دة. أسماء لمسردي
«من اعتزاز الوطن بهويته وعراقة دولته إلى شراكات لا تقبل الابتزاز.. يضع الخطاب الملكي ملف الهجرة في إطاره الصحيح، ويؤكد أن المغرب يتعاون بإرادته السيادية لا تحت الضغط والإملاءات».
ليست السيادة الوطنية شعارا يرفع عند الأزمات، ولا عبارة دبلوماسية تستحضر لتجميل الخطابات، بل هي جوهر الدولة، وعنوان استقلال قرارها، والحد الفاصل بين الشراكة المتكافئة ومحاولات فرض الأمر الواقع. ومن هذا المنطلق، جاء الخطاب الملكي السامي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس ليجدد التأكيد على حقيقة راسخة في تاريخ المغرب: إن هذه المملكة، بما تختزنه من عراقة مؤسساتها وقوة هويتها واستقلال قرارها، لا تقبل أن تتحول شراكاتها إلى أدوات للضغط أو وسائل للمساومة على مصالحها العليا.
حين يستحضر جلالة الملك اعتزازه بمغربيته، مؤكدا أن هذا الإحساس لم تزده السنوات إلا قوة ورسوخا، فإنه لا يعبر عن عاطفة وطنية مجردة، بل يختزل فلسفة دولة تستمد ثقتها من تاريخها، وتستند إلى مؤسساتها، وتستشرف مستقبلها من موقع الاعتزاز بهويتها. فالمغرب ليس كيانا طارئا على خريطة العالم، ولا دولة تبحث عن اعتراف الآخرين بمكانتها؛ إنه أمة ضاربة في التاريخ، تحت راية ملكية عريقة، بهوية دينية وحضارية متجذرة، تتعايش داخلها روافد متعددة، وتواصل مسارها بإرادة وطنية مستقلة.
والأهم أن هذا الاعتزاز، كما أوضح الخطاب الملكي، ليس تباهيا بالماضي ولا رضى مكتفيا بما تحقق، بل مسؤولية تفرض مواصلة البناء وصيانة المكتسبات. فالدولة الواثقة من نفسها لا تنغلق على محيطها، ولا تتنكر لالتزاماتها، وإنما تنفتح على العالم من موقع الندية، وتبني علاقاتها على الاحترام المتبادل ووضوح المصالح.
ومن هنا تكتسب الرسالة الملكية بشأن الهجرة دلالتها السياسية الحاسمة، خصوصا في العلاقة مع إسبانيا. فالمغرب الذي راكم تجربة مهمة في تدبير هذه الظاهرة، وأثبت أنه شريك مسؤول وموثوق، لا يمكن أن يقبل بأن تختزل جهوده في حسابات سياسية ظرفية، أو أن يصبح موضوعا للتجاذبات الداخلية لدى شركائه، أو أن تتحول التحديات المشتركة إلى مناسبة لتوجيه الاتهامات والتشكيك في التزاماته.
لقد كان واضحا في الخطاب الملكي أن النموذج الحالي للتعاون في مجال الهجرة لم يعد قادرا على الاستجابة للتحديات المتجددة، وأن الأزمات المتكررة تستدعي مراجعة جادة للمقاربات المعتمدة. وفي الحالة الإسبانية، أشار جلالة الملك صراحة إلى أثر بعض المقتضيات القانونية المتجاوزة والقرارات القضائية البعيدة عن الواقع، وما تطرحه من صعوبات في التعامل مع ملفات القاصرين والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء.
لكن الرسالة الأكثر حسما تتجاوز تشخيص الاختلالات إلى تحديد القاعدة التي ينبغي أن تحكم العلاقات بين الدول: الشراكة اختيار سيادي والتزام إرادي، وليست خضوعا للإملاءات، ولن تكون أبدا مجالا للضغط أو التهديد أو الابتزاز. وهي قاعدة لا تستهدف إسبانيا وحدها، بل تؤسس لمعيار واضح في علاقات المغرب بجميع شركائه؛ فالصداقة لا تعني التنازل، والتعاون لا يبرر المساس بالكرامة الوطنية، والجوار لا يمنح أحدا حق التدخل في القرار السيادي للمملكة.
وعلى هذا الأساس، فإن أي خطاب سياسي أو إعلامي يوظف ملف الهجرة للإساءة إلى المغرب أو لتغذية التوتر لا يخدم مصالح البلدين، ولا يعالج الأسباب الحقيقية للظاهرة. فالهجرة مسؤولية مشتركة، لا يجوز تحميل أعبائها لطرف واحد، كما لا يجوز تحويلها إلى ورقة انتخابية على حساب علاقات تاريخية ومصالح متبادلة.
ولأن المغرب لا يكتفي برفض الاختلالات، أعلن جلالة الملك عن توجه لإعداد وثيقة استراتيجية واضحة وعملية، تؤسس لمرحلة جديدة من التعاون، قوامها التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي. وهذه هي قوة الدولة المغربية: لا تكتفي برسم الخطوط الحمراء، بل تقدم البدائل وتحدد شروط المستقبل.
إن المغرب لا يطلب من شركائه أكثر من احترام التزاماتهم واحترام سيادته، ولا يرفض التعاون، بل يرفض أن يكون ثمنه المساس باستقلال قراره. وتلك هي الرسالة التي ينبغي أن تصل بوضوح إلى كل من يعتقد أن بإمكانه الضغط على المملكة أو ابتزازها: المغرب يتعاون لأنه اختار التعاون، ويتمسك بشراكاته لأنه يؤمن بالمصالح المشتركة، لكنه لا يساوم أبدا على سيادته وكرامته الوطنية.
