☰
2026 أكتوبر 6 - تم تعديله في [التاريخ]

الجزائر تُخرج الطائرات العسكرية والمغرب يفتح الأطلسي… الساحل بين منطق وهم استعراض القوة ورهان التنمية

بين هدير المقاتلات وطريق يقود إلى الأطلسي، يتزاحم رهانان على ثقة دول الساحل: الجزائر تستدعي القوة العسكرية، والمغرب يفتح أفق الموانئ والاستثمار والتنمية… لكن النفوذ الذي يبقى، هل تصنعه الطائرات أم المصالح التي تغيّر حياة الشعوب؟


الساحل بين استعراض القوة ورهان الربط والتنمية

الكاتب بوشعيب حمراوي
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
تحوّل جزائري يضيف الطائرات العسكرية والسلاح إلى دبلوماسية النفط والغاز مقابل العداء للمغرب، وفي المقابل مملكة تراهن على اليد الممدودة وفتح الموانئ والطرق والاستثمار والتكوين… فمن يكسب ثقة دول الساحل؟

لم يعد ما يجري في منطقة الساحل الإفريقي مجرد سلسلة من الانقلابات العسكرية والاضطرابات الأمنية والهجمات الإرهابية التي يمكن لدول شمال إفريقيا أن تراقبها من بعيد باعتبارها أحداثًا تقع وراء حدودها الجنوبية، بل أصبحت هذه المنطقة الشاسعة، الممتدة من المحيط الأطلسي غربًا إلى تخوم السودان شرقًا، واحدة من أهم ساحات إعادة تشكيل موازين النفوذ في القارة، وفضاءً تتداخل داخله المصالح الأمنية والاقتصادية والطاقية والدبلوماسية لقوى إفريقية وإقليمية ودولية عديدة، وهو ما يجعل التحول الأخير في السياسة الجزائرية تجاه الساحل حدثًا يستحق من المغرب قراءة هادئة وعميقة، ليس بمنطق الخوف من كل تحرك جزائري ولا بمنطق التقليل منه، وإنما انطلاقًا من السؤال الذي يهمنا نحن المغاربة أولًا: كيف نحافظ على ما بناه المغرب خلال السنوات الأخيرة من حضور إفريقي قائم على الاقتصاد والاستثمار والربط والتكوين، وكيف نحول المبادرة الأطلسية من رؤية استراتيجية كبيرة إلى واقع ملموس يجعل دول الساحل نفسها مقتنعة بأن مصلحتها تمر عبر شراكة مستدامة مع المغرب؟

التحقيق الذي نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» في السادس من أكتوبر الجاري أعاد هذا السؤال بقوة إلى الواجهة، لأن الصحيفة لم تتحدث فقط عن عودة الجزائر إلى تنشيط علاقاتها السياسية والاقتصادية مع مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وإنما ربطت ذلك بتحول أكبر في مقاربة الدولة الجزائرية للمنطقة، خصوصًا بعدما أرسلت الجزائر طائرات مقاتلة إلى النيجر لدعم الجيش النيجري عقب محاولة زعزعة الاستقرار الأخيرة، وهي خطوة وصفتها الصحيفة بأنها أول انتشار عسكري خارجي علني للجزائر منذ سنة 1973، بما يعكس انتقالًا من سياسة كانت تتحفظ طويلًا على استخدام قواتها خارج الحدود إلى مقاربة أكثر استعدادًا للجمع بين الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية.

وليس الأمر مجرد قراءة صحفية أو تأويل خارجي لما قامت به الجزائر، لأن وزارة الدفاع الجزائرية نفسها أعلنت في 30 غشت الماضي إرسال أربع طائرات مقاتلة من نوع «سوخوي 30»، مرفوقة بطائرة للتزود بالوقود، إلى مطار نيامي، وقالت إن المهمة جاءت بطلب من السلطات النيجرية لدعم جيش النيجر، كما سبقت ذلك، خلال الشهر نفسه، هبة عسكرية جزائرية تضمنت أربع مروحيات وتجهيزات وذخائر ووسائل دعم وصيانة، وهي معطيات تكشف أن الجزائر لم تعد تكتفي بالنظر إلى الساحل باعتباره مجرد حزام أمني ينبغي مراقبته من الحدود، وإنما بدأت تتحرك داخله بصورة عسكرية مباشرة وأكثر وضوحًا من السابق، في استعراض لما تعتبره قوة، أو ما يصفه مسؤولوها بـ«القوة الضاربة»، التي لم يتضرر من ضرباتها أحد سوى الشعب الجزائري الذي يعاني اجتماعيًا واقتصاديًا، كما يعاني من التضييق على الحريات العامة والعمل السياسي.

