*العلم: نهيلة البرهومي*
تدخل العلاقات الدفاعية بين الرباط وباريس منعطفاً استراتيجياً حاسماً، مدفوعة برغبة فرنسية قوية لإعطاء زخم جديد لخطوط التعاون العسكري مع المغرب، وسط إعادة تشكيل شاملة للتحالفات الإقليمية. هذا التوجه تبلور بوضوح في اللقاءات رفيعة المستوى التي شهدتها باريس الجمعة الأخيرة، على هامش معرض «أوروساتوري 2026» للدفاع والأمن، والتي جمعت وزيرة الجيوش الفرنسية «كاترين فوترين» بالوزير عبد اللطيف لوديي، المكلف بإدارة الدفاع الوطني، بالتزامن مع مباحثات عسكرية مكثفة أجراها المفتش العام للقوات المسلحة الملكية، الفريق أول محمد بريظ، مع رئيس أركان القوات المسلحة الفرنسية، الجنرال فابيان مأندون.
وتأتي هذه التحركات الدبلوماسية والعسكرية في وقت يعكف فيه البلدان على صياغة معاهدة ثنائية جديدة تؤطر للتعاون الاستراتيجي، إذ من المنتظر أن يشكل الاجتماع المرتقب عقده في الرباط خلال شهر يوليوز المقبل محطة مفصلية لتقييم المشاريع الدفاعية المشتركة ورسم معالم الشراكة المستقبلية.
ولم تعد الشراكة التقليدية المبنية على اقتناء السلاح كافية في منطق الرباط الجديد، حيث وقعت القوات المسلحة الملكية اتفاقية استراتيجية مع شركة «أول هرماتان» الفرنسية، المتخصصة في الأنظمة الذاتية والطائرات المسيرة، تهدف إلى إقامة وحدات إنتاجية لتصنيع أنظمة دفاعية داخل المغرب، وتأسيس مركز بحث متقدم للذكاء الاصطناعي، وهو ما وصفه «معاذ مغاري»، الرئيس التنفيذي للشركة، بأنه دعم لطموح المغرب نحو «الاستقلالية الاستراتيجية والسيادة التكنولوجية».
وتسعى باريس للفوز بصفقات ضخمة لإعادة تجهيز الجيش المغربي، تتصدرها صفقة اقتناء أول غواصة للبحرية الملكية (طراز سكوربين) لتأمين فضاء المملكة البحري وغرب المتوسط ومضيق جبل طارق، حيث تواجه فرنسا منافسة حامية من إسبانيا وكوريا الجنوبية. كما تحاول شركة «داسو» طرح مقاتلات «رافال» لتحديث الأسطول الجوي، رغم الاعتماد التاريخي للمغرب على الأنظمة الأمريكية.
وأمام هذه المساعي الفرنسية، تبدو الرباط في موقف تفاوضي قوي ومريح؛ فالمغرب نجح خلال السنوات الأخيرة في تنويع مصادر تسليحه عبر نسج شراكات قوية وموثوقة مع واشنطن وبكين وغيرهما من الدول.
وفي حديثه لـ«العلم» حول هذه المستجدات، أكد عصام لعروسي، الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، أن اشتراط المملكة «توطين التكنولوجيا» وصناعة المسيرات محلياً في اتفاقياتها الجديدة مع فرنسا، غدا خياراً عسكرياً استراتيجياً تفرضه طبيعة العلاقات الراهنة بين البلدين. وأوضح أن المعاهدة التاريخية المرتقبة ستشكل حدثاً فارقاً، كون باريس باتت تدعم توطين الصناعات الدفاعية وتواكب الرغبة المغربية في تنويع الشراكات العسكرية مع القوى الكبرى، على الرغم من أن السوق الأمريكية تظل المزود والمستثمر الأكبر للمملكة في مجالي الطيران والصواريخ.
وأضاف لعروسي أن المجال البحري يمثل حالياً الرافعة الحقيقية والبيئة الأكثر احتياجاً لبناء شراكة قوية ومستدامة بين الرباط وباريس، مشدداً على أن مواكبة المغرب للثورة المعلوماتية والاعتماد على الأنظمة الدفاعية الحديثة مكنا بلادنا من فرض شروطها التفاوضية، والعبور بثبات نحو نادي الدول المصنعة للسلاح.
