خبير: ضرورة الانتقال إلى نموذج اقتصادي مرن يرتكز على الإنتاجية والذكاء المجالي
*العلم: شيماء اغنيوة*
يأتي إطلاق وتفصيل معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 كخطوة مفصلية لتقييم الحاضر واستشراف مستقبل المملكة المغربية. ففي ظل الرهانات التنموية والاقتصادية والاجتماعية الراهنة، لم يعد الرقم الإحصائي مجرد أداة حسابية جافة، بل أضحى ركيزة أساسية لتوجيه القرار العمومي ورسم السياسات الترابية الموجهة. ويطرح التقرير الأخير أرضية غنية للنقاش حول سبل الانتقال بالبنية المعرفية للمملكة، ومواجهة التحديات الديموغرافية والاجتماعية المتسارعة التي ترسم ملامح المغرب في أفق سنة 2060.
وفي هذا السياق، أكد الخبير أمين سامي، في تصريح لـ«العلم»، أن التقرير ليس مجرد وثيقة تقنية حول جودة إحصاء 2024، بل هو إعلان انتقال المغرب من الإحصاء الورقي إلى الإحصاء السيادي الرقمي الترابي. وأوضح أن القيمة الحقيقية للإحصاء ليست فقط في الأرقام التي سينتجها، بل في طريقة إنتاج الرقم، وضبطه، وترميزه، وجغرفته، وحمايته، ونشره. مبيناً أن هذه العملية تمثل انتقالاً حقيقياً من إحصاء السكان إلى بناء بنية تحتية وطنية للمعرفة الترابية؛ إذ لم تعد الدولة تسأل فقط عن عدد السكان، بل أيضاً عن مكان تواجدهم، وكيفية عيشهم وتحركهم، ومستوى هشاشتهم، وعلاقتهم بالشغل، والسكن، والتعليم، والصحة، والرقمنة، والهجرة.
وشدد سامي على أن هذا التحول الجوهري سيبني القرار العمومي المستقبلي على الميكرو-معطيات الترابية (الجماعة، والدوار، والحي، ونوع السكن، والأسرة، والنشاط، والتنقل، والولوج للخدمات)، بدلاً من المتوسطات الوطنية. واعتبر أن أهم ما في التقرير هو الرقمنة، عبر استعمال اللوحات الإلكترونية، ونظام المعلومات الجغرافية المحمول، والإسناد الجغرافي للبنايات، والمراقبة الآلية، والإرسال الآمن للمعطيات، مما يؤسس عملياً لقاعدة معرفية ضخمة تسمح بإعادة هندسة السياسات العمومية، من خلال ما يمكن تسميته بـ«السجل الترابي الذكي للدولة» المحمي والسري.
وأبرز الخبير أربعة تحولات كبرى كشف عنها التقرير؛ أولها رقمنة جمع المعطيات لتقليص الأخطاء وتسريع المعالجة، وثانيها جغرفة البنايات والمساكن لربط السكان بالمجال، وثالثها اعتماد استمارة قصيرة لكل الأسر واستمارة مفصلة لعينة موسعة للموازنة بين الشمول والدقة، ورابعها استعمال الخوارزميات والذكاء الاصطناعي في الترميز والتصنيف، خصوصاً في المهن والشهادات والأنشطة الاقتصادية؛ ليتحول الإحصاء بذلك إلى نظام إنتاج معرفة قابل للتحديث والتحليل والربط المستمر.
وعلى مستوى البعد الاقتصادي، أشار أمين سامي إلى أن التقرير يفتح الباب أمام ثلاثة استعمالات استراتيجية، تشمل توجيه الاستثمار وتحديد مواقع المناطق الصناعية والمرافق الحيوية، وقياس السوق الحقيقي لمساعدة القطاع الخاص في فهم البنية الاستهلاكية ديموغرافياً وجغرافياً، إضافة إلى إعادة توجيه الدعم العمومي للانتقال من الدعم العام إلى الدعم الترابي الموجه حسب الفقر والهشاشة والولوج للخدمات.
أما على مستوى البعد الاجتماعي والترابي، فقد أوضح أن التقرير يدمج موضوعات حساسة كالأمية، والتمدرس، والإعاقة، والتغطية الصحية، والتشغيل، مما يتيح قراءة المجتمع المغربي كـ«فسيفساء اجتماعية ترابية» تحدد نوع الفقر بدقة في كل مجال. ونبّه إلى أن الانتقال نحو الدقة المجالية ونشر المعطيات محلياً سيجعل الجماعات الترابية مكشوفة، حيث سيصبح الرقم أداة محاسبة تنهي عهد البرامج المبنية على الانطباعات أو الطلب السياسي، مما يشكل فرصة لبناء «DNA ترابي» متكامل لكل جماعة، مؤكداً أن المغرب يدخل بذلك مرحلة حكم المجال بالمعرفة، وتأسيس عقل جديد للدولة يقيس ويطابق ويحمي وينشر.
