☰
2026 أكتوبر 12 - تم تعديله في [التاريخ]

الخطاب الملكي يضع الإدارة الترابية أمام امتحان المسؤولية


العلم الإلكترونية - بقلم فكري ولد علي 
 
لم يكن الخطاب الملكي الأخير مجرد تشخيص للاختلالات التي ما تزال تعيق مسار التنمية الترابية، بل حمل في مضامينه رسائل واضحة بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، وما تفرضه من ضرورة الانتقال من منطق التدبير المركزي إلى حكامة ترابية تقوم على القرب، والنجاعة، وتوضيح المسؤوليات والاختصاصات.
 
فالحديث عن الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري لا يمكن أن يبقى مجرد عناوين مؤسساتية جميلة، بل يفترض أن يتحول إلى ممارسة يومية يشعر المواطن بآثارها في الخدمات العمومية، وفي سرعة إنجاز المشاريع، وفي قدرة المؤسسات المحلية على اتخاذ القرار والاستجابة للحاجيات الفعلية للساكنة.
 
وهنا تحديداً تبرز مسؤولية الإدارة الترابية، باعتبارها شريكاً أساسياً في تنزيل السياسات العمومية على المستوى المحلي. فدورها الطبيعي ينبغي أن يقوم على المواكبة والتنسيق والسهر على احترام القانون، بما يضمن انسجام العمل العمومي، دون أن يتحول التنسيق إلى تداخل في الاختصاصات أو إلى ممارسة تجعل المؤسسات المنتخبة عاجزة عن تدبير الملفات التي منحها القانون صلاحية النظر فيها.
 
إن جوهر الجهوية المتقدمة يفترض وجود مجالس منتخبة قادرة على ممارسة اختصاصاتها وتحمل نتائج قراراتها أمام المواطنين. فالمنتخب الذي يملك صلاحية القرار يجب أن يتحمل تبعاته، سواء تعلق الأمر بالنجاح أو بالتعثر، كما أن المواطن الذي وضع ثقته في ممثليه يظل صاحب الكلمة الفصل في تقييم أدائهم عبر الآليات الديمقراطية والمؤسساتية المتاحة.
 
أما أن تكون المسؤولية موزعة بين أكثر من طرف، بينما تبقى حدود الاختصاص غير واضحة، فإن ذلك قد يجعل المحاسبة نفسها محل التباس. ومن هنا تأتي أهمية الوضوح: من يملك القرار يجب أن يتحمل المسؤولية، ومن يملك سلطة التدبير يجب أن يكون معنياً بالمحاسبة.
 
ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي استيعابها هي أن الإدارة الترابية والمجالس المنتخبة ليستا طرفين متنافسين، بل مؤسستان يفترض أن تتكاملا في خدمة المواطن. فالوالي أو العامل ليس بديلاً عن المجلس المنتخب، كما أن المجلس المنتخب لا يمكنه أن يعمل خارج الإطار القانوني. وبين الطرفين توجد مساحة واسعة للتنسيق والتعاون وتبادل المعطيات، بما يضمن احترام الاختصاصات وتحقيق المصلحة العامة.
 
إن التنمية الترابية لا تحتاج إلى تعدد مراكز القرار بقدر ما تحتاج إلى وضوحه، ولا تحتاج إلى تضخم مساطر التدخل بقدر ما تحتاج إلى سرعة وفعالية في التنفيذ.
 
وإذا كانت الدولة قد اختارت مسار الجهوية المتقدمة، فإن إنجاح هذا الخيار يقتضي تحرير الطاقات المحلية، وتمكين المؤسسات المنتخبة من ممارسة اختصاصاتها، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على دور الإدارة الترابية في التأطير والمواكبة والسهر على احترام القانون.
 
لقد تغيرت انتظارات المواطنين. فلم يعد المواطن يريد فقط معرفة من يمثل المنطقة، بل يريد أن يعرف أيضاً من يملك القرار، ومن يستطيع حل مشكلاته، ومن يتحمل مسؤولية التأخير عندما تتعثر المشاريع أو تتأخر الخدمات.
 
ومن هنا، فإن الخطاب الملكي يضع الإدارة الترابية والمجالس المنتخبة معاً أمام امتحان جديد: امتحان الانتقال من منطق تدبير الصلاحيات إلى منطق خدمة المواطن، ومن منطق التداخل إلى منطق التكامل، ومن غموض المسؤوليات إلى وضوحها.
 
فالجهوية المتقدمة لن تقاس بعدد الاجتماعات واللجان، ولا بعدد المراسلات الإدارية، وإنما بما ستنتجه على أرض الواقع من مشاريع وخدمات وقرارات قريبة من المواطن.
 
وفي نهاية المطاف، فإن احترام الاختصاصات ليس امتيازاً تمنحه مؤسسة لأخرى، وإنما هو جوهر دولة المؤسسات. وكلما كان القرار واضحاً، والمسؤولية محددة، والمحاسبة ممكنة، كانت التنمية أكثر فعالية، وكانت ثقة المواطن في المؤسسات أكثر رسوخاً.
 
الخطاب الملكي رسم الاتجاه؛ أما التحدي الحقيقي فيبدأ من لحظة تحويل هذا التوجيه إلى ممارسة يومية، يكون فيها التنسيق تعاوناً، والاختصاص مسؤولية، والقرار واضحاً، والمحاسبة مرتبطة بمن يملك فعلاً سلطة التدبير.



في نفس الركن