أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة محمد الخامس بالرباط
العلم الإلكترونية - بقلم الدكتور محمد أبيهي
في كل مرة أتابع فيها وسائل الإعلام الجزائرية، بمختلف توجهاتها، كما ألاحظ في الأنشطة الثقافية والرياضية والاقتصادية، يتبين حضور مكثف للذاكرة التاريخية في الخطاب العمومي. هذا الحضور لا يقتصر على المناسبات الوطنية الكبرى، بل يمتد إلى الفضاءات اليومية، بما في ذلك بعض المرافق العمومية التي تستحضر رموز الثورة وصورها في شاشاتها وموادها التواصلية. وهو ما أعاد إلى الواجهة التعبير الذي استعمله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حين تحدث عن «ريع الذاكرة التاريخية».
من حق الشعوب أن تعتز بتاريخها وأمجادها، بل إن الذاكرة الجماعية عنصر أساسي في بناء الهوية الوطنية وتعزيز التماسك الاجتماعي. غير أن الإشكال يطرح عندما تتحول هذه الذاكرة إلى مورد رمزي دائم يستثمر لأغراض أيديولوجية وسياسية، بما يجعلها تؤطر الحاضر وتوجهه بناء على سردية ثورية جاهزة، بدل أن تكون موضوعا للبحث والنقد التاريخي. فحين يختزل التاريخ في سردية واحدة موجهة، يصبح أداة لتبرير الخيارات الراهنة عوض أن يكون مجالا لتحليلها وتقويمها.
منذ استقلال الجزائر سنة 1962، عقب الحرب الجزائرية واجهت الدولة الوطنية تحديات جسيمة في البناء السياسي والاقتصادي، خاصة في ظل صراعات داخلية وإكراهات دولية مرتبطة بالحرب الباردة. وقد اختارت القيادة الجزائرية آنذاك الاصطفاف إلى جانب المعسكر الاشتراكي في مواجهة دول المعسكر الرأسمالي، باعتباره امتدادا لعقيدة ثورية تحررية، وسعيا لتحصين سيادتها من أي اختراق رأسمالي خارجي، إضافة إلى دعم حركات التحرر في العالم الثالث. غير أن هذا الخيار، وإن كان منسجما مع السياق الدولي آنذاك، أفرز كلفة مادية ومعنوية، خاصة مع التحولات العميقة التي عرفها العالم بعد سقوط جدار برلين سنة 1989 وانهيار الاتحاد السوفياتي.
في هذا السياق، لعبت الذاكرة الثورية دورا محوريا في تشكيل شرعية النظام السياسي، إذ تم بناء تصور للشرعية قائم على الامتداد التاريخي للثورة التحريرية، خصوصا من خلال رمزية جبهة التحرير الجزائرية،وهكذا تحول الرأسمال الرمزي للثورة إلى مصدر دائم للشرعية السياسية، ما رسخ ما يسمى بـ«الشرعية التاريخية» المنبثقة من الثورة.
غير أن هذا التوظيف المكثف للذاكرة أفرز آثارا معرفية وثقافية، تمثلت في هيمنة سردية ثورية شبه رسمية داخل الجامعة الجزائرية والمناهج التعليمية، بما قد يحد من تعددية القراءات التاريخية. فالتاريخ، بطبيعته، مجال للنقاش والتأويل وإعادة الفحص، وليس نصا جاهزا ومغلقا. وعندما تضخم بعض اللحظات المؤسسة وتختزل في بعد بطولي أحادي، قد يفضي ذلك إلى بناء هوية مغلقة أو إقصائية تجاه الآخر، وإلى صعوبة مساءلة محطات معقدة من تاريخ الجزائر، مثل الاغتيالات السياسية بعد الاستقلال وأحداث التسعينيات وما يعرف بـ«العشرية السوداء».
لقد أصبح التاريخ المنمط، في هذا الإطار، وسيلة للاستفادة الرمزية من الماضي دون إنتاج معرفة تاريخية نقدية متجددة أو إرساء مصالحة علمية معه. ويظهر ذلك خصوصا في لحظات الأزمات السياسية أو الاجتماعية، حيث يستدعى الرصيد الثوري لتعزيز خطاب الوحدة أو تدعيم الشرعية.
إن النقاش حول «ريع الذاكرة التاريخية» في الحالة الجزائرية يطرح سؤالا منهجيا أعمق: كيف يمكن الانتقال من ذاكرة تعبوية إلى تاريخ نقدي للمصالحة مع التاريخ نفسه؟ وكيف يمكن تحويل الرأسمال الرمزي للذاكرة التاريخية إلى قوة دافعة لبناء المستقبل، بدل أن يظل إطارا مهيمنا على الراهن الجزائري؟
ويمكن القول إن هذا التوجه في توظيف ريع الذاكرة التاريخية أسهم في توتر علاقات هذا البلد مع محيطه الإقليمي، إذ إن تنميط السردية الثورية قد حد من فرص الحوار المغاربي المشترك، وعزز تمثلات جاهزة تقوم على استحضار دائم لفكرة المظلومية التاريخية والتهديد الخارجي، بما يؤثر سلبا في تصورات بناء المستقبل الإقليمي المشترك للشعوب المغاربية.محمد أبيهي/أستاذ التاريخ المعاصر والراهن،جامعة محمد الخامس،الرباط.