وفي سياق متصل، شدد سامي على أن المغرب يدخل مرحلة «نهاية الديمغرافيا السهلة»؛ حيث لم نعد أمام بلد يربح السكان والشباب تلقائياً، بل أمام انتقال ديموغرافي ثقيل يتسم بتمدن قوي، وخصوبة تحت عتبة التعويض، وشيخوخة سريعة، وضغط حضري على الشغل والسكن، وتراجع تدريجي للرصيد القروي. وأورد أنه حسب السيناريو المتوسط، سينتقل سكان المغرب من 36.8 مليون نسمة سنة 2024 إلى حوالي 43.3 مليون سنة 2060 (بزيادة تقارب 17.8%)، لكن معدل النمو سينخفض تدريجياً ليقترب من الصفر، مما يعني أن المغرب سيكبر عددياً، لكنه سيتباطأ ديمغرافياً، مع تركز ثلاثة أرباع السكان (نحو 32.5 مليون) في الحواضر، مقابل تراجع الساكنة القروية إلى 10.8 مليون نسمة.
ودعا الخبير، في تصريحه لـ«العلم»، إلى قراءة التفاعلات النسقية لهذه الأرقام التي تعيد توزيع القوة داخل المجتمع والاقتصاد والمجال. فعلى مستوى النسق الاقتصادي والصناعي، يحتاج المغرب إلى نمو منتج يرتكز على إنتاجية العمل والذكاء الاصطناعي لمواجهة تباطؤ قاعدة الشباب، والعمل على خلق «مدن إنتاج» تحتضن السكان النشيطين قرب الأحواض الحضرية الكبرى، بدل «مدن ضغط». وعلى مستوى النسق الاجتماعي والبيئي، لفت إلى تغير بنية الأسرة (أطفال أقل، ومسنون أكثر، وتراجع التضامن العائلي)، والضغط المتزايد للتمدن على الموارد المائية، والسكن، والنفايات، والطاقة، مما يفرض تخطيط المدن كمنظومات مرنة، لا كتوسعات إسمنتية.
واختتم أمين سامي تصريحه بالتأكيد على أن التراجع القروي يفرض جعل الاستثمار القروي المنتج ضرورة سيادية لتعويض فقدان اليد العاملة الفلاحية، مشيراً إلى أن المغرب يمر حالياً بانتقال حاسم من «ديمغرافيا الوفرة» إلى «ديمغرافيا الجودة»، حيث لن تربح المرحلة القادمة الدولة التي تملك سكاناً أكثر، بل الدولة التي تنجح في جعل كل فرد من مواطنيها أكثر تعلماً، وصحة، وإنتاجية، وقدرة على خلق القيمة المضافة العالية.
يأتي إطلاق وتفصيل معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 كخطوة مفصلية لتقييم الحاضر واستشراف مستقبل المملكة المغربية. ففي ظل الرهانات التنموية والاقتصادية والاجتماعية الراهنة، لم يعد الرقم الإحصائي مجرد أداة حسابية جافة، بل أضحى ركيزة أساسية لتوجيه القرار العمومي ورسم السياسات الترابية الموجهة. ويطرح التقرير الأخير أرضية غنية للنقاش حول سبل الانتقال بالبنية المعرفية للمملكة، ومواجهة التحديات الديموغرافية والاجتماعية المتسارعة التي ترسم ملامح المغرب في أفق سنة 2060.
وفي هذا السياق، أكد الخبير أمين سامي، في تصريح لـ«العلم»، أن التقرير ليس مجرد وثيقة تقنية حول جودة إحصاء 2024، بل هو إعلان انتقال المغرب من الإحصاء الورقي إلى الإحصاء السيادي الرقمي الترابي. وأوضح أن القيمة الحقيقية للإحصاء ليست فقط في الأرقام التي سينتجها، بل في طريقة إنتاج الرقم، وضبطه، وترميزه، وجغرفته، وحمايته، ونشره. مبيناً أن هذه العملية تمثل انتقالاً حقيقياً من إحصاء السكان إلى بناء بنية تحتية وطنية للمعرفة الترابية؛ إذ لم تعد الدولة تسأل فقط عن عدد السكان، بل أيضاً عن مكان تواجدهم، وكيفية عيشهم وتحركهم، ومستوى هشاشتهم، وعلاقتهم بالشغل، والسكن، والتعليم، والصحة، والرقمنة، والهجرة.
وشدد سامي على أن هذا التحول الجوهري سيبني القرار العمومي المستقبلي على الميكرو-معطيات الترابية (الجماعة، والدوار، والحي، ونوع السكن، والأسرة، والنشاط، والتنقل، والولوج للخدمات)، بدلاً من المتوسطات الوطنية. واعتبر أن أهم ما في التقرير هو الرقمنة، عبر استعمال اللوحات الإلكترونية، ونظام المعلومات الجغرافية المحمول، والإسناد الجغرافي للبنايات، والمراقبة الآلية، والإرسال الآمن للمعطيات، مما يؤسس عملياً لقاعدة معرفية ضخمة تسمح بإعادة هندسة السياسات العمومية، من خلال ما يمكن تسميته بـ«السجل الترابي الذكي للدولة» المحمي والسري.
