الصحراء المغربية.. الحكم الذاتي في صلب المسار السياسي الأممي
*بقلم: محمد اليطفتي*
لم يكن اعتماد اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، يوم الخميس 15 أكتوبر 2026، مشروع القرار السنوي بشأن قضية الصحراء المغربية، مجرد محطة إجرائية عابرة في روزنامة العمل الأممي، بل شكّل مناسبة جديدة لاستجلاء التحولات التي تعرفها موازين التعاطي الدولي مع هذا النزاع الإقليمي المفتعل، في سياق تتقدم فيه المقاربة السياسية الواقعية، وتتأكد فيه مركزية المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها مدخلًا جديًا وذا مصداقية وواقعية لتسوية نهائية تحفظ سيادة المملكة ووحدتها الترابية، وتضع حدًا لمعاناة إنسانية وسياسية طال أمدها.
إن تصويت 152 دولة لصالح القرار، مقابل صوتين معارضين وسبع امتناعات، يكتسب دلالته من السياق الذي جرى فيه، ومن طبيعة المرجعيات التي استحضرها النص، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن رقم 2797، المعتمد في 31 أكتوبر 2025. فالأرقام، وإن كانت تعكس اتساع قاعدة التأييد للنص، لا ينبغي أن تُقرأ بمعزل عن مضمون التحول الذي تعرفه المرجعية الأممية، ولا عن الجهود التي بذلتها الدبلوماسية المغربية، بتوجيهات ملكية سامية، من أجل ترسيخ مقاربة تقوم على الواقعية والبراغماتية والمسؤولية، بعيدًا عن الشعارات المتجاوزة والحسابات التي ظلت تغذي النزاع وتعرقل آفاق تسويته.
ولعل أبرز ما يستوقف في هذه المحطة هو إدراج القرار 2797 ضمن المرجعية السنوية للجنة الرابعة، بما يحمله ذلك من أهمية في استحضار التطورات التي عرفها الملف داخل مجلس الأمن، وفي وصل النقاش الجاري بالجمعية العامة بمسار التسوية السياسية الذي ترعاه الأمم المتحدة. فالقضية لم تعد مجرد تكرار لمواقف تقليدية، بل أصبحت تتطلب قراءة دقيقة للتحولات التي عرفتها البيئة الدولية، ولما بات يفرضه منطق الحلول القابلة للتطبيق من تجاوز للمقاربات الجامدة التي استنزفت الزمن الدبلوماسي، دون أن تقدم للمنطقة المغاربية ما تستحقه من استقرار وتنمية وتكامل.
وفي هذا السياق، تبرز المبادرة المغربية للحكم الذاتي، تحت السيادة الوطنية، بوصفها تعبيرًا عن إرادة سياسية مسؤولة، تستند إلى رؤية واضحة لمستقبل الأقاليم الجنوبية، وتجمع بين احترام الوحدة الترابية للمملكة وإمكانية تدبير الشؤون المحلية في إطار مؤسساتي متقدم. وهي مبادرة لا تستمد قوتها من وجاهة مضمونها فحسب، وإنما أيضًا من انسجامها مع مقتضيات الحل السياسي الواقعي والدائم، ومن قدرتها على فتح أفق تفاوضي جدي، يضع مصلحة السكان واستقرار المنطقة في صلب أي تسوية ممكنة.
ومن هنا، فإن أهمية القرار الأممي لا تكمن فقط في عدد الأصوات المؤيدة له، وإنما في كونه يجدد دعم المسار السياسي الذي تقوده الأمم المتحدة، ويدعو الأطراف المعنية إلى الانخراط بحسن نية ودون شروط مسبقة في جهود التسوية. وهي دعوة تضع الجميع أمام مسؤولياتهم السياسية والتاريخية، لأن استمرار النزاع لم يعد مجرد خلاف دبلوماسي محدود الأثر، بل أصبح عائقًا أمام بناء فضاء مغاربي قادر على الاستجابة لتطلعات شعوبه، ومواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية والتنموية التي تعرفها المنطقة.
وإذا كان التصويت قد جاء استجابة لطلب أمريكي شمل مشاريع القرارات المعروضة على اللجنة الرابعة، فإنه لا ينبغي تحميل هذه الخطوة الإجرائية أكثر مما تحتمل، أو اختزال دلالات النتيجة في مجرد اختبار عددي للمواقف الدولية. فالمعيار الأهم يظل هو مضمون القرار، وما يتضمنه من إحالات ومرجعيات، ومدى انسجامه مع مسار التسوية الذي يضع المبادرة المغربية للحكم الذاتي في صلب النقاش السياسي. كما أن تصويت المغرب لصالح النص يندرج في إطار دعمه للعملية السياسية الأممية، وثقته في وجاهة مقاربته، وتمسكه بمواصلة الانخراط المسؤول في الجهود الرامية إلى إيجاد حل نهائي للنزاع.
