*العلم الإلكترونية ووكالات*
دخلت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة منعطفاً أكثر خطورة، الاثنين 17 غشت 2026، بعد انقضاء المهلة التي حددتها مذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين من دون التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب ويعيد فتح مضيق هرمز، فيما حذرت طهران من أنها قد تنتقل من الوضع الدفاعي إلى موقف «هجومي بالكامل» إذا وصلت المساعي الدبلوماسية إلى طريق مسدود.
التحذير الإيراني جاء بعد أسابيع من تعثر المفاوضات وتبادل الاتهامات بخرق التفاهم المؤقت، الذي أبرم في يونيو الماضي وحدد ستين يوماً للتوصل إلى تسوية أوسع تشمل وقف العمليات العسكرية، ومستقبل البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الأمريكية، وضمان الملاحة عبر أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
وكانت المواجهة قد اندلعت في 28 فبراير الماضي، عقب هجمات شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، وردت عليها طهران بضربات صاروخية وهجمات بالطائرات المسيرة، قبل أن تمتد تداعيات الحرب إلى عدد من دول المنطقة والممرات البحرية ومنشآت الطاقة. وعلى الرغم من التحركات التي قادها وسطاء إقليميون لوقف التصعيد، ظلت الملفات الأساسية العالقة أكبر من قدرة التفاهم المؤقت على احتوائها.
ونقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول إيراني كبير قوله إن بلاده قررت الاستعداد للانتقال من سياسة دفاعية إلى وضع هجومي إذا أخفقت الدبلوماسية خلال الأسابيع المقبلة، موضحاً أن الجهات الإيرانية المعنية تلقت تعليمات بالتأهب لاحتمال تصعيد المواجهة داخل مضيق هرمز وفي مناطق أخرى.
وأشار المسؤول إلى أن طهران قد تنفذ عملية عسكرية «دقيقة وفي التوقيت المناسب» لكسر الحصار البحري الأمريكي المفروض عليها، مؤكداً أن الوسطاء سيتولون إبلاغ واشنطن والأطراف الإقليمية بالمهلة التي تمنحها إيران للجهود السياسية قبل اتخاذ قراراتها المقبلة.
ولا يعني هذا الموقف أن إيران أغلقت باب التفاوض بصورة نهائية، لكنه يكشف تراجع ثقتها في قدرة الاتصالات الجارية على إنتاج اتفاق قابل للتنفيذ. وتقول طهران إن الولايات المتحدة لم تلتزم ببنود التفاهم، وإنها تواصل فرض الحصار والضغط الاقتصادي بالتزامن مع مطالبتها الجانب الإيراني بتقديم تنازلات إضافية.
أما واشنطن، فتتهم إيران بعرقلة الملاحة وتهديد السفن العابرة للمضيق، وتربط تخفيف الضغوط والعقوبات باتفاق يتناول البرنامج النووي الإيراني والترتيبات الأمنية في المنطقة. ولم تتوافر أدلة مستقلة تحسم الاتهامات المتبادلة بشأن المسؤولية عن جميع الهجمات التي استهدفت السفن والممرات البحرية خلال الأسابيع الماضية.
ويتركز أحد أعقد أوجه الخلاف حول الجهة التي يحق لها إدارة الملاحة في مضيق هرمز. فقد أعلن مسؤولون إيرانيون أن المضيق يقع تحت إدارة بلادهم، وأن فتحه بصورة كاملة مرتبط بوقف الحصار الأمريكي والاستجابة للشروط المطروحة لإنهاء الحرب. وفي المقابل، يرفض الجانب الأمريكي منح طهران سلطة التحكم في مرور السفن داخل ممر بحري دولي.
وتتمسك إيران بجملة من المطالب، تشمل رفع الحصار، والإفراج عن أصولها المالية المجمدة، وإنهاء العقوبات، وانسحاب القوات الأمريكية من المنطقة، إلى جانب الحصول على تعويضات عن الأضرار التي خلفتها الهجمات والحرب. وترفض واشنطن الاستجابة إلى هذه المطالب بصيغتها الحالية، وتلوح بتشديد الضغوط الاقتصادية إذا انتقلت طهران إلى تصعيد عسكري جديد.
وزاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المشهد توتراً عندما طالب إيران بـ«الاستسلام» لإنهاء المواجهة، بعدما سبق له اعتبار تفاهم يونيو منتهياً. غير أن التصريحات الأمريكية لم تكشف عن خطة سياسية واضحة لاستئناف المفاوضات أو معالجة الخلافات التي أدت إلى تعثرها.
وامتد خطاب ترامب إلى سلطنة عمان، التي تحاول التوصل مع إيران إلى آلية تسمح باستئناف حركة السفن عبر المضيق. وهدد الرئيس الأمريكي مسقط إذا عرقلت ما وصفه بالمصالح الأمريكية في المنطقة، وهو موقف يهدد بإضعاف دور الوسيط العماني الذي حافظ لسنوات على قنوات اتصال مفتوحة بين واشنطن وطهران.
ويزيد انتهاء مهلة التفاوض من المخاوف بشأن الملاحة في مضيق هرمز، الذي كانت تعبره قبل اندلاع الحرب نحو خمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. فقد تراجعت حركة السفن، وارتفعت تكاليف النقل والتأمين، فيما بدأت شركات منتجة للطاقة البحث عن مسارات بديلة لتقليل الاعتماد على الممر المضطرب.
وبدأت شركة «أرامكو» السعودية، بحسب مصادر في قطاع الطاقة، عرض شحنات من النفط خارج المضيق على بعض المصافي الآسيوية، إلى جانب توجيه جزء من الإمدادات عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر وميناء سيدي كرير في مصر. وتعكس هذه التحركات استعداداً لاحتمال استمرار الاضطراب، حتى وإن لم يصل إلى الإغلاق الكامل للممر البحري.
ويبقى أمام الوسطاء هامش محدود لمحاولة إنقاذ المفاوضات، بعدما أمهلت إيران التحركات الدبلوماسية بضعة أسابيع قبل اتخاذ ما وصفته بالقرارات الصعبة. إلا أن استعادة التهدئة لن تتوقف على تمديد مهلة جديدة فحسب، بل تحتاج إلى اتفاق يحدد بصورة واضحة شروط وقف العمليات العسكرية، ورفع الحصار، وتأمين مرور السفن، وآلية تنفيذ التعهدات المتبادلة.
وهكذا يعود مضيق هرمز إلى واجهة المواجهة بوصفه ساحة للصراع وورقة تفاوض في الوقت نفسه. فإذا نجحت الوساطات في تقريب المواقف، قد تتراجع احتمالات الانفجار العسكري؛ أما إذا استمر تبادل التهديدات وفشل الطرفان في الوصول إلى صيغة قابلة للتطبيق، فقد تكون الأسابيع المقبلة مدخلاً إلى مرحلة أشد اتساعاً من الحرب التي بدأت بهجوم أمريكي إسرائيلي على إيران قبل نحو ستة أشهر.