☰
2026 أكتوبر 25 - تم تعديله في [التاريخ]

الصحراء المغربية… مدن شامخة وقطار تنمية يقوده الملك محمد السادس بثبات وعزم نحو المستقبل

وراء تحولات مدن الصحراء المغربية رهان يتجاوز ما تراه العين… بوشعيب حمراوي يقرأ عمق الرؤية الملكية ويفتح سؤالاً عن الشريك الذي لا تكتمل النهضة دونه.


◆ الصحراء المغربية… أرض شامخة ومدن تصنع مجد الوطن

الكاتب بوشعيب حمراوي
★ العلم الإلكترونية - بقلم: بوشعيب حمراوي ★
من العيون إلى بوجدور والسمارة والداخلة وطرفاية… أوراش ملكية كبرى تحول الصحراء إلى قطب للتنمية والانفتاح الإفريقي، واستثمار في الإنسان الصحراوي المبدع، مع ضرورة تعزيز دور السلطة الرابعة والإعلام الجهوي في مواكبة التحولات وصناعة المستقبل.

ليست الصحراء المغربية مجرد رمال تمتد نحو الأفق، ولا خريطة تتداولها المؤسسات الدولية، ولا ملفاً سياسياً تستحضره العواصم عند انعقاد مجلس الأمن.

إنها تاريخ وهوية وحضارة وإنسان، وأرض تختزن ذاكرة الأجداد وأحلام الأحفاد، ومدن شامخة تشهد تحولات تنموية عميقة، تحت قيادة الملك محمد السادس، الذي جعل تنمية الأقاليم الجنوبية ورشاً استراتيجياً يرتبط بتعزيز الوحدة الترابية والعدالة المجالية والانفتاح الإفريقي.

من العيون إلى بوجدور، ومن السمارة إلى الداخلة وطرفاية وأوسرد، تتحرك عجلة التنمية بثبات وعزم، وتتشكل ملامح مستقبل جديد، تتكامل فيه المشاريع الاقتصادية والبنيات التحتية مع الاستثمار في الموارد البشرية.

فالصحراء المغربية ليست أرضاً تنتظر من يصنع مستقبلها، بل فضاء يزخر بالكفاءات والطاقات والإمكانات، ويستحق أن يكون في طليعة النهضة الوطنية.

◆ محمد السادس… قيادة ملكية جعلت التنمية امتداداً للوحدة الترابية

لم يكن اهتمام الملك محمد السادس بالأقاليم الجنوبية مجرد التزام سياسي مرتبط بالدفاع عن الوحدة الترابية، بل تحول إلى رؤية تنموية متكاملة، تقوم على تأهيل المجال، وتطوير الاقتصاد، وتوسيع الخدمات، وتمكين السكان من المشاركة في تدبير شؤونهم.

وفي خطاب السادس من نونبر 2015، بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء، وضع الملك أسس مرحلة جديدة، داعياً إلى القطيعة مع اقتصاد الريع والامتيازات والتمركز الإداري، وإلى تمكين أبناء الصحراء من الوسائل الضرورية لإبراز قدراتهم والمساهمة في تنمية منطقتهم.

ولم تبقَ هذه الرؤية مجرد خطاب؛ فقد أُطلق النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية بغلاف مالي أولي بلغ 77 مليار درهم، مع برمجة أوراش اقتصادية واجتماعية كبرى.

ومنذ ذلك الحين، أصبح قطار التنمية يسير على سكة التحول الاقتصادي والاجتماعي، عبر مشاريع الطرق والموانئ والطاقة والماء والصناعة والتكوين.

إنها رؤية ملكية تقوم على أن قوة الوطن لا تُقاس فقط بمساحة أراضيه، بل بقدرته على تحويل ثرواته إلى فرص وكرامة وازدهار لمواطنيه.

◆ الإنسان الصحراوي… الثروة الأولى التي تبدأ منها التنمية

ما يميز التوجه الملكي هو أن الإنسان ليس مجرد مستفيد من التنمية، بل شريك أساسي في صناعتها.

