العلم الإلكترونية - عبد الكريم جبراوي
وحينها قد تجود عليهم أسرة البيت ببضع قطعات من النقود (لا تتعدى في أغلبها درهما واحدا)، أو بقطعة سكر أو كاس حبوب (ذرة، شعير)، فيكون الرد الإيجابي بأدعية جميلة من قبيل:
لم يكن عيد الأضحى في السابق مجرد صلاة عيد في المصلى، وكبشا يذبح يوم العيد، بل كانت تسبقه طقوس منذ الأول من شهر ذي الحجة، وتتلوه أخرى تبتدئ من ثاني أيام العيد إلى ثالثها أو رابعها، وأخرى تأتي بعد مرور ثلاثين يوما..
فمع اليوم الأول من شهر ذي الحجة، تفتح رحبة بيع الأضاحي، وتبدأ حركية اقتنائها وجلبها إلى المساكن وسط جلبة من الصغار الذين يجرون خلف العربات، كما يعم الأزقة والأحياء ثغاء الأضاحي، مثلما يجول الأطفال الصغار داخل الحي من بيت إلى بيت، وهم يرددون أنشودة "عرفة" بتسكين الراء:
عرفة عرفة لالة ميمونة
حط الشعير فوق الميدونة
أعايشة وحليمة
الركبة فوق الليمة
والليمة ما احلاها
حلاها مولانا
مولانا مولانا
لا تقطع رجانا
او دوزونا يا دار الخير بغينا نمشيو
او دوزوا هاد الفقير بلحيتو
يا اللي بخنينتو
يا لي برزيزتو
يا اللي يشطح ويزيد
يا اللي بنهار العيد
وحينها قد تجود عليهم أسرة البيت ببضع قطعات من النقود (لا تتعدى في أغلبها درهما واحدا)، أو بقطعة سكر أو كاس حبوب (ذرة، شعير)، فيكون الرد الإيجابي بأدعية جميلة من قبيل:
قضيب فوق قضيب الله يعطيكم دري طبيب
صردي وصردي الله يعطيك دري مرضي
أما في حالة عدم التجاوب أو رفض تقديم العطايا أو هدية التبريك، يرد الصغار سلبيا بأدعية الذم والقدح من قبيل:
سطح فوق سطح الله يعطيكم حولي ينطح
فداوش على فداوش الله يعطيكم دري مهاوش
وهو غالبا ما يثير غضب الأسرة التي يخرج بعض أفرادها لطرد الصغار بعيدا عن البيت وتوعدهم بشكايتهم إلى أسرهم..
وفي اليوم ما قبل العيد الذي كان يطلق عليه يوم دقان الحنة التي تكاد تتوارى كعادة قديمة، وأبرز أسبابها النفور المتنامي منها من لدن الفتيات ، وقد كان يتشكل من اقتناء(النفقة) بتسكين الفاء، وهي خلطة فيها الحناء وماء الورد والقرنفل وأزهار الورد ومواد عطرية أخرى تقتنى من العطار، بحيث يمزج هذا الخليط جيدا ويطلى به الرأس، ثم يغطى بعد ذلك بمنديل أبيض يدعى (زيف حياتي) يقتنى من باعة هذا الثوب الذين كانوا ينتشرون كذلك في فضاءات بيع لوازم العيد ومستلزمات الطقوس المرتبطة به، وهي الفضاءات التي كانت تعج بالباعة بمختلف البضائع واللوازم التي ترتبط بالمناسبة، ومن بين العادات التي أشرفت على التواري كذلك تماما عادة اقتناء حبال الدوم لتعليق سقيطة الذبيحة، إذ كان منظر باعتها وهم يقومون بفتل الحبل تلو الحبل يؤثث تلك الفضاءات.
