☰
2026 أكتوبر 23 - تم تعديله في [التاريخ]

الصحراء المغربية أمام منعطف تاريخي… واشنطن تفتح باب إنهاء المينورسو العسكرية وتثبيت الحكم الذاتي

هل يتغير دور الأمم المتحدة في الصحراء المغربية؟ بوشعيب حمراوي يقرأ ما وراء مسودة واشنطن ويفتح السؤال الذي يتجاوز التصويت المرتقب: ماذا بعد المينورسو؟


الكاتب بوشعيب حمراوي
★ العلم الإلكترونية - بقلم: بوشعيب حمراوي ★
من مسودة 20 أكتوبر إلى التصويت المرتقب بمجلس الأمن… هل يطوي العالم صفحة الاستفتاء ويفتح عهدًا جديدًا للحل السياسي تحت السيادة المغربية؟

لم يعد النقاش الدائر داخل أروقة مجلس الأمن بشأن الصحراء المغربية مقتصرًا على تمديد ولاية بعثة أممية اعتاد العالم تجديد مهامها عامًا بعد عام. فالمستجدات التي حملتها المسودة الأمريكية المؤرخة في 20 أكتوبر 2026، والتي كشفت وسائل إعلام مغربية عن تفاصيلها يومي 22 و23 أكتوبر، توحي بأننا أمام محاولة لإعادة صياغة قواعد التعامل الدولي مع هذا النزاع، والانتقال من تدبير وضع طال أمده إلى البحث عن تسوية سياسية نهائية، يكون الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية محورها الأساسي.

وإذا كانت واشنطن قد اختارت أن تضع على طاولة مجلس الأمن مقترحات تتعلق بإنهاء المهمة العسكرية الحالية للمينورسو، وتقليص عناصرها، وتحويلها إلى بعثة سياسية، فإن السؤال لم يعد يتعلق فقط بمستقبل بعثة أممية أُحدثت سنة 1991، بل بمستقبل المسار السياسي برمته، وبمدى استعداد المنتظم الدولي للانتقال من إدارة النزاع إلى المساهمة الفعلية في إنهائه.

ومع ذلك، فإن القراءة السياسية المسؤولة تقتضي التمييز بين ما اقترحته الولايات المتحدة في مسودتها الأولية، وما يمكن أن يخرج به مجلس الأمن بعد المفاوضات والتعديلات والتصويت. فالمسودة، مهما بلغت أهميتها، ليست قرارًا أمميًا معتمدًا.

◆ من القرار 2797 إلى مسودة 2026… تحول يتجاوز اللغة الدبلوماسية

شكّل القرار 2797، الذي اعتمده مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025، منعطفًا مهمًا حين جعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساسًا للمفاوضات، مع التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف، يراعي مبدأ تقرير المصير.

ولم يكتفِ القرار بدعم المسار التفاوضي، بل طلب أيضًا مراجعة استراتيجية لمستقبل المينورسو، بما يربط طبيعة استمرار البعثة بنتائج العملية السياسية.

واليوم، تأتي المسودة الأمريكية الجديدة لتدفع بهذا التحول خطوات إضافية، من خلال الحديث عن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية بوصفه الحل الوحيد القابل للتطبيق.

والفرق بين الصيغتين كبير سياسيًا، وإن لم يصبح بعد تحولًا قانونيًا نهائيًا.

فالقرار السابق جعل المبادرة المغربية أساسًا للتفاوض، أما المسودة الجديدة، وفق نصها الذي نقلته وسائل إعلام قالت إنها اطلعت عليه، فتسعى إلى جعل الحكم الذاتي الإطار الحاسم الذي ينبغي أن تتجه نحوه التسوية.

من المنظور المغربي، يتعلق الأمر بتطور دبلوماسي بالغ الأهمية؛ لأنه ينقل النقاش تدريجيًا من سؤال السيادة إلى سؤال كيفية ممارسة الاختصاصات داخل إطار الحكم الذاتي.

غير أن تثبيت هذا التوجه يستوجب اعتماده أمميًا، ثم تحويله إلى اتفاق سياسي قابل للتنفيذ، لا مجرد الاكتفاء بصياغات دبلوماسية متقدمة.

◆ المينورسو… بعثة تأسست للاستفتاء وقد تنتهي دون تنظيمه

لا يمكن فهم أهمية المقترحات الأمريكية دون العودة إلى الظروف التي أُحدثت فيها الأمم المتحدة بعثة المينورسو سنة 1991.