لقد أكد الملك محمد السادس في خطابه لسنة 2015 اعتزازه بما عُرف عن أبناء الصحراء من علم وتجارة واعتماد على الذات وكرامة، وحرصه على تمكينهم من تدبير شؤونهم وإبراز كفاءاتهم.

وهذه الرسالة تضع الموارد البشرية في قلب المشروع التنموي.

فالصحراء تزخر بكفاءات مبدعة في التعليم والبحث العلمي والطب والهندسة والإعلام والرياضة والفنون والمقاولة والابتكار.

وفي الثقافة الحسانية، بما تحمله من شعر وموسيقى وحكايات ومعارف، رصيد حضاري غني يستحق الحماية والتوثيق والتثمين.

إن تنمية الصحراء لا تبدأ من استخراج الفوسفاط، ولا من تشييد الموانئ والطرقات وحدها، بل تبدأ من المدرسة والجامعة، ومن دعم الشباب والنساء والمبدعين والمقاولين، وفتح المجال أمامهم للمبادرة والمشاركة.

فالميناء يحتاج إلى مهندسين، والمصنع يحتاج إلى كفاءات، والاستثمار يحتاج إلى عقول، والوحدة الوطنية تحتاج إلى أجيال واعية بتاريخها ومؤهلة لصناعة مستقبلها.

◆ العيون… حاضرة شامخة تقود التحول الاقتصادي والثقافي

أصبحت العيون قطباً حضرياً واقتصادياً وتعليمياً بارزاً، بما شهدته من توسع عمراني وتطوير للبنيات الأساسية والمرافق العمومية.

لكن طموح العيون ينبغي أن يتجاوز عمرانها ومشاريعها الكبرى، لتكون مدينة للعلم والبحث والابتكار والإبداع.

فالعيون الشامخة تستحق أن تصبح مركزاً جامعياً وثقافياً وإعلامياً مؤثراً، وفضاء لإعداد الكفاءات القادرة على مواكبة تحولات الجنوب المغربي.

إنها مدينة تستحق أن تُقاس نهضتها بما توفره من فرص لأبنائها، وبما تحققه من جودة في التعليم والصحة والتشغيل والحياة اليومية.

◆ بوجدور… مدينة الأطلسي التي تستحق مكانتها التنموية

أما بوجدور، المدينة التي تواجه الأطلسي بشموخ، فتختزن إمكانات اقتصادية وسياحية وبحرية مهمة.

إنها ليست مجرد محطة ساحلية، بل مدينة مؤهلة للاضطلاع بأدوار أكبر في التنمية البحرية والطاقات المتجددة والسياحة والاستثمار.

وتحتاج بوجدور إلى تعزيز تجهيزاتها وخدماتها ومؤسساتها التعليمية والثقافية، وفتح آفاق أوسع أمام شبابها.

فالمطلوب ألا تبقى المدن الصغرى مجرد امتداد للحاضرة الجهوية، بل أن تصبح أقطاباً منتجة، تستفيد من موقعها ومؤهلاتها وتستقطب المشاريع والكفاءات.

◆ السمارة والداخلة وطرفاية وأوسرد… تكامل المدن يصنع قوة الصحراء

تحمل السمارة ذاكرة علمية وروحية وثقافية عريقة، تستحق أن تتحول إلى رافعة للتنمية الثقافية والسياحية والبحث التاريخي.

أما الداخلة، فتفتح آفاقاً اقتصادية واعدة بفضل مؤهلاتها البحرية والسياحية، ومشروع مينائها الأطلسي، وموقعها القادر على تعزيز المبادلات مع الدول الإفريقية.

وتحتفظ طرفاية بمكانتها التاريخية المرتبطة بالملاحة والطيران والتواصل الأطلسي، فيما تستحق أوسرد وباقي المراكز الصحراوية اهتماماً تنموياً يعزز الخدمات والربط والاستقرار.

إن قوة الصحراء المغربية لا تكمن في ازدهار مدينة واحدة، بل في تكامل مدنها، وفي وصول ثمار التنمية إلى جميع مناطقها.

