العلم الإلكترونية - بقلم هشام الدرايدي
في الوقت الذي يفترض فيه أن يكون البحث العلمي رحلة شاقة من الصبر والتمحيص وإنتاج نظريات علمية جديدة ورصينة تفيد المنظومة العلمية، صدم المجتمع الأكاديمي المغربي بتسونامي من الإعلانات الممولة التي أغرقت الفضاء الأزرق، تروج لخدمات "تجهيز الأطاريح الجامعية" في مدد زمنية قياسية لا تتعدى ثلاثة أسابيع، وهو ما يعد تدميرا ممنهجا لما تبقى من مصداقية الجامعة المغربية.
إن هذه الإعلانات التي تروج لإنجاز أطروحة الدكتوراه بـ "الطلب"، بدءا من مراجعة الأدبيات وانتهاء إلى التحليل والكتابة الأكاديمية، تضعنا أمام سوق سوداء علنية تقتات على استغلال ضيق وقت بعض الباحثين أو ضعف كفاءة آخرين، لتقدم لهم بضاعة مغشوشة تضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص والقيمة العلمية للشهادات العليا، فإنجاز أطروحة في 21 يوما ليس خدمة سريعة وإنما هو اعتراف صريح بالسطو العلمي والتزوير المعرفي والاعتماد على آليات وتقنيات بعيدة عن المجهود الذاتي.
فما وصل إليه البحث العلمي ببلادنا اليوم يبعث على القلق الشديد، إذ أن هذه السلوكيات الدخيلة لا تسيء لأصحابها فحسب، بل تلطخ سمعة الجامعات المغربية في المحافل الدولية، وتشرعن للمتطفلين اقتحام أقدس فضاءات الفكر، وأمام هذا الوضع الكارثي، لم يعد الاكتفاء بالشجب الأكاديمي كافيا، بل بات من الضرورة الملحة والمستعجلة أن تتدخل الأجهزة الأمنية والقضائية بكل حزم لتعقب أصحاب هذه المنشورات والتحقيق معهم، مع فتح تحقيقات دقيقة وشاملة في الأطاريح التي سبق وأنجزت عبر هذه "الدكاكين الرقمية" وتحديد هويات أصحابها الذين حصلوا على شهادات علمية بغير وجه حق.
إن تخليق الفضاء الجامعي يقتضي تفعيل آليات المتابعة الجنائية ضد هؤلاء المتطفلين الذين ينتحلون صفات أكاديمية ويتاجرون بمستقبل الوطن، مستغلين فساحة ورحابة الفضاء الأزرق الذي يستقبل المحتويات دون حسيب أو رقيب، فالتساهل مع هذه الإشهارات المسمومة، تواطؤ صريح في قتل روح المعرفة. وحان الأوان لتحصين الجامعة المغربية التي أرادت بعض الأيادي الخفية تحويلها إلى سوقاً للعرض والطلب، وحماية البحث العلمي تستوجب محاسبة كل من سولت له نفسه تحويل شهادات "الإجازة والماستر والدكتوراه" إلى بضاعة تشحن في أسابيع، ضمانا لنزاهة المؤسسات واستعادة لهيبة العلم التي قوضها سماسرة الشواهد.