2026 يوليو/جويلية 14 - تم تعديله في [التاريخ]

الجزائر تعود إلى بيت الطاعة في علاقتها مع مالي

باماكو تملي شروطها: لا عودة إلى «اتفاق الجزائر» والاعتراف بالحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لمالي



*العلم: الرباط*


يمثل الانتقال الإستراتيجي للمملكة المغربية نحو فضائها الأطلسي تحولاً بنيوياً عميقاً في عقيدة الدولة السيادية، نقل عبره ثقل الرباط من مربع الدفاع وتثبيت المكتسبات إلى مربع المبادرة وصناعة الواقع الدولي الجديد. هذا البزوغ الجيواستراتيجي للمملكة تجاه منطقة غرب إفريقيا وخليج غينيا، بات يثير حفيظة الجزائر وصنيعتها «البوليساريو»، اللتين تريان في «دبلوماسية المشاريع» المغربية إنهاءً تاماً لأطروحتهما الكلاسيكية المتجاوزة.

وينطلق القلق الجزائري من نجاح الرؤية الملكية المتبصرة في تقديم بدائل سيادية ملموسة لفك العزلة عن دول الساحل (مالي، النيجر، بوركينا فاسو، وتشاد)، عبر وضع ميناء الداخلة الأطلسي وشبكات النقل المغربية رهن إشارتها، بالتكامل مع الطفرة المينائية لخليج غينيا. هذا الربط اللوجستي، المقرون بمشروع أنبوب الغاز التاريخي «المغرب - نيجيريا» ودبلوماسية الأسمدة والمؤسسات المالية، نجح في دمج مصالح نصف مليار نسمة بالمنطقة مع السيادة المغربية، مما أجهض إستراتيجياً وبشكل نهائي مشروع الأنبوب الجزائري العابر للصحراء.

وحسب الخبراء، فإن المبادرة الملكية للأطلسي حولت الأقاليم الجنوبية من «نقطة نزاع» إلى «رئة لوجستية وحيدة» تتنفس من خلالها دول الساحل، وهو ما يفسر حالة الارتباك الحاد في صناعة القرار بالجزائر والتراجع القسري الأخير في مواقفها الدبلوماسية.

ولعل أبرز تجليات هذا الارتباك، اضطرار الجزائر، الأسبوع الماضي، إلى التراجع عن سياسة «كسر العظام» مع الجارة مالي، وإعلانها إرسال سفيرها إلى باماكو ابتداءً من 10 يوليوز الجاري بعد أزمة حادة جمدت التمثيل وقطعت الأجواء لأكثر من عام. ويرى متتبعون أن هذا الانفراج السياسي، وقبول الجزائر بإعادة العلاقات ببيانات فضفاضة تتحدث عن «المنحى التاريخي»، يمثل اعترافاً جزائرياً مبطناً بفشل سياسة الابتزاز الدبلوماسي ضد مالي؛ حيث وجدت الجزائر نفسها معزولة تماماً في محيطها الإقليمي بعدما اختارت باماكو التمسك النهائي بالبديل الأطلسي التضامني الذي يقوده جلالة الملك، محولة التراجع الجزائري إلى إقرار ميداني بالأمر الواقع الذي تفرضه الرباط.

وفي ظل الفراغ الجيوسياسي وتراجع النفوذ الفرنسي، برزت الدبلوماسية المغربية كقوة توازنية عاقلة ومستقلة تقدم بديلاً إفريقياً خالصاً يرتكز على السيادة والتنمية المستدامة. أمام هذا المد الاستراتيجي الصلب، لم تجد الآلة الإعلامية للجزائر والانفصاليين سوى التشكيك ومحاولة التشويش على معبر «الكركرات»، غير أن تحول الداخلة وبوابتها البحرية إلى مركز للتحكم في سلاسل التوريد العالمية أكد أن الرباط حسمت الواقع الميداني، مكرسة واقعاً إقليمياً جديداً يربط ازدهار الأطلسي الإفريقي بالوحدة الترابية للمملكة من طنجة إلى الكويرة.

وفي هذا السياق، يتأكد فشل المناورات الجزائرية أمام تشبث باماكو الصارم بموقفها الثابت والداعم لمشروعية الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية الكاملة على أقاليمها الجنوبية، رافضة بشكل قاطع أي عودة إلى «اتفاق الجزائر» المقبور الذي تجاوزه الزمن. وهي الواقعية السياسية التي أرغمت نظام الجوار على فتح أجوائه مجدداً أمام الطائرات المالية، والإعلان عن زيارات مرتقبة ومتبادلة لمسؤولين سامين بين البلدين، في خطوة تكشف أن باماكو فرضت شروطها السيادية كاملة، واضعة العلاقات الثنائية في إطار جديد لا مكان فيه للإملاءات، ومؤكدة أن العمق الاستراتيجي المالي بات مرتبطاً عقائدياً بالمنظومة الأطلسية المغربية.




في نفس الركن