◆ السلطة الرابعة… شريك أساسي في حماية المكتسبات ومواكبة التنمية

لا يمكن الحديث عن تنمية شاملة دون إعلام مهني قوي، قادر على مواكبة المشاريع وتوثيق المنجزات ومساءلة الاختلالات.

فالإعلام ليس مجرد ناقل للبلاغات والخطابات، وإنما سلطة رابعة تمارس أدوار الإخبار والتوعية والتفسير والرقابة والمساءلة.

ومن هنا تبرز ضرورة دعم الصحافة الوطنية والجهوية بالصحراء المغربية، وتمكين المقاولات الإعلامية المحلية من الوسائل المهنية والتقنية والتكوينية التي تضمن استقلاليتها واستمراريتها.

إن الصحفي الجهوي أقرب إلى قضايا السكان، وأقدر على متابعة الأوراش التنموية اليومية، ونقل انتظارات المواطنين، والتعريف بالكفاءات والمبادرات المحلية.

ولهذا ينبغي تعزيز الجهوية الإعلامية باعتبارها مكملاً أساسياً للجهوية المتقدمة، من خلال تأهيل المؤسسات الصحفية، ودعم التكوين، وتيسير الوصول إلى المعلومات، وضمان توزيع منصف وشفاف للدعم العمومي.

فلا تنمية حقيقية دون إعلام قادر على إبراز نجاحاتها وكشف تعثراتها.

ودعم السلطة الرابعة لا يعني شراء صمتها أو تحويلها إلى جهاز للدعاية، بل تمكينها من ممارسة رسالتها بحرية ومسؤولية ومهنية.

◆ الدبلوماسية الإعلامية… من الصحراء إلى العالم

تحتاج الصحراء المغربية أيضاً إلى إعلاميين وباحثين يتقنون اللغات الأجنبية، ويمتلكون المعارف التاريخية والقانونية والسياسية الضرورية للتواصل الدولي.

كما تحتاج إلى الاستثمار في الدبلوماسيتين التلاميذية والطلابية، عبر أندية تربوية وجامعية تُعنى بالتاريخ الوطني والتواصل والمناظرة والبحث والتوثيق.

فالدفاع عن القضايا الوطنية بالحجة والمعرفة أكثر تأثيراً من الاكتفاء بالشعارات.

ويمكن لمدن الصحراء أن تصبح فضاءات لإعداد سفراء المستقبل، من إعلاميين ومثقفين وباحثين وطلبة قادرين على التعريف بالمغرب وتاريخه وثقافته ومشاريعه التنموية.

◆ قطار التنمية انطلق… والإنسان غايته ومحركه

إن قطار التنمية بالصحراء المغربية يسير بثبات وعزم، مستنداً إلى رؤية ملكية جعلت من الأقاليم الجنوبية ورشاً استراتيجياً مفتوحاً على المستقبل.

لكن اكتمال هذه النهضة يظل رهيناً بقدرة المشاريع على خلق الشغل، وتحسين الخدمات، وحماية الموارد، وإشراك الكفاءات المحلية، وتعزيز العدالة المجالية.

فالعظمة الحقيقية للمدن لا تُقاس بضخامة بناياتها وحدها، بل بكرامة سكانها وفرص أبنائها.

نريد العيون شامخة بعلمها واقتصادها، وبوجدور قوية بمشاريعها وكفاءاتها، والسمارة مشرقة بتراثها، والداخلة منفتحة على إفريقيا، وطرفاية وأوسرد وباقي المدن حاضرة في قلب التنمية.

ونريد إعلاماً جهوياً قوياً يواكب هذا التحول، ويحمي حق المواطن في المعلومة، وينصف الصحراء وأهلها.

فالصحراء المغربية لا تحتاج فقط إلى من يدافع عن أرضها، بل إلى من يساهم في بناء مستقبل إنسانها.

وتلك هي الغاية الأسمى لقطار التنمية: وطن قوي بوحدته، مزدهر بمدنه، معتز بكفاءاته، ومؤمن بأن أعظم ثروة يملكها هي الإنسان.

رؤية ملكية تجعل الإنسان في قلب تنمية الأقاليم الجنوبية



في نفس الركن