2026 يناير 25 - تم تعديله في [التاريخ]

الدولة التي تخوض حروبها ضد الريموت كونترول



*بقلم // عبده حقي*

في زمن الحروب السيبرانية، والأزمات الاقتصادية الخانقة، والتحولات الجيوسياسية الكبرى، اكتشفت “القوة الضاربة” أخطر تهديد لأمن الدولة: برنامج تلفزيوني. لا صاروخ، لا حصار، لا انهيار مالي… فقط حلقة بثّتها قناة فرانس 2، فاهتزت لها البيانات، واستُدعيت لها السفارة، وشُحذت لها مفردات السيادة من الأرشيف الحرب الباردة الثقيل.

بيان في ست فقرات كاملة، ببلاغة متوترة، وقاموس دبلوماسي من العيار الثقيل، كل ذلك لمواجهة عمل إعلامي لا يعيش عادة أكثر من دورة إعلانية واحدة. لكن يبدو أن البرنامج حظي بما لم يحلم به منتجوه: ترقية رسمية إلى مستوى “التهديد الاستراتيجي”. وهنا تكمن المفارقة الأولى: ما عجز عن فعله منتجو البرنامج، تكفل به البيان الرسمي بكل سخاء.

فجأة، صار الفيلم “الوثائقي” قضية دولة، وصار جهاز التحكم عن بُعد أخطر من حاملات الطائرات. من يشاهد المشهد من الخارج قد يظن أن القناة الفرنسية الثانية أسقطت نظامًا، أو حرّكت شارعًا، أو كشفت سرًا نوويًا. والحقيقة أنها لم تفعل سوى ما تجيده القنوات العملاقة في قالب صوتي وبصري.

لكن الرد الرسمي، بدل أن يعيد الأمور إلى حجمها الطبيعي، اختار استراتيجية “ القوة الضاربة”. استدعاء دبلوماسي، اتهام بالتواطؤ، حديث عن مؤامرة رسمية، وتصعيد لغوي يوحي بأن العلاقات الثنائية ستزيد تدحرجا على شفير الانهيار… كل هذا لأن كاميرا اشتغلت، ومخرج بالغ في الخيال الحقيقي.

السخرية الأكبر أن البيان أدان “الأكاذيب” دون أن يزعج نفسه بتفنيدها. لا وثائق مضادة، لا أرقام، لا حقائق. فقط غضب مجاني، معبأ في فقرات طويلة. وكأن الدولة تقول للرأي العام: صدّقونا أيها الكراغلة لأننا غاضبون، لا لأننا محققون ومحقون. في السياسة الحديثة، هذا ليس دفاعًا، بل إعلان هشاشة.

ثم يأتي الاتهام الجاهز: فرنسا تريد إبقاء العلاقات مع الجزائر في حالة توتر دائم. اتهام مريح، يصلح لكل المناسبات، ويُعفي من أي مراجعة داخلية. فبدل التساؤل: لماذا يجد أي عمل إعلامي أرضًا خصبة للتشكيك؟ ولماذا يغيب السرد الرسمي المقنع؟ يُفضَّل رفع شعار المؤامرة، فهو أقل كلفة من بناء الثقة.

أما مشاركة السفير، التي صُوّرت كجريمة دبلوماسية، فهي فصل آخر من المسرحية. فالدبلوماسية، في هذا المنطق، مطلوبة فقط عندما تصفق، أما حين تحضر في مشهد غير مرغوب فيه، تتحول إلى دليل إدانة. هكذا تُدار العلاقات الدولية: لا مشكلة في الكاميرا، المشكلة في من يشاهدها.

في النهاية، خرج البرنامج التلفزي منتصرًا. انتشر أكثر، شُوهد أكثر، نوقش أكثر، بفضل رد فعل كان يفترض أن يدفنه في الصمت. وخرج الرأي العام بحقيقة أبسط من كل البيانات: الدولة التي تثق بنفسها لا تدخل في نزال مع شاشة، ولا تعتبر الإثارة الإعلامية خطرًا وجوديًا.

وهكذا، تحولت “القوة الضاربة” إلى قوة انفعالية، تُطلق بياناتها بدل الصواريخ، وتخوض معاركها ضد جهاز التحكم عن بعد، في زمن كانت فيه الشعوب تنتظر معارك ضد الفساد، والبطالة، والانسداد السياسي.

أما الخلاصة، فهي مؤلمة وبسيطة: حين تخاف السلطة من برنامج تلفزي أو إذاعي، فهذا ليس دليل قوة البرنامج… بل دليل ضعف الثقة في الرواية الرسمية.



في نفس الركن