العلم الإلكترونية - الرباط
تحل اليوم الثلاثاء 17 فبراير 2026 الذكرى التاسعة لرحيل واحد من أهم رجالات السياسة والدبلوماسية والقانون الذين عرفهم المغرب المعاصر، والذين تركوا بصمة واضحة على مجمل الحياة السياسية والدستورية والمؤسسية بالبلاد، والتي ما زالت آثارها ماثلة للعيان إلى اليوم.
وبفقدانه، خسر المغرب قامة من القامات الشاهقة التي كانت تفيئ بظلها على كل المدافعين عن قيم العدالة والحرية والديمقراطية.
عرف الراحل بالحكيم الصامت .. غير أنه لم يكن صامتا تماما .. فقد كان يجيد فن الكلام .. ويتقنه .. حتى ليعرف ماذا و متى وأين وكيف .. ولماذا .. يتكلم.
هو ذا محمد بوستة .. إذا قلنا من طينة نادرة فقد أصبنا .. وإذا قلنا من معدن نبيل .. فقد صدقنا .. وإذا قلنا ما أحوج البلاد لمثله اليوم .. فقد استكثرنا .. لأننا نعرف أنه ما عاد النبع مثلما كان .. بعدما خاضت فيه الأرجل حتى الركب .. ونعرف .. أن لكل زمان رجاله .. وفي زمانه .. كان الرجال هم من يصنعون الأزمان .. وهم هم .. من يشعلون الآمال.
وهو كان صانعا للأحداث موجها لها .. تمرس منذ نعومة الأظافر على خوض محيط السياسة غير هياب من أمواجها العاتيات، فتماهت شخصيته بشكل عجيب مع مساره النضالي العاصف، حتى ليصعب التفريق بين حياته الخاصة وحياته العامة .. منذورا للتضحية وللإيمان العميق بقيم الحرية والعدالة .. ومطبوعا بالمذهب الاستقلالي الأصيل الذي يقترن أيما اقتران بالشخصية المغربية .. بهويتها وإنسيتها الفذة .. بل ولا مشاحة .. كان خير معبر عنها ومجسد لها طيلة حياته الطويلة الزاخرة بالعطاء والسخاء والبذل .. نموذجا ومثالا فريدا متفردا.
كثيرة هي المحطات الدالة المعبرة في حياته، ونجزم، أنها في المجمل سلسلة متعاقبة من التجارب التي عاشها رفقة رجالات الحركة الوطنية المغربية، حتى كأن القدر اختصه وحده، ليضع في طريقه كل أولئك الذين غيروا، بإرادة من فولاذ، تاريخ المغرب، وصنعوا استقلاله وتحرره، مثلما صنعوا حاضره ومستقبله، الفقيه غازي وعلال الفاسي ومحمد اليزيدي وأحمد بلافريج والهاشمي الفيلالي وعبد العزيز بن ادريس وأبو بكر القادري وعبد الكريم غلاب ومحمد الدويري وعبد الحفيظ القادري وعبد الرحمن بادو وعبد الرحيم بوعبيد واللائحة تطول وتطول.
والمتمعن لسيرة ومسار الحكيم .. سيندهش لا محالة حين يجد أنه لم يترك حيزا إلا شغله.. ولا موقعا إلا كان له فيه أثر .. ولا جبهة إلا وكان متراسها وخندق دفاعها الأول .. لديه قدرة سحرية في جمع ما تفرق ومن تفرق.. حوله يلتئم المختلف ويأتلف .. فكان بحق .. تصالحيا ووسطيا .. فلعب أدوارا التي من ذهب في كل مرحلة من المراحل .. جامعا الشتات .. وموحدا له.. تساعده في ذلك شخصيته الديمقراطية جدا وطبعه السمح وروحه البيضاء .. والتي كانت وما تزال محط إجلال وتقدير .. من الخصوم قبل الخلان..
دوره المحوري في مفاوضات إكس ليبان المفضية لعودة محمد الخامس من المنفى وبداية نهاية عهد الحجر والحماية .. بناؤه على حجر مكين الماكينة الدبلوماسية المغربية .. دفاعه المستميت عن قضايا الحرية والأحرار داخل المحاكم، عسكرية أو مدنية، في أزمنة الرصاص والموت، توليه قيادة حزب الاستقلال خلفا للطود الشامخ علال الفاسي في مرحلة من أحلك المراحل.. انبراؤه للدفاع عن وحدة الأراضي المغربية واستبساله في المطالبة باسترجاع الصحراء إلى وطنها الأم .. داخل كل المحافل والمنتديات .. وفي كل المنظمات الإقليمية والقارية والأممية .. في زمن الحرب الباردة التي كان يعز فيها الأصدقاء ويقلون .. بينما يكثر الأعداء والمتآمرون.
حصد الكثير من الصداقات في كل أرجاء العالم .. فانحنت أمام قامته الهامات .. مانديلا وليبولد سنغور وباتريس لومومبا وياسر عرفات وغيرهم كثير كثير .. ملوك وأمراء ورؤساء دول .. قادة تحرر .. زعماء وثوار .. مفكرون ومصلحون.
مواقفه تشهد .. وكيف لجاحد أن ينكر عليه الفضل الكبير في نضاله من أجل انتقال ديمقراطي في البلاد .. وبناء مؤسسات دستورية قوية .. ومواجهته لقوى النكوص والفساد.
كان ضمن قلة قليلة جدا من الرجالات الأحرار الذين لا شيئ يمنعهم من قول لا .. دون مزايدات ديماغوجية ولا قعقعات شعبوية .. بل تصريفا لمبدأ لا يزيغ عنه ولا يحيد.
مواقفه تشهد .. وهو في البرلمان .. وهو في الحكومة .. وهو في المعارضة .. بقي هو هو .. متصالحا منسجما مع يقينياته وانتمائه الوطني، ولإيمان راسخ ظل متشبثا به قابضا عليه كالجمر.
أعطى النموذج .. والمثال .. والقدوة .. في كل شيء .. في تواضع ونكران ذات ومحبة .. وكان الزعيم السياسي الوحيد الذي ترك كل شيئ ليفسح المجال لآخرين في أوج عنفوانه وعطائه وشعبيته.. وأبى رغم النداءات والرجاء أن يعود .. صائحا بكلمته المضيئة التي سارت بذكرها الركبان .. مخاطبا الشباب الذين كان يؤمن بهم وبقدراتهم على تحمل جسيم المسؤوليات .. هذا الحزب دونكم فخذوه!