◊ الجزائر تعود إلى الساحل بأكثر من ورقة

سيكون من الخطأ، في تقديري، ألا يقرأ المغرب هذا التحول في السياسة الخارجية الجزائرية، أو ما بات يعرف بعسكرة الدبلوماسية وسياسة «النفط والغاز مقابل العداء للمغرب».

الجزائر تتحرك مستفيدة من حدودها الطويلة مع مالي والنيجر ومن علاقات تاريخية بنتها خلال عقود، وهو تحرك يأتي لمحاولة التصدي للانفتاح المغربي على إفريقيا والساحل الأطلسي.

أعادت إحياء مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الرابط بين نيجيريا والنيجر ثم الجزائر، وبدأت في يونيو الماضي أشغال المقطع الجزائري من المشروع، وهو ما يعني أن الرهان الجزائري على الساحل يأتي في محاولة لاستعادة موقع إقليمي تراجع أو تعرض للاهتزاز خلال السنوات الماضية.

لكن الاعتراف بهذا الواقع لا يعني بالنسبة لنا نحن المغاربة أن علينا أن ننظر إلى ما تفعله الجزائر بعين الهلع، ولا أن نرد على كل تحرك جزائري بتحرك مماثل، لأن إحدى أهم نقاط قوة السياسة المغربية في إفريقيا خلال السنوات الأخيرة كانت، تحديدًا، في أنها لم تبنِ حضورها على محاولة استنساخ المقاربة الجزائرية، وإنما سعت إلى تطوير نموذج مختلف يقوم على الاستثمار والتجارة والبنوك والأسمدة والتكوين الديني والجامعي والمشاريع المهيكلة، والمنطق الملكي «رابح–رابح»، ثم جاءت المبادرة الملكية لتسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي لكي تمنح هذا الحضور بُعدًا جيوسياسيًا واقتصاديًا أكبر بكثير.

◊ المغرب لا يحتاج إلى إخراج الطائرات لكي يدخل الساحل

حين أعلن الملك محمد السادس المبادرة الأطلسية لفائدة دول الساحل، لم يكن المغرب يعرض على هذه الدول خطابًا سياسيًا فقط، وإنما كان يعرض عليها فكرة شديدة البساطة والقوة في الوقت نفسه: أن الجغرافيا التي جعلت مالي والنيجر وبوركينا فاسو دولًا حبيسة لا يجب أن تتحول إلى حكم أبدي عليها بالعزلة الاقتصادية، وأن المغرب، بما يمتلكه من واجهة أطلسية وموانئ وبنيات تحتية وشبكات طرق وموقع متقدم في التجارة مع أوروبا والأمريكيتين، يستطيع أن يساعد هذه الدول على إيجاد منفذ جديد نحو الأسواق العالمية، وهو عرض يختلف في طبيعته عن العلاقة الأمنية التقليدية التي كثيرًا ما ربطت دول الساحل بجيرانها أو بالقوى الدولية.

وما يعزز أهمية هذه المبادرة أنها لم تبقَ مجرد فكرة مغربية تتحدث الرباط عنها وحدها، إذ جددت مالي في يوليوز 2026 رسميًا التزامها بها، وأعلنت رغبتها في الشروع تدريجيًا في تنزيل المشاريع المقترحة في إطارها، بما يعني أن دول الساحل نفسها بدأت تتعامل معها باعتبارها مشروعًا يمكن أن يخدم مصالحها الاقتصادية، وليس مجرد ورقة في التنافس المغربي الجزائري.

وهنا، في رأيي، توجد الورقة التي يجب أن يتمسك بها المغرب وألا يسمح لأي استفزاز سياسي أو منافسة إقليمية بأن تفقده إياها، لأن المغرب لا يحتاج إلى أن يقول لدول الساحل: اختاروا الرباط بدل الجزائر، ولا إلى أن يضعها أمام امتحان ولاء جديد، وإنما يحتاج إلى أن يقول لها إن موانئه وطرقه ومؤسساته المالية واستثماراته وقدراته التكوينية مفتوحة أمامها، وإن نجاحها واستقرارها الاقتصادي يخدم المغرب بقدر ما يخدمها، وهي رسالة أكثر قدرة على الاستمرار من تحالفات سياسية قد تتغير بتغير الأنظمة والحكومات والظروف.

