2026 شتنبر 8 - تم تعديله في [التاريخ]

الرشيدي يوجه بوصلة ملف الإعاقة نحو الإدماج وفعلية الحقوق

8.7 في المائة من المغاربة في وضعية إعاقة و29 في المائة من الأسر معنية


 

العلم: نهيلة البرهومي

لم يعد ملف الأشخاص في وضعية إعاقة بالمغرب مجرد قضية اجتماعية تحضر في واجهة النقاش عند الحديث عن الرعاية والدعم، بل أصبح ورشا حقوقيا وتنمويا تتقاطع فيه المعطيات الإحصائية مع السياسات العمومية، وتتجه فيه الدولة تدريجيا من تشخيص الواقع إلى بناء استجابات أكثر استهدافا. وهو ما تعكسه النتائج الأولية للبحث الوطني الثالث حول الإعاقة، التي قدمها عبد الجبار الرشيدي، كاتب الدولة المكلف بالإدماج الاجتماعي أخيرا، كاشفا عن صورة أكثر دقة لحجم الإعاقة وتوزيعها وانتظارات الأشخاص المعنيين بها.

وأظهرت النتائج أن معدل انتشار الإعاقة بلغ 8.7 في المائة سنة 2026، مقابل 6.8 في المائة سنة 2014، فيما باتت الإعاقة معنية بها نحو 29 في المائة من الأسر المغربية. غير أن قراءة هذا الارتفاع باعتباره تدهورا مفاجئا في الوضع الصحي ستكون اختزالا للمعطى، إذ يرتبط، وفق المعطيات المقدمة، بدرجة كبيرة بتطور منهجية القياس، من خلال إدماج الأطفال بين سنتين و17 سنة وفق معايير اليونيسف، واعتماد القائمة الموسعة لمجموعة واشنطن بالنسبة إلى البالغين، فضلا عن أثر شيخوخة السكان، حيث يرتفع معدل الانتشار لدى المسنين إلى نحو 26 في المائة.

وبذلك، لا تكمن أهمية الرقم الجديد في كونه أعلى من الرقم السابق فحسب، وإنما في كونه يوفر قاعدة معرفية أكثر دقة لفهم الواقع وتحديد الحاجيات وتوجيه السياسات والموارد. وقد توسعت العينة الوطنية من 16 ألف أسرة سنة 2014 إلى 20 ألفا و412 أسرة سنة 2026، بمشاركة 47 فريقا و236 باحثا، مع تسجيل معدل رفض يقل عن 2 في المائة.

وتكشف النتائج في المقابل عن تفاوتات تستدعي سياسات أكثر استهدافا، إذ يتراوح معدل الانتشار بين 14.2 في المائة بجهة بني ملال - خنيفرة و2.4 في المائة بجهة الداخلة - وادي الذهب. كما تمثل النساء 53.6 في المائة من الأشخاص في وضعية إعاقة، مقابل 46.4 في المائة للرجال، فيما يعيش 60.5 في المائة منهم بالوسط الحضري و39.5 في المائة بالوسط القروي.

وتبرز الصحة والتعليم والتشغيل ضمن أكثر المجالات التي تكشف الحاجة إلى مواصلة الإصلاح. فلا يتوفر سوى 29.7 في المائة من الأشخاص في وضعية إعاقة على تشخيص طبي رسمي، فيما يتحمل 65.6 في المائة منهم نفقات الأدوية والمنتجات الصيدلانية على مستوى الأسرة. وفي التعليم، تبلغ نسبة التمدرس لدى الأطفال من 6 إلى 17 سنة الذين يعانون صعوبات وظيفية حوالي 65 في المائة، بينما يشكل رفض التسجيل بسبب الإعاقة 42.4 في المائة من أسباب عدم الولوج إلى المدرسة.

أما التشغيل، فيظل أحد أكبر رهانات المرحلة المقبلة، إذ لا تتجاوز نسبة المشتغلين 12.7 في المائة من الأشخاص في وضعية إعاقة، مع فارق حاد بين الرجال والنساء، حيث تبلغ النسبة 23 في المائة لدى الرجال مقابل 4 في المائة لدى النساء. وفي المقابل، يضع 27.1 في المائة تفعيل الحصة القانونية للتشغيل ضمن أبرز انتظاراتهم، بما يجعل الانتقال من الحق المعلن إلى الحق الممارس تحدياً مركزياً للسياسة العمومية.

وتأتي هذه الخلاصات في سياق أوراش عملية لتعزيز الإدماج، إذ تم تخصيص 500 مليون درهم سنة 2025 لتعزيز الخدمات الموجهة إلى الأشخاص في وضعية إعاقة، فيما يتضمن مخطط العمل الوطني الثاني 407 إجراءات وتدابير تشمل الصحة، والحماية الاجتماعية، والتعليم، والتكوين، والتشغيل، والولوجيات، والوقاية، والتوعية، والإدماج الاجتماعي.

وفي التعليم، بلغ عدد المؤسسات التعليمية الدامجة خلال الموسم الدراسي 2024-2025 ما مجموعه 7416 مؤسسة، استفاد فيها نحو 70 ألف تلميذ من الإدماج في التعليم العادي، إلى جانب إحداث 1647 غرفة للموارد والتأهيل والدعم، وتجهيز 6387 مؤسسة بوسائل الولوجيات، وتكييف الامتحانات لفائدة أكثر من 36 ألف تلميذ. وعلى المستوى الاجتماعي، يقدم 89 مركزاً خدمات لأكثر من 208 آلاف مستفيد، فيما تم إصدار أكثر من 200 ألف شهادة إعاقة عبر منصة «خدماتي» خلال سنة 2025.

كما تعززت إجراءات الإدماج في مجال النقل من خلال بطاقة «إدماج» التي تتيح تخفيضا بنسبة 50 في المائة على تذاكر القطارات لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة والأشخاص المكفوفين، مع شمول المرافق بهذا الامتياز، حيث تجاوز عدد الطلبات 20 ألفاً، عولج منها أكثر من 17 ألف طلب.

وهكذا، تضع نتائج البحث الوطني الثالث ملف الإعاقة أمام مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال من أرقام أكثر دقة إلى سياسات أكثر استهدافا، ومن الاعتراف بالحقوق إلى تعزيز شروط ممارستها فعليا. ويظل الرهان، كما تعكسه خلاصات البحث، في قدرة هذه المعطيات على توجيه القرار العمومي خلال السنوات المقبلة، خصوصا في مجالات التشغيل، والصحة، والتعليم، والولوجيات، بما يجعل الإدماج مسارا عمليا نحو تكافؤ الفرص والمشاركة الكاملة في المجتمع.




في نفس الركن