★ الدكتور أنور الشرقاوي - بمساهمة الدكتور منير الباشوشي طبيب متخصص في علاج الأمراض السرطانية ★
توصي الجمعية الأمريكية لعلم الأورام السريري (ASCO) بإدراج التلقيح ضد الحزام الناري «الزونا» ضمن اللقاحات التي ينبغي النظر في إعطائها للبالغين المصابين بالسرطان.
لم يعد التلقيح ضد الحزام الناري «الزونا» يُنظر إليه اليوم باعتباره إجراءً وقائيًا منفصلًا عن علاج السرطان، بل أصبح من الممكن اعتباره جزءًا من استراتيجية الوقاية والرعاية الداعمة التي ترافق المريض طوال مساره العلاجي.
فبعض العلاجات المضادة للسرطان، مثل العلاج الكيميائي والعلاجات الموجَّهة والعلاجات التي تُقلِّل الخلايا اللمفاوية البائية، قد تُضعف الجهاز المناعي وتُقلِّص قدرة الجسم على مقاومة العدوى.
وهنا تكمن المفارقة: فالفيروس الذي أصاب الإنسان في طفولته وتسبّب في جدري الماء (Varicelle)، قد يظل كامنًا في جسمه لسنوات طويلة، قبل أن يستعيد نشاطه عندما تضعف المناعة، فيُسبّب الحزام الناري (Zona)، الذي قد يكون أكثر شدة وتعقيدًا لدى البالغين الذين يخضعون لعلاجات مثبِّطة للمناعة.
◆ لماذا تكتسب الوقاية من الحزام الناري أهمية خاصة في علاج السرطان؟
الحزام الناري ليس مجرد طفح جلدي مصحوب بالألم، كما قد يعتقد البعض.
فحين تكون دفاعات الجسم المناعية ضعيفة، يمكن أن ينتشر المرض على نطاق أوسع، أو يتكرر، أو يؤدي إلى مضاعفات عصبية أو عينية قد تؤثر في جودة حياة المريض.
ومن أبرز هذه المضاعفات الألم العصبي التالي للحزام الناري، وهو ألم قد يستمر حتى بعد اختفاء الطفح الجلدي، فيتحول إلى معاناة طويلة الأمد تُرهق المريض جسديًا ونفسيًا.
ولهذا السبب، توصي الجمعية الأمريكية لعلم الأورام السريري (ASCO) بإدراج التلقيح ضد الحزام الناري ضمن اللقاحات التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار لدى البالغين المصابين بالسرطان.
فالهدف لا يقتصر على علاج الورم، بل يشمل أيضًا حماية المريض من العدوى التي قد تُعقِّد علاجه وتؤثر في حياته اليومية.
◆ القاعدة الذهبية: اختيار التوقيت المناسب للتلقيح
لا ينبغي أن يقتصر السؤال على: «هل يجب تلقيح الشخص المصاب بالسرطان؟».
بل يجب أن يمتد إلى سؤال أكثر أهمية: «ما التوقيت الأنسب للتلقيح مقارنة بموعد بدء العلاج المضاد للسرطان؟».
كلما أمكن ذلك، يُفضَّل إجراء التلقيح قبل البدء بالعلاج الكيميائي أو بأي علاج آخر يُحتمل أن يُضعف الجهاز المناعي.
ففي هذه المرحلة، قد تكون قدرة الجسم على تكوين استجابة مناعية واقية أفضل.
لكن ماذا لو كان العلاج قد بدأ بالفعل؟
هذا لا يعني بالضرورة أن باب التلقيح قد أُغلق، إذ يمكن النظر في إجرائه خلال فترة تكون فيها المناعة محفوظة بدرجة تسمح باستجابة مناسبة، وفقًا لتقييم الفريق الطبي.
ويجب تحديد الموعد بشكل فردي، مع مراعاة نوع السرطان، وطبيعة العلاج، ودرجة ضعف المناعة، فضلًا عن الحالة الصحية العامة للمريض.
بمعنى آخر، لا توجد وصفة واحدة تناسب الجميع؛ فما يصلح لمريض قد لا يكون مناسبًا لمريض آخر، حتى لو كانا يعانيان من النوع نفسه من السرطان.