◊ المغرب يسعى لتحويل الجغرافيا من عائق إلى فرصة

الميزة الكبرى في المبادرة الأطلسية المغربية أنها تحاول تحويل الجغرافيا من عائق إلى فرصة، فدول الساحل التي لا تطل على البحر يمكن أن تجد عبر المغرب ممرًا إلى الأطلسي، والمغرب نفسه يمكن أن يتحول من دولة تقع في أقصى شمال غرب القارة إلى عقدة ربط بين أوروبا وغرب إفريقيا ودول الساحل، وهو تحول، إذا اكتمل، ستكون له انعكاسات تتجاوز التجارة إلى السياسة والأمن والطاقة والاستثمار والهجرة.

ولهذا فإن ميناء الداخلة الأطلسي لا ينبغي النظر إليه على أنه مجرد منشأة مينائية إضافية، والطريق الرابط بين شمال المملكة وأقاليمها الجنوبية لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد مشروع طرقي داخلي، لأن هذه المنشآت تصبح، ضمن الرؤية الأطلسية، أجزاء من ممر إفريقي أكبر يمكن أن يعيد رسم طرق التجارة بين الساحل والمحيط، ويمنح الأقاليم الجنوبية للمملكة وظيفة اقتصادية إفريقية متقدمة، بدل أن تبقى النظرة إليها محصورة في بعدها الداخلي أو في النزاع السياسي حول الصحراء.

◊ الغاز أصبح عنوانًا لمقاربتين… ومشروع المغرب ليس أنبوبًا بديلًا ضد الجزائر

وإذا كانت الجزائر تراهن على أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي يصل نيجيريا بالنيجر ثم الجزائر، فإن المغرب ونيجيريا يدفعان بمشروع الغاز الإفريقي الأطلسي، الذي حقق في يوليوز 2026 محطة مؤسساتية مهمة بتوقيع دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا الاتفاق الحكومي الدولي المرتبط به، وهو مشروع لا يقتصر، في فلسفته المعلنة، على نقل الغاز من نقطة إلى أخرى، وإنما يسعى إلى ربط مجموعة واسعة من الاقتصادات الإفريقية بممر طاقي وتنموي يمتد على الواجهة الأطلسية.

وهنا أيضًا ينبغي ألا يقع المغرب في خطأ تقديم الأنبوب الأطلسي باعتباره «أنبوبًا ضد الجزائر»، لأن اللحظة التي يتحول فيها المشروع المغربي إلى مجرد أداة في نزاع ثنائي تكون قد سُحبت منه أهم عناصر قوته، فالمشروع الأقوى ليس المشروع الذي يُقام لكي يهزم مشروع الجار، وإنما المشروع الذي تجد عشر دول أو أكثر أن لها مصلحة مباشرة في إنجازه، وتجعلها مصالحها الاقتصادية هي التي تدافع عن استمراره مهما تغيرت الحكومات والتحالفات.

لا تجعلوا دول الساحل تختار بين الرباط والجزائر. إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه المغرب والجزائر معًا هو تحويل الساحل إلى ساحة حرب نفوذ مغاربية جديدة، تُطلب فيها من مالي أو النيجر أو بوركينا فاسو شهادات الولاء لهذا الطرف أو ذاك، لأن دول المنطقة ليست قطع شطرنج، ولها بدورها مصالح وحسابات وتحالفات تتغير بتغير الظروف، وقد تتعاون اليوم مع الرباط في ملف اقتصادي، ومع الجزائر غدًا في ملف أمني، ومع الصين في البنية التحتية، ومع روسيا أو الولايات المتحدة في مجالات أخرى.

ومن مصلحة المغرب، في اعتقادي، أن يكون الأكثر هدوءًا في هذا المجال، وأن يكرر أن مبادرته الأطلسية ليست محورًا ضد الجزائر ولا ضد أي دولة أخرى، وأن أبوابها مفتوحة لأنها مشروع ربط وتنمية وتكامل إفريقي، وليس تحالفًا عسكريًا أو أمنيًا يطلب من الآخرين الاصطفاف وراءه.

بل إن قوة المغرب ستكون أكبر عندما ينجح في جعل دول الساحل نفسها تقول إن ولوجها إلى الأطلسي ضرورة اقتصادية بالنسبة إليها، بدل أن يبدو الأمر وكأنه رغبة مغربية في انتزاع هذه الدول من مجال نفوذ جزائري وإدخالها في مجال نفوذ مغربي.