بينما في يوم العيد كان الجيران يذبحون الأضاحي لجيرانهم، قبل أن تترسخ عملية الذبح من لدن جزارين محترفين، وآخرين يمتهنون الحرفة في ذلك اليوم مقابل أجر عن كل أضحية ينحرونها في تسابق مع الزمن، أملا في الحصول على أكبر مدخول ممكن، بمقابل يتراوح ما بين 150 و250 درهما عن كل أضحية ، مثلما صارت دكاكين الجزارين تشهد اصطفافا وازدحاما من لدن الأسر وهي تحمل السقيطة من أجل تقطيعها سواء عشية يوم العيد أو في صباح ثاني العيد بمقابل يتراوح ما بين 50 و100 درهم لكل سقيطة، في منظر لم يكن له وجود قبل عدة عقود من الزمن، وهي الحركية التي يتم رصدها في مختلف مرافق المدينة، حيث تقل الحركة إلا من الجزارين وأشباههم مباشرة بعد انتهاء مراسيم صلاة العيد، وتتمدد هذه الوضعية طيلة يوم العيد وثاني أيامه، إذ تبدو الشوارع والازقة شبه فارغة بمقاه ومتاجر مغلقة، وبحركة راجلة قليلة، مع رصد بعض ورشات عمل ومتاجر تظل مغلقة لأسبوع وأكثر تحت مبرر سفر أصحابها لقضاء مناسبة العيد مع الأسرة ..
وليوم ثاني أيام العيد مكانة في حياة الصغار، حيث يتجهزون له باقتناء أواني طينية (مجمر، طجين، طنجرة..)، ويتحصلون من عملية تقطيع السقيطة على قطع من اللحم يقومون بطهيها في عملية فردية أو ثنائية أو حتى جماعية، داخل البيت أو في خارجه، كعادة تمرين أولي على الطبخ وإنجاز أكلة بمعزل عن أكلة الأسرة وفي فالب احتفالي للصغار.. وهناك أيضا من بين الطقوس المرتبطة بعيد الأضحى خلال هذا اليوم التي تنامت، وصارت مثار قلق يصاحب هذه المناسبة، طقوس ما يصطلح عليه بـ" حليلو"، وهي عملية تبادل الرش بالماء، ينخرط فيها صغار وكبار على حد سواء لا سيما في الأحياء الشعبية ومحيطها، غير أن هذه الممارسة بدأت تنحرف في اتجاه غير مقبول، إذ يعمد البعض إلى قذف السيارات ومستعملي الدراجات ببالوانات هواء مليئة بالماء تزعج وتؤلم من يصاب بها راجلا كان أم راكبا، والأخطر من ذلك أن الأمر لم يعد يقتصر على الرش بالماء، وإنما يتجاوزه في بعض الحالات إلى الرمي بالبيض في تصرفات وسلوكات مؤذية تستوجب التدخل لاحتوائها..
وابتداء من ليلة أول أيام العيد، تعرف بعض الأحياء جولات لما يعرف بـ"سبع بولبطاين"، وذلك من خلال ارتداء فرد أو أكثر لعدة جلود أضاحي، والقيام بجولات ممزوجة بأهازيج وحركات بهلوانية، وذلك من أجل توسيع مجال الفرجة والفرح بالعيد، حيث يتم التنشيط وجمع التركات النقدية والتقاط الصور، ويمتد هذا الطقس ليوم أو يومين بحسب الاجواء والقدرة على مواصلة النشاط، لكن أحيانا ما تتسلل إلى المجموعة عناصر مشوشة تصدر عنها سلوكات تحيد بالمتعة عن مساراتها الفرجوية.
كما أنه من بين الطقوس المرتبطة كذلك بعيد الأضحى ما يسمى بعاشوراء، والتي يتم الاحتفال بها في اليوم العاشر من شهر محرم، أي بعد مرور شهر عن عيد الأضحى، حيث صار لهذا الاحتفال توجه يكاد يكون وحيدا وهو إقدام الشباب على إشعال النيران في الساحات، غير أن انخراط بعض الصغار وكذلك بعض الطائشين يجعل من ذلك وسيلة لممارسة سلوكات غير مقبولة، وذلك من قبيل استخدام أنواع مختلفة من المفرقعات، وإضرام النار في العجلات المطاطية التي لم تعد صالحة للاستعمال والأشواك وأحيانا حاويات القمامة في وسط الطريق، أو القيام برشق السيارات بالحجارة والبيض، وما ينتج عن ذلك من أضرار مادية وبيئية، مما يتعين معه اتخاذ جملة من الإجراءات الاحترازية للحد منها وتقييدها، مع العمل على تجفيف مصادرهم من العجلات المطاطية والمفرقعات، وتنظيم دوريات قارة وأخرى متحركة في مناطق التجمع