2021 مارس 18 - تم تعديله في [التاريخ]

الثقافة بين الخُرافة واللُّفافة !

افتتاحية ملحق"العلم الثقافي" ليوم الخميس 18 مارس 2021.


العلم الإلكترونية - محمد باشكار

بَعضُهم كُلَّما تحدَّث عن الثقافة حَكَّ رأسه في إشارة إلى أنَّ موضعها القمَّة في المُخيْخ، والحقيقة أنه بكلامه الغثِّ يرفسها بالقدم، والبعض الآخر يَنْبغ في حديثه عن الثقافة حين يُشهر لُفافة تبغ كمنْ يُلمِّح إلى أنها مجرد احتراق ينتهي بصاحبه لرماد، ويأمل أن يصله نصيبه من الثروات بعد تقنين نبتة "الكيف"، وثمة من يُضاهي شعراء الحماسة في حديثه عن الثقافة، وقد يضرب الطاولة مُتحسِّراً على فنجان القهوة الذي انهرق، ولا يرتاح حتى ينقل معه الجميع إلى جذبة مولوية مبشراً بسدرة المنتهى، وأمثال هؤلاء الثقافة عندهم كالخرافة بفارق زغبة قد تجدها مدسوسة في حجاب، وليتهم يَحْظون بالقبول ! 
 
ولكن يعجبني الصَّريح إذا تَحدَّثَ عن الثقافة حَكَّ جيبه ليس لإخراج مُسدس كالذي يرشُّ بلعبته الأطفال الماء، ولكن ليزيد العَلَف لأجرته السمينة مُشتكياً كلما لاح آخر الشهر، نظير شَغْلِه لكرسي يحتكره للأبد في إحْدَى اللجن بوزارة الثقافة، أمَا كان لقلْبِ كورونا أن يرِقَّ لحال هؤلاء المسامير الصدئة في المائدة، لقد غابتِ الكثير من المهرجانات هذه السَّنة وغُيِّبَتْ معها الكثير من اللجن المدعومة بمساميرها حمدا لله دون اقتلاع أو جراح !
 
 هل نسأل أين صَرَفتْ الوزارة احتياطي المال العام المدَّخر من خزائن كورونا، هل تحتاج لمنْ يُذكِّرها أنه وبعد تفشِّي الوباء ببلدنا كما هو الشَّأن في دول العالم، تحوَّلتْ ساحة معرض الكتاب الشاسعة بالدار البيضاء، من مصحة تُعالج الأرواح وتغذيها بفاكهة الكتب، إلى مستشفى ميداني لاستقبال المُصابين، ومن غريب الصُّدف أنْ تلعب هذه الساحة نفس الغاية في العلاجين الروحي والجسدي، أيْ الحصول على الحياة التي تهدِّدها الأعطاب سواء كانت عضوية أو نفسية، لكن الإنسان بالطبيعة المفطورِ على غريزتها من أجل الاستمرار في العيش، يُقاوم دائما ما يُؤجِّلُ فيه الحياة، ورغم أن الكوفيد أرْبَك كل مواعيده اليومية، لم يتوقَّف عن الحلم والتفكير في بدائل تُنعش وسَطَه الاجتماعي ثقافياً واقتصادياً، فلَجأ إلى طُرق تكنولوجية تُمكِّنه من التَّعامل مع واقعه الجديد والمُر ولو عن بُعد، إلا مع معرض دولي للكتاب فقد انتصر المستحيل على الممكن، فالإغلاق العالمي الشامل يَحُول دون تَنَقُّل الناشرين من أنحاء العالم للحلول بثمرات المطابع في المغرب، هنا فقط انتصر الوباء واقعياً وافتراضياً وأجَّل فرحة اللقاء في عنوان جديد! 
 
مهلا، فأنا لست مِمَّن يستسلمون بسُهولة للواقع ولو صار بِطَعْم المرارة على ألسنة الجميع، لأنِّي أومن أنَّ هذا الواقع حتى في سِلبياته يَصْلُح لتوليد طاقة الحلم، أليْس تُقَدَّر ميزانية تنظيم معرض الكتاب بالدار البيضاء الذي يعتبر من أهم المعارض الدولية، بحوالي 5 ملايين درهم، ففي أي المشاريع الثقافية العالِقة منذ سنين وتنتظر مَنْ يَفُكُّ عقدتها، قد رُصِدَت هذه الملايير التي ادخرتها الوزارة هذه السنة بعد تأجيل المعرض ربما للسنة المُقبلة إذا وافق الوباء، سأكون في هذه النقطة الحامية افتراضياً وأحلم في يقظتي أنَّ وزارة الثقافة والشباب والرياضة، قرَّرت أنْ تصرف للكُتاب الأدباء والمفكرين وشعراء الأغاني.. من هذه الملايير حقوق التأليف التي لا تصل من الناشرين، وقد أتمادى في مشروع حضاري أقوى من الحلم ولكنه يليق بالموقع الاستراتيجي لبلدنا، ويأتيني بلاغ من الوزارة تعلن فيه أنها قررت بالملايير التي لم تُصْرَف هذه السنة في معرض الكتاب المُؤجَّل، أن تُنشِىء مؤسسة عالمية للترجمة تنقل الآداب والفنون والعلوم التي تصدر في كتب بالمغرب وتأكلها الأرَضَة، إلى كل لغات العالم الحيَّة، لكن يبدو أن حتى المسؤولين على الضمير الجَمْعي في بلدنا، لا يعترفون بالنُّبوغ المغربي، لذلك ربما أفْرَد له العلامة عبد الله كنون كتاباً من ثلاثة أجزاء عساه يصل لمرتبة الإقْنِاع ! 
 
ليت هذه الأموال ذهبتْ للشارع وليس بالضرورة للشاعر، كنتُ سأفرحُ حين يجد وجهه الضَّائع منذ غابر الأوراش التي ما زالت تستنزف جيوب السكان وتُثري أكثر من قِرش، أفرح للواد الحارّ حين يجد من يُكْرِم جثته النتِنة بالدَّفن في قادوس تحت الأرض، أفرح للطَّالب الذي أفنى عمره في نيل أكثر من شهادة حين تنتهي مدة بطالته ملتحقاً بسوق الشغل قبل النُّطق بالشهادة، أفرح للأشجار في جنبات الشوارع حين تجد من يُشذِّبها دون أن تذهب للحلاق، أفرح لليمام في الساحات العمومية تُطعمه يد دون خشية من سكين في اليد الأخرى، أفرح للقناطر تصل البر بالبحر في بلدي كما تصل بين قلوب العشاق، أفرح للريح تُصبح ثروة طبيعية تولِّد الطاقة، وكانت فرحتي ستكتمل لولا أنَّ الغالبية العظمى تُخرج الريح لعدم توفرها على طاقة ! 
 
 أجل كنت سأفرح كل هذه الأفراح.. لو استُثْمِرت الأموال التي ادخرتها القطاعات الحيوية مِنْ كورونا في بناء الإنسان وليس فقط العمران ! 

ملحق"العلم الثقافي" ليوم الخميس 18 مارس 2021.




في نفس الركن