«من اعتزاز الوطن بهويته وعراقة دولته إلى شراكات لا تقبل الابتزاز.. يضع الخطاب الملكي ملف الهجرة في إطاره الصحيح، ويؤكد أن المغرب يتعاون بإرادته السيادية لا تحت الضغط والإملاءات».
ليست السيادة الوطنية شعارا يرفع عند الأزمات، ولا عبارة دبلوماسية تستحضر لتجميل الخطابات، بل هي جوهر الدولة، وعنوان استقلال قرارها، والحد الفاصل بين الشراكة المتكافئة ومحاولات فرض الأمر الواقع. ومن هذا المنطلق، جاء الخطاب الملكي السامي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس ليجدد التأكيد على حقيقة راسخة في تاريخ المغرب: إن هذه المملكة، بما تختزنه من عراقة مؤسساتها وقوة هويتها واستقلال قرارها، لا تقبل أن تتحول شراكاتها إلى أدوات للضغط أو وسائل للمساومة على مصالحها العليا.
حين يستحضر جلالة الملك اعتزازه بمغربيته، مؤكدا أن هذا الإحساس لم تزده السنوات إلا قوة ورسوخا، فإنه لا يعبر عن عاطفة وطنية مجردة، بل يختزل فلسفة دولة تستمد ثقتها من تاريخها، وتستند إلى مؤسساتها، وتستشرف مستقبلها من موقع الاعتزاز بهويتها. فالمغرب ليس كيانا طارئا على خريطة العالم، ولا دولة تبحث عن اعتراف الآخرين بمكانتها؛ إنه أمة ضاربة في التاريخ، تحت راية ملكية عريقة، بهوية دينية وحضارية متجذرة، تتعايش داخلها روافد متعددة، وتواصل مسارها بإرادة وطنية مستقلة.
والأهم أن هذا الاعتزاز، كما أوضح الخطاب الملكي، ليس تباهيا بالماضي ولا رضى مكتفيا بما تحقق، بل مسؤولية تفرض مواصلة البناء وصيانة المكتسبات. فالدولة الواثقة من نفسها لا تنغلق على محيطها، ولا تتنكر لالتزاماتها، وإنما تنفتح على العالم من موقع الندية، وتبني علاقاتها على الاحترام المتبادل ووضوح المصالح.
ومن هنا تكتسب الرسالة الملكية بشأن الهجرة دلالتها السياسية الحاسمة، خصوصا في العلاقة مع إسبانيا. فالمغرب الذي راكم تجربة مهمة في تدبير هذه الظاهرة، وأثبت أنه شريك مسؤول وموثوق، لا يمكن أن يقبل بأن تختزل جهوده في حسابات سياسية ظرفية، أو أن يصبح موضوعا للتجاذبات الداخلية لدى شركائه، أو أن تتحول التحديات المشتركة إلى مناسبة لتوجيه الاتهامات والتشكيك في التزاماته.
لقد كان واضحا في الخطاب الملكي أن النموذج الحالي للتعاون في مجال الهجرة لم يعد قادرا على الاستجابة للتحديات المتجددة، وأن الأزمات المتكررة تستدعي مراجعة جادة للمقاربات المعتمدة. وفي الحالة الإسبانية، أشار جلالة الملك صراحة إلى أثر بعض المقتضيات القانونية المتجاوزة والقرارات القضائية البعيدة عن الواقع، وما تطرحه من صعوبات في التعامل مع ملفات القاصرين والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء.
لكن الرسالة الأكثر حسما تتجاوز تشخيص الاختلالات إلى تحديد القاعدة التي ينبغي أن تحكم العلاقات بين الدول: الشراكة اختيار سيادي والتزام إرادي، وليست خضوعا للإملاءات، ولن تكون أبدا مجالا للضغط أو التهديد أو الابتزاز. وهي قاعدة لا تستهدف إسبانيا وحدها، بل تؤسس لمعيار واضح في علاقات المغرب بجميع شركائه؛ فالصداقة لا تعني التنازل، والتعاون لا يبرر المساس بالكرامة الوطنية، والجوار لا يمنح أحدا حق التدخل في القرار السيادي للمملكة.
وعلى هذا الأساس، فإن أي خطاب سياسي أو إعلامي يوظف ملف الهجرة للإساءة إلى المغرب أو لتغذية التوتر لا يخدم مصالح البلدين، ولا يعالج الأسباب الحقيقية للظاهرة. فالهجرة مسؤولية مشتركة، لا يجوز تحميل أعبائها لطرف واحد، كما لا يجوز تحويلها إلى ورقة انتخابية على حساب علاقات تاريخية ومصالح متبادلة.
ولأن المغرب لا يكتفي برفض الاختلالات، أعلن جلالة الملك عن توجه لإعداد وثيقة استراتيجية واضحة وعملية، تؤسس لمرحلة جديدة من التعاون، قوامها التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي. وهذه هي قوة الدولة المغربية: لا تكتفي برسم الخطوط الحمراء، بل تقدم البدائل وتحدد شروط المستقبل.
إن المغرب لا يطلب من شركائه أكثر من احترام التزاماتهم واحترام سيادته، ولا يرفض التعاون، بل يرفض أن يكون ثمنه المساس باستقلال قراره. وتلك هي الرسالة التي ينبغي أن تصل بوضوح إلى كل من يعتقد أن بإمكانه الضغط على المملكة أو ابتزازها: المغرب يتعاون لأنه اختار التعاون، ويتمسك بشراكاته لأنه يؤمن بالمصالح المشتركة، لكنه لا يساوم أبدا على سيادته وكرامته الوطنية.