◊ المعركة الحقيقية ليست على عدد الطائرات

قد تكون الطائرة المقاتلة ضرورية في ظرف أمني معين، وقد تحتاج دولة ما إلى دعم عسكري مباشر عندما تواجه انقلابًا أو تنظيمًا مسلحًا أو خطرًا إرهابيًا، ولذلك لا ينبغي تبسيط الأمور إلى حد الادعاء بأن السلاح لا قيمة له في منطقة تعاني واحدة من أخطر الأزمات الأمنية في العالم، لكن الأمن وحده لم يستطع خلال سنوات طويلة حل مشكلة الساحل، لأن الإرهاب يجد في الفقر والبطالة وضعف الدولة والعزلة الاقتصادية وانهيار الخدمات أرضًا خصبة للاستمرار.

وهنا بالضبط يمكن للمغرب أن يقدم إضافة مختلفة، لأن الطريق الذي يسمح لمنتجات دولة إفريقية بالوصول إلى ميناء، والمصنع الذي يوفر مئات فرص العمل، والبنك الذي يمول المقاولات، والجامعة التي تستقبل الطلبة، ومؤسسة التكوين التي تؤهل الأطر، وخط الطاقة الذي يوفر الكهرباء للمصانع والمدن، كلها أدوات أمن أيضًا، حتى وإن لم تحمل البندقية.

◊ لكن على المغرب ألا يكتفي بجمال الفكرة

ومع ذلك، لا يكفي أن نصف المبادرة المغربية بأنها تنموية وعقلانية وأن نقارنها بأدوات الآخرين، لأن الامتحان الحقيقي أمام المغرب يبدأ من التنفيذ، فدول الساحل لن تنتظر إلى ما لا نهاية، والمنافسة داخل إفريقيا شديدة، والجزائر تتحرك، وتركيا والصين وروسيا ودول الخليج وأوروبا والولايات المتحدة تتحرك بدورها، ولذلك يجب أن ينتقل المغرب بسرعة أكبر من زمن المبادرات والإعلانات إلى زمن المشاريع والجداول الزمنية والطرق واللوجستيك والاستثمارات والتمويل.

إن أفضل جواب مغربي على التحول الجزائري الأخير ليس سباقًا لمعرفة من يستطيع إرسال عدد أكبر من الطائرات جنوب الصحراء، وإنما تسريع ميناء الداخلة الأطلسي، وتقوية الربط مع موريتانيا، وفتح ممرات تجارية حقيقية نحو مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وتشجيع المقاولات والبنوك المغربية على المزيد من الاستثمار، وتوسيع برامج التكوين والمنح الجامعية، وتحويل الشراكة الإفريقية من خطاب رسمي جميل إلى مصالح اقتصادية يلمسها المواطن والمقاول والطالب والمسؤول الإفريقي في حياته اليومية.

فالجزائر، وفق المعطيات الأخيرة، تعيد ترتيب أدواتها في الساحل وتضيف إلى الدبلوماسية والطاقة حضورًا عسكريًا أكثر وضوحًا، وهذا قرار سيادي يخصها وتقدره دول المنطقة وفق مصالحها، لكن المغرب ليس ملزمًا بأن يصبح نسخة أخرى من الجزائر حتى ينافسها، لأن سر قوته يمكن أن يوجد تحديدًا في الاختلاف عنها وفي الإصرار على أن يكون منفذه إلى الساحل طريقًا وميناءً وجامعةً واستثمارًا وشراكةً قبل أن يكون دبابة أو طائرة.

ومن هنا أرى أن السؤال الذي سيحكم السنوات المقبلة لن يكون: من يمتلك السلاح الأقوى، الجزائر أم المغرب؟ وإنما: من يستطيع أن يبني شبكة المصالح الأكثر عمقًا واستمرارًا مع شعوب ودول الساحل؟

وإذا استطاع المغرب أن يحول مبادرته الأطلسية إلى واقع اقتصادي متكامل، وأن يجعل الطريق نحو الأطلسي طريقًا للتجارة والاستثمار والطاقة والعمل، وليس مجرد شعار جيوسياسي، فإنه لن يحتاج إلى مطالبة دول الساحل بالاختيار بينه وبين الجزائر، لأن المصالح حين تترسخ تختار أصحابها بنفسها، والمشاريع الناجحة تدافع عن الدول التي أنجزتها أكثر مما تفعل الخطب والطائرات العسكرية والاستعراضات.

الساحل بين استعراض القوة ورهان الربط والتنمية



في نفس الركن