2026 يونيو/جوان 24 - تم تعديله في [التاريخ]

الرياضة المغربية: ورش ملكي ومنظومة جماعية


رئيس الجامعة الملكية المغربية للدراجات
العلم الإلكترونية - بقلم الأستاذ محمد بن الماحي
 
إذا كانت المنتخب المغربي لكرة القدم اليوم، على أكبر الساحات الكروية والتليفزيونات العالمية، يثير الإعجاب ويوحّد الجماهير المغربية ويتجاوز كل التوقعات، فذلك ليس من قبيل الصدفة…  
 
بل هو صدى صامت لرؤية متبصرة، ونتيجة هادئة لاستراتيجية محكمة، قائمة على وصفة ناجحة: المفهوم الرياضي الملكي.  
 
فوراء كل انتصار، وكل لحظة تأثر، وكل نظرة تتجه نحو العلم، تتشكل بنية غير مرئية — بنية طموح تقوده قناعة استراتيجية عميقة.  
فالسر لا يكمن فقط في أرضية الميدان… بل في هذا التوازن الناجح بين الرؤية والتخطيط والمصير.  
 
- بزوغ التزام جماعي جديد .
 
تندرج الرياضة في المملكة المغربية ضمن صميم السياسات العمومية، حيث تشكل رافعة بنيوية تتقاطع فيها الأبعاد التنموية الاجتماعية والاقتصادية المؤسساتية.  
فمنذ انعقاد المناظرة الوطنية للرياضة بالصخيرات في أكتوبر 2008، والتي تميزت بالرسالة الملكية السامية الموجهة إلى المشاركين، عرف القطاع الرياضي المغربي منعطفاً استراتيجياً حقيقياً ونهضة فعلية. 
 
وقد تعزز هذا التوجه مع دستور 2011، الذي كرس الرياضة كحق أساسي، وألزم السلطات العمومية بتشجيع تطويرها وضمان ولوجها وترسيخ حكامتها الديمقراطية. (1)  
 
- المفهوم الرياضي الملكي: خارطة طريق استراتيجية ناجحة .
 
في هذا السياق، يندرج «المفهوم الرياضي الملكي» ضمن رؤية شمولية ومندمجة للرياضة، ترتكز على اعتبارها مشروعاً مجتمعياً متكاملاً، يقوم على اربعة محاور أساسية: تعميم الممارسة الرياضية، احترافية الهياكل، وتثمين الرأسمال البشري وحوكمة التدبير 
 
وهو نموذج يدعو إلى حكامة حديثة قائمة على الشفافية والأداء والتكوين المنتج . 
كما يؤكد على أهمية الاستثمار في البنيات التحتية، والتكوين المستمر للاطر وتعزيز الإعلام الرياضي، ومواكبة المواهب منذ سن مبكرة.  
 
كما يبرز دور الرياضة كأداة للإشعاع الدولي والدبلوماسية الناعمة للمملكة المغربية.  
 
- إطار مؤسساتي مهيكل .
 
في انسجام تام مع الاتفاقيات المبرمة مع وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة — الفاعل الرئيسي في تدبير الشأن الرياضي بالمغرب — يساهم عدد من المتدخلين وعلى راسها الجامعات الملكية للرياضة والقطاع العام والخواص في تنفيذ المشاريع والتظاهرات الرياضية على المستويين الوطني والدولي. (2)  
 
وتعمل الوزارة، من خلال مديرية الرياضة، على إعداد النصوص التنظيمية، ومواكبة 72 جامعة رياضية وطنية، منها 32 جامعة أولمبية، إلى جانب أكثر من 300 عصبة جهوية. كما تعمل على تعزيز الرياضة للجميع، وهيكلة التربية البدنية باعتبارها رافعة للإدماج والتنمية.  
 
ويقوم البناء المؤسساتي للرياضة في المغرب على عدة فاعلين أساسيين. إذ تضطلع الجامعات الملكية المغربية ، بما في ذلك الجامعة الملكية للرياضة المدرسية ، بدور محوري في تأطير التخصصات الرياضية، وتكوين الرياضيين، وتنظيم المنافسات. وهي مؤسسات تقوم بمهمة من مهام المرفق العام وتشكل حلقة وصل أساسية بين القاعدة (العصب، الأندية والجمعيات) والهيئات الدولية والقارية.
 
أما اللجنة الوطنية الأولمبية المغربية، فتتولى تمثيل المغرب داخل الحركة الأولمبية الدولية، ومواكبة الجامعات. وتعمل على نشر القيم الأولمبية، وتطوير رياضة المستوى العالي، وإعداد الرياضيين للاستحقاقات الكبرى، خاصة في أفق برامج GIL 2028-2032.  
 
كما تضطلع بدور تنسيقي بين مختلف الجامعات، مع الحرص على احترام المعايير الدولية في الحكامة الرياضية ومبادئ اللعب النظيف.  
 