فقد أُنشئت البعثة في إطار خطة تسوية تضمنت وقف إطلاق النار وتنظيم استفتاء لتحديد مستقبل الإقليم. وكان يُفترض أن تشرف على العملية المرتبطة بالاستفتاء وتراقب احترام وقف إطلاق النار.

غير أن الخلافات المتعلقة بتحديد الهيئة الناخبة وشروط العملية السياسية حالت دون تنظيم الاستفتاء، بينما استمرت البعثة لعقود، وأصبحت مراقبة الوضع الميداني ووقف إطلاق النار من أبرز مهامها.

وبعد تطورات نونبر 2020، وما أعقبها من إعلان جبهة البوليساريو إنهاء التزامها بوقف إطلاق النار، ازدادت صعوبة البيئة الأمنية التي تعمل فيها البعثة.

وهكذا وجد المجتمع الدولي نفسه أمام وضع غير عادي: بعثة تحمل في تسميتها هدفًا لم يتحقق، وتمارس مهامًا مختلفة عن الصورة التي تأسست من أجلها.

ومن هنا تبرز أهمية المقترح الأمريكي المتعلق بإعادة النظر في طبيعة المينورسو ووظيفتها.

فهل أصبح الوقت مناسبًا لإنهاء مرحلة البعثة المرتبطة بالاستفتاء، والانتقال إلى آلية أممية تواكب التسوية السياسية بدل الاستمرار في تدبير حالة الجمود؟

هذا هو السؤال الجوهري الذي تطرحه مسودة واشنطن اليوم.

◆ 30 أبريل 2027… تاريخ مقترح لإنهاء المهمة العسكرية

بحسب التفاصيل التي نشرتها صحيفة Le Desk، وأكدت وسائل إعلام أخرى اطلاعها على الوثيقة، فإن المسودة الأمريكية المكونة من 14 فقرة تنفيذية تقترح إنهاء مهمة حفظ السلام الحالية للمينورسو يوم 30 أبريل 2027، وتحويلها ابتداءً من فاتح ماي إلى بعثة سياسية خاصة، تستمر ولايتها المقترحة حتى 31 أكتوبر 2027.

كما تتضمن تخفيض العناصر النظامية للبعثة بنسبة لا تقل عن 50 في المائة، وحذف الإشارة إلى الاستفتاء من تسميتها.

وهنا ينبغي الانتباه إلى الدلالة السياسية لهذه المقترحات.

فإنهاء المهمة العسكرية لا يعني بالضرورة إنهاء الحضور الأممي، وإنما إعادة تحديد طبيعته وأهدافه وأدوات تدخله.

والفرق كبير بين بعثة تراقب وضعًا عسكريًا معقدًا، وبعثة سياسية تساعد على تنفيذ اتفاق وتسوية الخلافات المرتبطة به.

لكن الانتقال من الأولى إلى الثانية يستوجب ترتيبات ميدانية وقانونية واضحة، حتى لا يؤدي تقليص الوجود العسكري إلى فراغ في آليات المراقبة أو إلى توترات جديدة.

وبالنسبة للمغرب، فإن التحول المنشود ينبغي أن يعزز الأمن والاستقرار، ويخدم التنمية والاندماج، ويحافظ على المكتسبات الدبلوماسية التي تحققت خلال السنوات الماضية.

◆ الحكم الذاتي… من مبادرة مغربية إلى محور للتفاوض الدولي

حين قدم المغرب مبادرته للحكم الذاتي سنة 2007، كان يعرض حلًا سياسيًا يقوم على تمكين سكان الأقاليم الجنوبية من تدبير شؤونهم المحلية عبر مؤسسات ذات اختصاصات واسعة، داخل إطار السيادة المغربية والوحدة الترابية للمملكة.

واليوم، وبعد قرابة عقدين، أصبحت المبادرة تحتل موقعًا محوريًا في النقاش الأممي.

غير أن نجاحها لا ينبغي اختزاله في اعتراف سياسي أو صياغة قرار دولي.

فالحكم الذاتي، إذا أُريد له أن يكون حلًا دائمًا ومقنعًا، يجب أن يتحول إلى مشروع مؤسساتي متكامل، يحدد بوضوح اختصاصات السلطات المحلية والسلطات المركزية، ويضمن توزيعًا منصفًا للموارد، ويحمي الحقوق والحريات، ويؤسس لآليات ديمقراطية للمساءلة والمراقبة.

كما ينبغي أن يوفر الضمانات القانونية والمؤسساتية الكفيلة بإقناع مختلف الفاعلين بجدية المشروع واستدامته.

والمغرب، الذي راكم تجربة في الجهوية المتقدمة، أصبح مطالبًا بتوضيح العلاقة بين هذه التجربة ونظام الحكم الذاتي المنتظر.