إن الدبلوماسية المغربية، وهي تواصل الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة، تدرك أن ترسيخ المكاسب لا يتحقق بالاحتفاء بالأرقام وحدها، وإنما بالقدرة على تحويل التحولات السياسية إلى نتائج ملموسة، وتعزيز حضور المقترح المغربي في مختلف المحافل الدولية، ومواصلة إبراز ما راكمته الأقاليم الجنوبية من تنمية وبنيات ومؤسسات، في ظل السيادة الوطنية. فالقوة الحقيقية للموقف المغربي تتجسد في تكامل الشرعية التاريخية والقانونية مع نجاعة المبادرة السياسية، وفي الجمع بين وضوح الثوابت الوطنية والانفتاح على الحلول الواقعية.
وفي المقابل، فإن استمرار هذا النزاع يطرح أسئلة جوهرية بشأن مستقبل الاتحاد المغاربي، الذي تظل إمكاناته الاقتصادية والبشرية والتاريخية أكبر بكثير من واقع التشتت والتعطيل الذي يطبع مساره. فالمغرب، الذي جعل من التعاون الإقليمي خيارًا استراتيجيًا، لا يدافع عن وحدته الترابية باعتبارها قضية وطنية فحسب، بل يتمسك أيضًا بحق شعوب المنطقة في مستقبل يسوده الأمن والاستقرار والتكامل. ومن ثم، فإن التسوية السياسية المنشودة ينبغي أن تكون مدخلًا لإنهاء حالة الجمود، لا مناسبة لإعادة إنتاجها بصيغ جديدة.
إن ما أفرزته جلسة اللجنة الرابعة يؤكد أن ملف الصحراء المغربية يظل رهينًا بتطور المرجعيات الأممية، وبقدرة الأطراف على استيعاب التحولات الدولية والانخراط في مفاوضات جادة ومسؤولة. أما الرهان المغربي، فيتجاوز كسب جولة دبلوماسية إلى تثبيت حل سياسي نهائي، عادل ودائم، يقوم على مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ويصون وحدة المملكة واستقرار المنطقة.
وهكذا، فإن الرسالة الأعمق لهذه المحطة ليست في أن 152 دولة صوتت لصالح القرار فحسب، بل في أن منطق التسوية الواقعية يظل الطريق الأكثر جدية للخروج من نفق النزاع. فالقضايا العادلة تحتاج إلى نَفَس استراتيجي طويل، وإلى دبلوماسية تجمع بين الثبات والمرونة، وبين الدفاع عن الحقوق الوطنية والانخراط المسؤول في الشرعية الدولية. وفي هذا الأفق، يواصل المغرب تثبيت موقفه، مؤمنًا بأن الحل لا يُصنع بإدامة الخلاف، وإنما بإرادة سياسية صادقة تضع الواقعية في خدمة السلام، والوحدة الترابية في صلب أي تسوية مستدامة.
لم يكن اعتماد اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، يوم الخميس 15 أكتوبر 2026، مشروع القرار السنوي بشأن قضية الصحراء المغربية، مجرد محطة إجرائية عابرة في روزنامة العمل الأممي، بل شكّل مناسبة جديدة لاستجلاء التحولات التي تعرفها موازين التعاطي الدولي مع هذا النزاع الإقليمي المفتعل، في سياق تتقدم فيه المقاربة السياسية الواقعية، وتتأكد فيه مركزية المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها مدخلًا جديًا وذا مصداقية وواقعية لتسوية نهائية تحفظ سيادة المملكة ووحدتها الترابية، وتضع حدًا لمعاناة إنسانية وسياسية طال أمدها.
إن تصويت 152 دولة لصالح القرار، مقابل صوتين معارضين وسبع امتناعات، يكتسب دلالته من السياق الذي جرى فيه، ومن طبيعة المرجعيات التي استحضرها النص، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن رقم 2797، المعتمد في 31 أكتوبر 2025. فالأرقام، وإن كانت تعكس اتساع قاعدة التأييد للنص، لا ينبغي أن تُقرأ بمعزل عن مضمون التحول الذي تعرفه المرجعية الأممية، ولا عن الجهود التي بذلتها الدبلوماسية المغربية، بتوجيهات ملكية سامية، من أجل ترسيخ مقاربة تقوم على الواقعية والبراغماتية والمسؤولية، بعيدًا عن الشعارات المتجاوزة والحسابات التي ظلت تغذي النزاع وتعرقل آفاق تسويته.
ولعل أبرز ما يستوقف في هذه المحطة هو إدراج القرار 2797 ضمن المرجعية السنوية للجنة الرابعة، بما يحمله ذلك من أهمية في استحضار التطورات التي عرفها الملف داخل مجلس الأمن، وفي وصل النقاش الجاري بالجمعية العامة بمسار التسوية السياسية الذي ترعاه الأمم المتحدة. فالقضية لم تعد مجرد تكرار لمواقف تقليدية، بل أصبحت تتطلب قراءة دقيقة للتحولات التي عرفتها البيئة الدولية، ولما بات يفرضه منطق الحلول القابلة للتطبيق من تجاوز للمقاربات الجامدة التي استنزفت الزمن الدبلوماسي، دون أن تقدم للمنطقة المغاربية ما تستحقه من استقرار وتنمية وتكامل.