◆ ميزة مهمة: لقاح الحزام الناري «الزونا» لا يحتوي على فيروس حي
من النقاط الأساسية التي تستحق التوضيح أن اللقاح المؤتلف ضد الحزام الناري، المعروف تجاريًا باسم شينغريكس (Shingrix)، لا يحتوي على فيروس حي.
وتكتسب هذه الخاصية أهمية خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من ضعف المناعة، لأن اللقاحات الحية تُتجنَّب عمومًا لدى المرضى المصابين بنقص المناعة، ومن بينهم بعض مرضى السرطان الخاضعين لعلاجات مثبِّطة للمناعة.
ومع ذلك، فإن عدم احتواء اللقاح على فيروس حي لا يعني أنه يُعطى تلقائيًا لكل مريض بالسرطان؛ إذ يظل قرار التلقيح وتوقيته مرتبطين بتقييم الحالة السريرية وطبيعة العلاج.
◆ ثلاث مراحل للتفكير في الوقاية
إن إدماج التلقيح في مسار علاج السرطان يستدعي اعتماد مقاربة متكاملة تمر بثلاث مراحل أساسية.
**قبل بدء العلاج:** ينبغي مراجعة اللقاحات التي تلقاها المريض سابقًا، وتحديد اللقاحات التي قد يحتاج إليها. وإذا سمحت الحالة الطبية بذلك، يُفضَّل تلقيحه ضد الحزام الناري قبل الدخول في مرحلة يُتوقع أن تضعف فيها المناعة.
**أثناء العلاج:** يجب إعادة تقييم مستوى المناعة، واختيار التوقيت الأكثر ملاءمة للتلقيح، مع تنسيق القرار بين جميع أعضاء الفريق الطبي، والاستعانة بطبيب متخصص في الأمراض المعدية عند الحاجة.
**بعد انتهاء العلاج:** لا ينبغي اعتبار الملف التلقيحي مغلقًا بمجرد انتهاء العلاج المضاد للسرطان. فقد تستدعي بعض الحالات إعادة تقييم الحماية المناعية، خصوصًا بعد زرع الخلايا الجذعية أو تلقي علاجات تؤدي إلى انخفاض الخلايا اللمفاوية البائية.
ويأتي هذا التنسيق في سياق التوصيات التي تؤكدها الجمعية الأمريكية لعلم الأورام السريري (ASCO)، بشأن إيلاء اهتمام خاص للتلقيح لدى الأشخاص المصابين بالسرطان.
◆ حماية المريض تعني أيضًا حمايته من مضاعفات العلاج
«في علاج السرطان، لا تعني حماية المناعة علاج الورم فحسب، بل تعني أيضًا الوقاية من العدوى التي قد تُسهِم العلاجات في زيادة خطر الإصابة بها».
يجسد التلقيح ضد الحزام الناري «الزونا» هذا التحول في التفكير الطبي؛ فكلما تطورت العلاجات المضادة للسرطان وأصبحت أكثر فعالية، ازدادت أهمية الوقاية من مضاعفاتها المعدية، وإدماج هذه الوقاية ضمن المسار العلاجي للمريض.
لكن هل يعني ذلك ضرورة تلقيح كل شخص مصاب بالسرطان؟ بالطبع لا.
فالقرار يجب أن يستند إلى مجموعة من المعطيات، من بينها عمر المريض، ونوع السرطان، وسوابق الإصابة بالحزام الناري، والعلاج الذي يتلقاه أو يستعد لبدئه، ودرجة ضعف جهازه المناعي.
فاللقاح ضد الحزام الناري «الزونا» لا يعالج السرطان، لكنه قد يُسهم في جعل المسار العلاجي أكثر أمانًا، من خلال الحد من خطر الإصابة بعدوى قد تزيد معاناة المريض وتُعقِّد رعايته.
وهكذا، يصبح التلقيح جزءًا من استراتيجية الوقاية والرعاية الداعمة، إلى جانب التدابير الأخرى التي تهدف إلى حماية المريض وتحسين جودة حياته طوال رحلة العلاج.
فالنجاح في علاج السرطان لا يُقاس فقط بمدى الاستجابة للدواء، بل يشمل أيضًا قدرة الفريق الطبي على حماية المريض من المضاعفات التي يمكن الوقاية منها، ومرافقته نحو حياة أفضل، قبل العلاج وأثناءه وبعده.