ومن جهة أخرى، أصبحت الجماعات الترابية تضطلع بدور متزايد الأهمية في السياسة الرياضية الوطنية، من خلال توقيع إتفاقيات وعقد اهداف وكذا المساهمة في بناء وتدبير البنيات التحتية (ملاعب القرب، القاعات متعددة الرياضات)، ودعم الأندية والجمعيات، والمساهمة في تعميم الممارسة الرياضية. (3)  
 
- المواطنة الفاعلة: ركيزة أساسية لنجاح الرياضة المغربية .
 
لا يقتصر نجاح الرياضة في المغرب على المؤسسات فقط، بل يعتمد أيضاً على انخراط قوي للمواطنين. إذ تلعب الأجهزة النظامية — الدرك الملكي، الأمن الوطني، الوقاية المدنية والقوات المساعدة — دوراً أساسياً في تأمين التظاهرات الرياضية وتنظيم الحشود.  
 
كما يشكل المتطوعون مورداً بشرياً بالغ الأهمية، من خلال مساهمتهم في التنظيم والاستقبال والخدمات اللوجستية، مما يعكس روح التضامن والمواطنة.  
 
أما وسائل الإعلام والصحفيون، فيساهمون بدور فعال في تثمين الرياضة المغربية، من خلال تغطية الأحداث وتسليط الضوء على الإنجازات، بما يعزز إشعاع المغرب دولياً.  
 كما ان الاعلام الرياضي أصبح قطاعاً اقتصادياً وصناعة متكاملا قادرًا على خلق فرص الشغل والمساهمة في التنمية بفضل الاستثمار في التكوين والإعلام الرياضي . 
وهنا لا بد من الاشادة بالجهود التي تبذلها القنوات العمومية في مجال الإعلام الرياضي، سيما مع إطلاق أربع قنوات تلفزية موازية ووطنية وموضوعاتية مخصصة للرياضة، وهو ما يكتسي أهمية خاصة مع تزامن المنافسات الرياضية الكبرى واستمرار البطولات الوطنية والتظاهرات الرياضية بكل انواعها. 
 
- الرياضة كرافعة للتنمية .
 
في المغرب، تتجاوز الرياضة بعدها الترفيهي لتصبح رافعة حقيقية للتنمية البشرية. فهي تلعب دوراً محورياً في الإدماج الاجتماعي، وتعزيز التماسك المجالي، وتأطير الشباب.  
 
ومن خلال ترسيخ قيم الانضباط والاحترام وروح الفريق، تساهم في تكوين المواطن.  
 
وعلى الصعيد الاقتصادي، يشهد قطاع الرياضة نمواً متسارعاً، حيث تساهم التظاهرات الرياضية، والرعاية، وحقوق البث، والعائدات السياحية في تنشيط الاقتصاد الوطني.  
 
كما يسعى المغرب إلى ترسيخ موقعه كقطب رياضي إقليمي وقاري، مما يجذب الاستثمارات ويعزز جاذبيته.  
 
- فضائل الرياضة: تعلم القواعد والقوانين .
 
تعد الرياضة مدرسة كبرى للمواطنة.  
فهي تعلم الشباب احترام الذات والآخر، والالتزام بالقواعد، وبالتالي احترام القانون.  
 
كما أن ممارستها في المدارس والثانويات والأحياء، وفي فضاءات القرب، تجسد عودة التزام جماعي جديد، قائم على البعد الاجتماعي والتربوي والثقافي للرياضة.  
 
فالرياضة تعزز العيش المشترك، وتساهم في تجاوز الفوارق الاجتماعية والثقافية،  
كما تكرس نبذ العنف الناتج عن الفراغ والإحباط.  
 
إن قوة الرياضة تكمن في ذاتها،  
وهي وحدها القادرة على ترسيخ تعلم ديمقراطي هادئ.  
 
وخلاصة القول، تعلمنا الرياضة:  
«العيش المشترك».  
 
- خاتمة  
 
تشكل الرياضة في المغرب ورشاً ملكياً ومنتوجاً جماعياً، يعبئ مختلف الفاعلين المؤسساتيين والترابيين والمجتمعيين.  
 
وبين إرادة سياسية واضحة، وبنية مؤسساتية متماسكة، وطموحات اقتصادية واعدة، يسير المغرب في مسار تصاعدي. مخططا لتجاوز بعض التحديات التي لا تزال قائمة، خاصة فيما يتعلق بالحكامة والتمويل والعدالة المجالية فيما يخص البنيات التحتية، وعلى رأسها المسابيح ومضمار للدراجات (فيلودروم).  
 
 
 
———  
(1) دستور المغرب 2011 – الفصول 26 إلى 31 و33.  
(2) المرسوم رقم 2-24-328 بتاريخ 2 غشت 2024 المتعلق بتحديد اختصاصات وزارة التربية الوطنية والتعليم الاولي والرياضة. 
(3) المادة 97 من القانون التنظيمي رقم 031.26 المعدل للقانون المتعلق بالجهات الترابية.



في نفس الركن