وفي هذا السياق، تبرز المبادرة المغربية للحكم الذاتي، تحت السيادة الوطنية، بوصفها تعبيرًا عن إرادة سياسية مسؤولة، تستند إلى رؤية واضحة لمستقبل الأقاليم الجنوبية، وتجمع بين احترام الوحدة الترابية للمملكة وإمكانية تدبير الشؤون المحلية في إطار مؤسساتي متقدم. وهي مبادرة لا تستمد قوتها من وجاهة مضمونها فحسب، وإنما أيضًا من انسجامها مع مقتضيات الحل السياسي الواقعي والدائم، ومن قدرتها على فتح أفق تفاوضي جدي، يضع مصلحة السكان واستقرار المنطقة في صلب أي تسوية ممكنة.
ومن هنا، فإن أهمية القرار الأممي لا تكمن فقط في عدد الأصوات المؤيدة له، وإنما في كونه يجدد دعم المسار السياسي الذي تقوده الأمم المتحدة، ويدعو الأطراف المعنية إلى الانخراط بحسن نية ودون شروط مسبقة في جهود التسوية. وهي دعوة تضع الجميع أمام مسؤولياتهم السياسية والتاريخية، لأن استمرار النزاع لم يعد مجرد خلاف دبلوماسي محدود الأثر، بل أصبح عائقًا أمام بناء فضاء مغاربي قادر على الاستجابة لتطلعات شعوبه، ومواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية والتنموية التي تعرفها المنطقة.
وإذا كان التصويت قد جاء استجابة لطلب أمريكي شمل مشاريع القرارات المعروضة على اللجنة الرابعة، فإنه لا ينبغي تحميل هذه الخطوة الإجرائية أكثر مما تحتمل، أو اختزال دلالات النتيجة في مجرد اختبار عددي للمواقف الدولية. فالمعيار الأهم يظل هو مضمون القرار، وما يتضمنه من إحالات ومرجعيات، ومدى انسجامه مع مسار التسوية الذي يضع المبادرة المغربية للحكم الذاتي في صلب النقاش السياسي. كما أن تصويت المغرب لصالح النص يندرج في إطار دعمه للعملية السياسية الأممية، وثقته في وجاهة مقاربته، وتمسكه بمواصلة الانخراط المسؤول في الجهود الرامية إلى إيجاد حل نهائي للنزاع.
إن الدبلوماسية المغربية، وهي تواصل الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة، تدرك أن ترسيخ المكاسب لا يتحقق بالاحتفاء بالأرقام وحدها، وإنما بالقدرة على تحويل التحولات السياسية إلى نتائج ملموسة، وتعزيز حضور المقترح المغربي في مختلف المحافل الدولية، ومواصلة إبراز ما راكمته الأقاليم الجنوبية من تنمية وبنيات ومؤسسات، في ظل السيادة الوطنية. فالقوة الحقيقية للموقف المغربي تتجسد في تكامل الشرعية التاريخية والقانونية مع نجاعة المبادرة السياسية، وفي الجمع بين وضوح الثوابت الوطنية والانفتاح على الحلول الواقعية.
وفي المقابل، فإن استمرار هذا النزاع يطرح أسئلة جوهرية بشأن مستقبل الاتحاد المغاربي، الذي تظل إمكاناته الاقتصادية والبشرية والتاريخية أكبر بكثير من واقع التشتت والتعطيل الذي يطبع مساره. فالمغرب، الذي جعل من التعاون الإقليمي خيارًا استراتيجيًا، لا يدافع عن وحدته الترابية باعتبارها قضية وطنية فحسب، بل يتمسك أيضًا بحق شعوب المنطقة في مستقبل يسوده الأمن والاستقرار والتكامل. ومن ثم، فإن التسوية السياسية المنشودة ينبغي أن تكون مدخلًا لإنهاء حالة الجمود، لا مناسبة لإعادة إنتاجها بصيغ جديدة.
إن ما أفرزته جلسة اللجنة الرابعة يؤكد أن ملف الصحراء المغربية يظل رهينًا بتطور المرجعيات الأممية، وبقدرة الأطراف على استيعاب التحولات الدولية والانخراط في مفاوضات جادة ومسؤولة. أما الرهان المغربي، فيتجاوز كسب جولة دبلوماسية إلى تثبيت حل سياسي نهائي، عادل ودائم، يقوم على مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ويصون وحدة المملكة واستقرار المنطقة.
وهكذا، فإن الرسالة الأعمق لهذه المحطة ليست في أن 152 دولة صوتت لصالح القرار فحسب، بل في أن منطق التسوية الواقعية يظل الطريق الأكثر جدية للخروج من نفق النزاع. فالقضايا العادلة تحتاج إلى نَفَس استراتيجي طويل، وإلى دبلوماسية تجمع بين الثبات والمرونة، وبين الدفاع عن الحقوق الوطنية والانخراط المسؤول في الشرعية الدولية. وفي هذا الأفق، يواصل المغرب تثبيت موقفه، مؤمنًا بأن الحل لا يُصنع بإدامة الخلاف، وإنما بإرادة سياسية صادقة تضع الواقعية في خدمة السلام، والوحدة الترابية في صلب أي تسوية مستدامة.
رئيسية 








الرئيسية