فالحكم الذاتي لا يمكن أن يكون مجرد تسمية جديدة للجهوية، وإنما يجب أن يتضمن خصوصيات دستورية ومؤسساتية واضحة تترجم طبيعة التسوية المقترحة.

وهنا تكمن أهمية الانتقال من مرحلة الدفاع عن المبادرة إلى مرحلة إعداد شروط تفعيلها.

◆ الجزائر والبوليساريو… هل يستمران في مواجهة التحول الدولي؟

لا يمكن فصل التطورات الحالية عن مواقف الجزائر وجبهة البوليساريو، باعتبارهما فاعلين أساسيين في مسار النزاع.

فالمسودة الأمريكية، إذا احتفظت بصيغتها المتقدمة، ستضع الأطراف أمام إطار تفاوضي مختلف عن الصيغ التي جرى تداولها خلال العقود السابقة.

وقد نقلت تقارير إعلامية اعتراض البوليساريو على المشروع، مع التلويح بالانسحاب من العملية السياسية.

لكن هل يخدم الانسحاب مصالح سكان مخيمات تندوف؟ وهل يمكن لاستمرار الخلاف إلى أجل غير محدد أن يوفر مستقبلًا أفضل للأجيال التي ولدت وعاشت داخل تلك المخيمات؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تستوجب التعامل مع القضية بمنطق المصالح الإنسانية والواقعية السياسية، وليس بمنطق الشعارات وحدها.

ومن حق مختلف الأطراف عرض مواقفها خلال المفاوضات، كما أن من مسؤوليتها البحث عن تسوية تضمن الاستقرار والحقوق الأساسية وتضع حدًا للمعاناة الإنسانية.

أما الجزائر، التي ترتبط بالمغرب بحدود جغرافية وتاريخ مشترك ومصالح إقليمية واسعة، فإن مساهمتها في تسوية سياسية متفاوض بشأنها يمكن أن تفتح آفاقًا جديدة للتعاون المغاربي.

فالمنطقة تحتاج إلى تنمية اقتصادية وتكامل إقليمي أكثر من حاجتها إلى استمرار القطيعة والتوتر.

◆ مخيمات تندوف… لا تسوية سياسية دون معالجة الملف الإنساني

من بين البنود المنسوبة إلى المسودة الأمريكية الدعوة إلى تسجيل سكان مخيمات تندوف تحت إشراف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، خلال أجل محدد بستة أشهر.

وتكتسي هذه النقطة أهمية إنسانية وقانونية لا تقل عن أهمية الترتيبات السياسية والعسكرية.

فتحديد أعداد السكان وأوضاعهم القانونية واحتياجاتهم الفعلية يساعد على تحسين شفافية المساعدات الإنسانية وحماية الحقوق الفردية وتيسير الحلول المستقبلية.

كما أن أي تسوية مستدامة ينبغي أن تضمن حرية الاختيار والتنقل ولمّ شمل الأسر، وتفتح أمام المعنيين آفاق العيش الكريم.

ولا ينبغي أن يظل سكان المخيمات مجرد أرقام تُستعمل في الخطابات السياسية، بل أشخاصًا لهم حقوق وتطلعات ومصالح تستحق الحماية.

◆ واشنطن تقترح… لكن مجلس الأمن هو الذي يقرر

رغم أهمية المقترحات الأمريكية، يبقى من السابق لأوانه الحديث عن حسم نهائي.

فالولايات المتحدة تتولى إعداد مشروع القرار بشأن الصحراء، لكنها لا تمتلك وحدها سلطة فرض صيغته على مجلس الأمن.

والنص الأولي قابل للمراجعة، كما يمكن أن تخضع بعض فقراته للتعديل أو الحذف أو إعادة الصياغة خلال المشاورات، خصوصًا ما يتعلق بحصر الحل السياسي، ومستقبل البعثة العسكرية، والجدول الزمني المقترح لتحويلها.

ثم إن التقرير السنوي للأمين العام للأمم المتحدة، المقدم مطلع أكتوبر، اتجه نحو تمديد ولاية المينورسو سنة إضافية، مع التحفظ على إعادة تشكيلها بصورة متسرعة. وهو توجه تختلف بعض عناصره عن المقترحات الأمريكية المتداولة.

لذلك فإن القراءة المتأنية تفرض انتظار النص المعروض رسميًا للتصويت، ومتابعة مواقف الأعضاء الدائمين، ولا سيما روسيا والصين وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة.

كما ينبغي التمييز بين اعتماد قرار جديد يؤطر المفاوضات على أساس الحكم الذاتي، وبين إقرار السيادة بصورة قانونية نهائية أو إبرام اتفاق سياسي ينهي النزاع.