وفيما يخص الضغوط التي تمارسها فرنسا للفوز بصفقتي الغواصات ومقاتلات «الرافال» عبر تقديم عروض تنافسية تتفوق بها على خصومها، اعتبر المتحدث أن الخصاص الذي تشهده الترسانة البحرية المغربية وضع المملكة أمام خيارات حيوية، تترجمها العروض المتدفقة من قوى بحرية كبرى (فرنسا، إسبانيا، كوريا الجنوبية، وروسيا) تسعى كلها لاختراق السوق المغربية. ونبه لعروسي في هذا الصدد إلى ضرورة تقييم هذه الصفقات بمنطق المصلحة الوطنية العليا، لا سيما وأن باريس تحاول جاهدة تعويض خساراتها السابقة لصفقات تسليح كبرى وتفادي تكرار سيناريو أستراليا الشهير، وهو الطموح الذي ينطبق أيضاً على مساعيها لتسويق مقاتلات «الرافال».
وأشار الخبير الأمني إلى أن منطق المصالح المتبادلة بات هو السائد اليوم في علاقات الرباط وباريس، خاصة بعد المنعطف التاريخي المتمثل في الاعتراف الفرنسي بمغربية الصحراء، وهو ما خلق توازناً استراتيجياً مع هذا الشريك التقليدي قد يتجاوز حدود الشراكات مع قوى أخرى، ويجعل باريس الخيار الأقرب والأنسب لاختيارات المغرب الدفاعية المقبلة.
وخلص لعروسي إلى أن نجاح المغرب في تنويع شركائه الدوليين، وتشبثه بالبراغماتية وتحقيق المنفعة المتبادلة في علاقاته الخارجية، يمنحه اليوم قوة تفاوضية كبرى لفرض شروطه السيادية، والتحرك دوماً من منطلق المصلحة المشتركة والمعادلات الرابحة؛ مؤكداً أن المملكة تحولت إلى قوة إقليمية وازنة يُحسب لها ألف حساب، وهو الواقع الجديد الذي استوعبته باريس جيداً، مما قد يدفعها للاستجابة لشروط الرباط دون أي تعقيد.
تدخل العلاقات الدفاعية بين الرباط وباريس منعطفاً استراتيجياً حاسماً، مدفوعة برغبة فرنسية قوية لإعطاء زخم جديد لخطوط التعاون العسكري مع المغرب، وسط إعادة تشكيل شاملة للتحالفات الإقليمية. هذا التوجه تبلور بوضوح في اللقاءات رفيعة المستوى التي شهدتها باريس الجمعة الأخيرة، على هامش معرض «أوروساتوري 2026» للدفاع والأمن، والتي جمعت وزيرة الجيوش الفرنسية «كاترين فوترين» بالوزير عبد اللطيف لوديي، المكلف بإدارة الدفاع الوطني، بالتزامن مع مباحثات عسكرية مكثفة أجراها المفتش العام للقوات المسلحة الملكية، الفريق أول محمد بريظ، مع رئيس أركان القوات المسلحة الفرنسية، الجنرال فابيان مأندون.
وتأتي هذه التحركات الدبلوماسية والعسكرية في وقت يعكف فيه البلدان على صياغة معاهدة ثنائية جديدة تؤطر للتعاون الاستراتيجي، إذ من المنتظر أن يشكل الاجتماع المرتقب عقده في الرباط خلال شهر يوليوز المقبل محطة مفصلية لتقييم المشاريع الدفاعية المشتركة ورسم معالم الشراكة المستقبلية.
ولم تعد الشراكة التقليدية المبنية على اقتناء السلاح كافية في منطق الرباط الجديد، حيث وقعت القوات المسلحة الملكية اتفاقية استراتيجية مع شركة «أول هرماتان» الفرنسية، المتخصصة في الأنظمة الذاتية والطائرات المسيرة، تهدف إلى إقامة وحدات إنتاجية لتصنيع أنظمة دفاعية داخل المغرب، وتأسيس مركز بحث متقدم للذكاء الاصطناعي، وهو ما وصفه «معاذ مغاري»، الرئيس التنفيذي للشركة، بأنه دعم لطموح المغرب نحو «الاستقلالية الاستراتيجية والسيادة التكنولوجية».
