العلم الإلكترونية - بقلم عبد القادر خولاني
تشهد الساحة السياسية الوطنية، في محطات متفرقة، مشاهد مؤسفة ومبتذلة لا تليق مطلقاً بنبل العمل الحزبي، ولا بحجم التحديات المصيرية التي تواجهها البلاد. ففي الوقت الذي ينتظر فيه المواطن من القيادات الحزبية تقديم برامج جادة وحلول واقعية للأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ينزلق المشهد نحو صراعات شخصية ضيقة، ومبارزات إعلامية قائمة على التشهير، الابتزاز، وتبادل الاتهامات؛ وكأن الغاية الأسمى للسياسة قد اختُزلت في "الانتصار للذات" واغتيال الخصوم معنوياً، بدلاً من خدمة الصالح العام.
طعنة في خاصرة الثقة.. واغتيال لوعي الشباب
إن الخطر الأكبر لهذه الممارسات الطائشة لا يقف عند حدود الصالونات الحزبية، بل يمتد ليفسد البيئة السياسية العامة، ويوجه طعنة مباشرة لصورة العمل السياسي في عيون المواطنين، وبشكل أخص فئة الشباب—التي تُشكل الخزان الاستراتيجي لنخب المستقبل.
عندما يتابع الشاب المغربي نقاشاً عمومياً ينحدر من مقارعة الأفكار والمشاريع إلى مستنقع تصفية الحسابات الشخصية وتبادل الإساءات، يصاب بانتكاسة وعي، ويفقد الثقة في جدوى العمل السياسي ككل، مستنتجاً أن السياسة مجرد حلبة للصراع على المواقع والمصالح الأنانية.
وتتعارض هذه السلوكيات الهجينة، جملة وتفصيلاً، مع التوجيهات الملكية السامية الداعية بملء الفم إلى تخليق الحياة السياسية، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وتحفيز الشباب على الانخراط الإيجابي في تدبير الشأن العام. إن المغرب اليوم في غنى عن "عزوف جديد" يغذي الفساد ويُضعف الرقابة المجتمعية؛ بل هو في أمسّ الحاجة إلى مواطنين فاعلين ومشاركين في البناء الديمقراطي.
تغذية العدمية وتأزيم المؤسسات
إن استمرار هذا الضجيج العقيم يساهم مباشرة في تمييع المشهد السياسي وإفراغه من محتواه القيمي. هذا التمييع يمنح، على طبق من ذهب، فرصة ثمينة لأصوات العدمية والتيئيس لترويج خطاب المقاطعة وتبخيس المؤسسات، مستغلة حالة الإحباط السائدة. وحين تفقد السياسة مصداقيتها وأخلاقيتها، تصبح المؤسسات المنتخبة أكثر هشاشة، وتتراجع قدرة الأحزاب على ممارسة أدوارها الدستورية الأساسية في التأطير، والوساطة، وصناعة الأفكار.