فكل مرحلة لها طبيعتها وآثارها وشروطها.

◆ المغرب أمام مسؤولية جديدة… الدبلوماسية وحدها لا تكفي

إذا كان التطور الدبلوماسي يسير في اتجاه تعزيز موقع المقترح المغربي، فإن المرحلة المقبلة تتطلب مواكبته بإصلاحات سياسية ومؤسساتية وتنموية.

فالقوة الحقيقية لأي مشروع حكم ذاتي لا تكمن فقط في النصوص التي تؤطره، وإنما في ثقة السكان بمؤسساته، وفي قدرتها على تدبير الشأن العام بعدالة وشفافية ونجاعة.

والمغرب مطالب بالاستمرار في تأهيل أقاليمه الجنوبية وتعزيز بنياتها الاقتصادية والاجتماعية، وترسيخ الحكامة الجيدة، وتوسيع مشاركة الشباب والنساء والكفاءات المحلية في صنع القرار.

كما ينبغي أن تكون مكافحة الفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة وحماية المال العام من المرتكزات الأساسية لأي نموذج مؤسساتي مستقبلي.

ومن الضروري أيضًا إشراك الكفاءات الصحراوية بمختلف مواقعها وتوجهاتها في مناقشة تفاصيل المشروع، لأن نجاح الحكم الذاتي يستدعي مشاركة فعلية للمجتمع المعني، لا مجرد توافقات دبلوماسية بين الحكومات.

وفي هذا السياق، يبرز دور المجتمع المدني والجامعات ووسائل الإعلام والدبلوماسية الموازية في شرح المشروع المغربي، والترافع بشأن مضامينه، وتقديمه للرأي العام الدولي بلغة القانون والمؤسسات والحقوق والتنمية.

◆ الصحراء المغربية… هل نقترب من نهاية النزاع أم بداية مسؤولية أكبر؟

إن ما حملته المسودة الأمريكية المؤرخة في 20 أكتوبر 2026 يستحق قراءة متأنية، بعيدًا عن الاحتفال المبكر أو التقليل من أهمية التحولات المقترحة.

فإن جرى اعتماد البنود الأساسية التي كشفت عنها التقارير الصحفية، فإن مجلس الأمن سيكون قد اتخذ خطوة إضافية نحو إعادة تحديد وظيفة الأمم المتحدة في ملف الصحراء، وتعزيز موقع الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية بوصفه الإطار المركزي للحل السياسي.

لكن الانتصارات الدبلوماسية لا تُقاس فقط بقوة العبارات الواردة في القرارات الدولية، وإنما بقدرتها على إنتاج واقع جديد يضمن الأمن والاستقرار والتنمية ويحمي حقوق السكان.

وقد تكون المرحلة المقبلة أكثر تعقيدًا من المراحل السابقة؛ لأنها ستنقل النقاش من المبادئ العامة إلى التفاصيل الدقيقة: المؤسسات، والاختصاصات، والضمانات، والتمثيلية، والموارد، وآليات التنفيذ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي أمام المغرب، الذي يتمسك بوحدته الترابية ويسعى إلى تثبيت مقترحه للحكم الذاتي دوليًا.

فإذا كان العالم يناقش اليوم تغيير طبيعة المينورسو، فإن السؤال الذي ينبغي أن يواكب ذلك هو: ماذا بعد المينورسو؟

وإذا كان الحكم الذاتي يتقدم ليصبح محور التسوية، فإن السؤال الأهم هو: كيف نجعله نموذجًا مؤسساتيًا ناجحًا، قادرًا على الجمع بين الوحدة الترابية والتدبير الديمقراطي والعدالة الاجتماعية؟

إن المغرب لا يحتاج فقط إلى قرار أممي يعزز موقفه، بل إلى تحويل مكاسبه الدبلوماسية إلى سلام مستدام، ومؤسسات قوية، وتنمية عادلة، ومستقبل مشترك يفتح صفحة جديدة في تاريخ المنطقة.

فالتاريخ لا تصنعه القرارات وحدها، وإنما تصنعه أيضًا قدرة الدول والشعوب على تحويل تلك القرارات إلى واقع.

ولعل التحول الأهم الذي ينبغي أن نتطلع إليه ليس مجرد نهاية مهمة عسكرية أممية، بل نهاية نزاع طويل وبداية مرحلة يكون عنوانها الاستقرار والتعاون والبناء.

الصحراء المغربية بين نقاش مستقبل المينورسو وآفاق التسوية السياسية



في نفس الركن