وتسعى باريس للفوز بصفقات ضخمة لإعادة تجهيز الجيش المغربي، تتصدرها صفقة اقتناء أول غواصة للبحرية الملكية (طراز سكوربين) لتأمين فضاء المملكة البحري وغرب المتوسط ومضيق جبل طارق، حيث تواجه فرنسا منافسة حامية من إسبانيا وكوريا الجنوبية. كما تحاول شركة «داسو» طرح مقاتلات «رافال» لتحديث الأسطول الجوي، رغم الاعتماد التاريخي للمغرب على الأنظمة الأمريكية.
وأمام هذه المساعي الفرنسية، تبدو الرباط في موقف تفاوضي قوي ومريح؛ فالمغرب نجح خلال السنوات الأخيرة في تنويع مصادر تسليحه عبر نسج شراكات قوية وموثوقة مع واشنطن وبكين وغيرهما من الدول.
وفي حديثه لـ«العلم» حول هذه المستجدات، أكد عصام لعروسي، الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، أن اشتراط المملكة «توطين التكنولوجيا» وصناعة المسيرات محلياً في اتفاقياتها الجديدة مع فرنسا، غدا خياراً عسكرياً استراتيجياً تفرضه طبيعة العلاقات الراهنة بين البلدين. وأوضح أن المعاهدة التاريخية المرتقبة ستشكل حدثاً فارقاً، كون باريس باتت تدعم توطين الصناعات الدفاعية وتواكب الرغبة المغربية في تنويع الشراكات العسكرية مع القوى الكبرى، على الرغم من أن السوق الأمريكية تظل المزود والمستثمر الأكبر للمملكة في مجالي الطيران والصواريخ.
وأضاف لعروسي أن المجال البحري يمثل حالياً الرافعة الحقيقية والبيئة الأكثر احتياجاً لبناء شراكة قوية ومستدامة بين الرباط وباريس، مشدداً على أن مواكبة المغرب للثورة المعلوماتية والاعتماد على الأنظمة الدفاعية الحديثة مكنا بلادنا من فرض شروطها التفاوضية، والعبور بثبات نحو نادي الدول المصنعة للسلاح.
وفيما يخص الضغوط التي تمارسها فرنسا للفوز بصفقتي الغواصات ومقاتلات «الرافال» عبر تقديم عروض تنافسية تتفوق بها على خصومها، اعتبر المتحدث أن الخصاص الذي تشهده الترسانة البحرية المغربية وضع المملكة أمام خيارات حيوية، تترجمها العروض المتدفقة من قوى بحرية كبرى (فرنسا، إسبانيا، كوريا الجنوبية، وروسيا) تسعى كلها لاختراق السوق المغربية. ونبه لعروسي في هذا الصدد إلى ضرورة تقييم هذه الصفقات بمنطق المصلحة الوطنية العليا، لا سيما وأن باريس تحاول جاهدة تعويض خساراتها السابقة لصفقات تسليح كبرى وتفادي تكرار سيناريو أستراليا الشهير، وهو الطموح الذي ينطبق أيضاً على مساعيها لتسويق مقاتلات «الرافال».
وأشار الخبير الأمني إلى أن منطق المصالح المتبادلة بات هو السائد اليوم في علاقات الرباط وباريس، خاصة بعد المنعطف التاريخي المتمثل في الاعتراف الفرنسي بمغربية الصحراء، وهو ما خلق توازناً استراتيجياً مع هذا الشريك التقليدي قد يتجاوز حدود الشراكات مع قوى أخرى، ويجعل باريس الخيار الأقرب والأنسب لاختيارات المغرب الدفاعية المقبلة.
وخلص لعروسي إلى أن نجاح المغرب في تنويع شركائه الدوليين، وتشبثه بالبراغماتية وتحقيق المنفعة المتبادلة في علاقاته الخارجية، يمنحه اليوم قوة تفاوضية كبرى لفرض شروطه السيادية، والتحرك دوماً من منطلق المصلحة المشتركة والمعادلات الرابحة؛ مؤكداً أن المملكة تحولت إلى قوة إقليمية وازنة يُحسب لها ألف حساب، وهو الواقع الجديد الذي استوعبته باريس جيداً، مما قد يدفعها للاستجابة لشروط الرباط دون أي تعقيد.