وأبرز الخبير أربعة تحولات كبرى كشف عنها التقرير؛ أولها رقمنة جمع المعطيات لتقليص الأخطاء وتسريع المعالجة، وثانيها جغرفة البنايات والمساكن لربط السكان بالمجال، وثالثها اعتماد استمارة قصيرة لكل الأسر واستمارة مفصلة لعينة موسعة للموازنة بين الشمول والدقة، ورابعها استعمال الخوارزميات والذكاء الاصطناعي في الترميز والتصنيف، خصوصاً في المهن والشهادات والأنشطة الاقتصادية؛ ليتحول الإحصاء بذلك إلى نظام إنتاج معرفة قابل للتحديث والتحليل والربط المستمر.
وعلى مستوى البعد الاقتصادي، أشار أمين سامي إلى أن التقرير يفتح الباب أمام ثلاثة استعمالات استراتيجية، تشمل توجيه الاستثمار وتحديد مواقع المناطق الصناعية والمرافق الحيوية، وقياس السوق الحقيقي لمساعدة القطاع الخاص في فهم البنية الاستهلاكية ديموغرافياً وجغرافياً، إضافة إلى إعادة توجيه الدعم العمومي للانتقال من الدعم العام إلى الدعم الترابي الموجه حسب الفقر والهشاشة والولوج للخدمات.
أما على مستوى البعد الاجتماعي والترابي، فقد أوضح أن التقرير يدمج موضوعات حساسة كالأمية، والتمدرس، والإعاقة، والتغطية الصحية، والتشغيل، مما يتيح قراءة المجتمع المغربي كـ«فسيفساء اجتماعية ترابية» تحدد نوع الفقر بدقة في كل مجال. ونبّه إلى أن الانتقال نحو الدقة المجالية ونشر المعطيات محلياً سيجعل الجماعات الترابية مكشوفة، حيث سيصبح الرقم أداة محاسبة تنهي عهد البرامج المبنية على الانطباعات أو الطلب السياسي، مما يشكل فرصة لبناء «DNA ترابي» متكامل لكل جماعة، مؤكداً أن المغرب يدخل بذلك مرحلة حكم المجال بالمعرفة، وتأسيس عقل جديد للدولة يقيس ويطابق ويحمي وينشر.
وفي سياق متصل، شدد سامي على أن المغرب يدخل مرحلة «نهاية الديمغرافيا السهلة»؛ حيث لم نعد أمام بلد يربح السكان والشباب تلقائياً، بل أمام انتقال ديموغرافي ثقيل يتسم بتمدن قوي، وخصوبة تحت عتبة التعويض، وشيخوخة سريعة، وضغط حضري على الشغل والسكن، وتراجع تدريجي للرصيد القروي. وأورد أنه حسب السيناريو المتوسط، سينتقل سكان المغرب من 36.8 مليون نسمة سنة 2024 إلى حوالي 43.3 مليون سنة 2060 (بزيادة تقارب 17.8%)، لكن معدل النمو سينخفض تدريجياً ليقترب من الصفر، مما يعني أن المغرب سيكبر عددياً، لكنه سيتباطأ ديمغرافياً، مع تركز ثلاثة أرباع السكان (نحو 32.5 مليون) في الحواضر، مقابل تراجع الساكنة القروية إلى 10.8 مليون نسمة.
ودعا الخبير، في تصريحه لـ«العلم»، إلى قراءة التفاعلات النسقية لهذه الأرقام التي تعيد توزيع القوة داخل المجتمع والاقتصاد والمجال. فعلى مستوى النسق الاقتصادي والصناعي، يحتاج المغرب إلى نمو منتج يرتكز على إنتاجية العمل والذكاء الاصطناعي لمواجهة تباطؤ قاعدة الشباب، والعمل على خلق «مدن إنتاج» تحتضن السكان النشيطين قرب الأحواض الحضرية الكبرى، بدل «مدن ضغط». وعلى مستوى النسق الاجتماعي والبيئي، لفت إلى تغير بنية الأسرة (أطفال أقل، ومسنون أكثر، وتراجع التضامن العائلي)، والضغط المتزايد للتمدن على الموارد المائية، والسكن، والنفايات، والطاقة، مما يفرض تخطيط المدن كمنظومات مرنة، لا كتوسعات إسمنتية.
واختتم أمين سامي تصريحه بالتأكيد على أن التراجع القروي يفرض جعل الاستثمار القروي المنتج ضرورة سيادية لتعويض فقدان اليد العاملة الفلاحية، مشيراً إلى أن المغرب يمر حالياً بانتقال حاسم من «ديمغرافيا الوفرة» إلى «ديمغرافيا الجودة»، حيث لن تربح المرحلة القادمة الدولة التي تملك سكاناً أكثر، بل الدولة التي تنجح في جعل كل فرد من مواطنيها أكثر تعلماً، وصحة، وإنتاجية، وقدرة على خلق القيمة المضافة العالية.