، بل يتدخل بحزم لحماية المجتمع من الانزلاق نحو فوضى رقمية لا ضوابط لها.
لم تعد المنصات الرقمية فضاء محايدا لتبادل الأفكار أو صناعة المحتوى الترفيهي البريء، بل تحولت في بعض الحالات إلى مساحات يختبر فيها صبر المجتمع، وتستفز فيها القيم، ويدفع فيها بالقانون إلى واجهة المواجهة. وقضية صانع المحتوى المعروف بلقب "بن نسناس"، الذي تمت متابعته في حالة اعتقال وإحالته على السجن المحلي العرجات 1، تضعنا أمام سؤال جوهري: أين تنتهي حرية التعبير وأين تبدأ المسؤولية الجنائية؟
حسب المعطيات المتداولة، يتابع المعني بالأمر في ملف يتضمن تهما ثقيلة، من بينها الإساءة إلى الدين الإسلامي، والتهديد بارتكاب جنح وجنايات، إضافة إلى أفعال مرتبطة بتوثيق ونشر محتوى صادم يتعلق بالحيوان. وهي أفعال، إن ثبتت، لا يمكن اختزالها في "محتوى صادم" أو "مقاطع بحث عن التفاعل"، بل تدخل في دائرة المساس بالنظام العام والأمن الأخلاقي للمجتمع، بما يستوجب التكييف القانوني الصارم دون تهويل أو تهاون.
المشرع المغربي كان واضحا في هذا الباب. فالفصول المتعلقة بالمس بالثوابت الدينية، والتحريض على العنف أو التهديد به، إضافة إلى المقتضيات الزجرية في القانون الجنائي وقانون الصحافة والنشر والقوانين المرتبطة بالجريمة الإلكترونية، كلها تشكل منظومة قانونية تهدف إلى حماية التوازن الدقيق بين الحرية الفردية والحق الجماعي في الأمن والسكينة والاحترام الرمزي للمقدسات. كما أن القانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر، إلى جانب مقتضيات القانون الجنائي، يضعان حدودا واضحة لكل استغلال رقمي قد يتحول إلى أداة للإساءة أو التحريض أو الاستفزاز المقصود.
الأخطر في مثل هذه القضايا ليس فقط الفعل موضوع المتابعة، بل نمط جديد من "التفاهة الرقمية" التي تنتج محتوى صادما بهدف رفع نسب المشاهدة، ولو على حساب الذوق العام، أو مشاعر فئات واسعة من المجتمع، أو حتى على حساب القيم الدينية الراسخة. هنا يتحول المحتوى من فعل تعبير إلى فعل اعتداء رمزي على المجتمع، وهو ما لا يمكن أن يبقى خارج دائرة المساءلة.
غير أن المقاربة القانونية تقتضي الحذر من السقوط في محاكمة النوايا أو الاكتفاء بالانطباعات الأخلاقية. فدور القضاء، في مثل هذه الملفات، هو التثبت من الأفعال، وتكييفها وفق عناصرها القانونية الدقيقة، بعيدا عن ضغط الرأي العام أو موجات الغضب الرقمي. فسيادة القانون لا تقاس بشدة التفاعل، بل بصرامة الإجراءات ودقة التكييف.
وفي المقابل، تطرح القضية سؤالا أعمق حول مسؤولية منصات التواصل الاجتماعي في ضبط المحتوى، وحول غياب الوعي الرقمي لدى فئة من صناع المحتوى الذين يخلطون بين الجرأة والاستفزاز، وبين الإبداع والانتهاك. فحرية النشر ليست شيكا مفتوحا لتجاوز القانون أو استفزاز المجتمع، بل هي حرية مؤطرة بواجبات واضحة، أولها احترام كرامة الإنسان، وثانيها عدم المساس بالنظام العام.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد ملف فردي معروض على القضاء، بل هو مرآة لتحول خطير في طبيعة المحتوى الرقمي، حيث تتراجع القيمة لصالح الصدمة، والمعنى لصالح الإثارة. وهنا يصبح تدخل القانون ليس فقط عقوبة، بل أيضا رسالة ردع وإعادة ضبط للبوصلة.
وفي انتظار ما ستسفر عنه المسطرة القضائية، يبقى الأصل هو قرينة البراءة، لكن أيضا يبقى الثابت أن القانون المغربي، حين يتعلق الأمر بالمساس بالمقدسات أو تهديد النظام العام أو التحريض على العنف، لا يترك فراغا، بل يتدخل بحزم لحماية المجتمع من الانزلاق نحو فوضى رقمية لا ضوابط لها.