Quantcast
2026 أكتوبر 20 - تم تعديله في [التاريخ]

الصحراء المغربية والاستثناء السيادي للولايات المتحدة الأمريكية..

وراء تصويت أثار التأويلات تتكشف معركة أخرى على حدود السيادة وسلطة المؤسسات الأممية… فما الذي تقوله مواقف واشنطن حين تُقرأ مجتمعة؟


خفايا التصويت الأمريكي في اللجنة الرابعة بين الدوافع والنوايا

الكاتبة فوزية أورخيص
الكاتبة فوزية أورخيص
★ بقلم: فوزية أورخيص ★

لم يكن تصويت الولايات المتحدة الأمريكية ضد القرار المتعلق بالصحراء المغربية داخل اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، في أكتوبر 2026، مجرد اختلاف إجرائي في اجتماع أممي اعتيادي، فقد جاء في لحظة تتقاطع فيها مسألتان بالغتا الحساسية في السياسة الدولية: مستقبل النزاع حول الصحراء المغربية، وحدود الدور الذي يحق للمنظومة الأممية أن تضطلع به في قضايا تصفية الاستعمار، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأقاليم تديرها قوى كبرى وتعتبرها جزءًا من حساباتها السيادية والاستراتيجية.

لقد حصل القرار على تأييد 152 دولة، مقابل معارضة الولايات المتحدة وإسرائيل وامتناع سبع دول. وجاء التصويت بعد سنوات من اعتماد القرار دون تصويت، قبل أن تطلب واشنطن إخضاع مشاريع القرارات الثلاثة والعشرين المعروضة على اللجنة للتصويت المسجل. ولذلك، فإن اختزال الواقعة في كونها موقفًا أمريكيًا موجهًا ضد المغرب تحديدًا يغفل سياقًا أوسع، فالمسألة لم تتعلق بالتصويت على الصحراء المغربية وحدها، بل جاءت ضمن تحرك أمريكي أوسع لإعادة النظر في طريقة اعتماد قرارات الجمعية العامة. ومع ذلك، فإن تزامن هذا التحرك مع اعتراض أمريكي معلن على منظومة تصفية الاستعمار يفتح بابًا لتحليل يتجاوز التفسير الإجرائي.

◆ من التصويت على القرار إلى الاعتراض على المنظومة

تكتسب الواقعة أهمية استثنائية عند وضعها إلى جانب المداخلة الأمريكية أمام اللجنة الرابعة في الفترة نفسها. فقد دعت واشنطن إلى إنهاء ولاية لجنة الأربعة والعشرين المعنية بمتابعة تنفيذ إعلان تصفية الاستعمار، معتبرة أن اللجنة تجاوزت الغرض الأصلي من إنشائها، وانتقدت زياراتها إلى أقاليم في الكاريبي والمحيط الهادئ، ووصفتها بأنها استنزاف لموارد الأمم المتحدة. كما اعترضت على ما اعتبرته تدخلًا في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة وعلاقاتها بالأقاليم التي تديرها، ودافعت عن حق الولايات المتحدة في ممارسة أنشطتها العسكرية وفق مقتضيات أمنها القومي والقانون الدولي.

ولم يقتصر الموقف على انتقاد أداء اللجنة، بل امتد إلى التشكيك في الطبيعة الملزمة لإعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، الصادر بموجب قرار الجمعية العامة رقم 1514 لسنة 1960، والقول إنه لا يعكس بالضرورة قواعد ملزمة من القانون الدولي. كما جددت واشنطن اعتراضها على انتقاد حكم قضائي اتحادي منع إجراء استفتاء مقترح لتقرير المصير في غوام.

تمنح هذه المعطيات تفسير أسباب تصويتها ضد القرار المتعلق بالصحراء المغربية أساسًا أكثر صلابة من اعتباره تغييرًا في موقفها السياسي الداعم لمغربية الصحراء، كما يروج له بعض المغرضين. فنحن لا نتحدث هنا عن استنتاج بشأن نوايا أمريكية غير معلنة فحسب، بل عن اعتراض معلن على نطاق عمل لجنة تصفية الاستعمار، وعلى صلاحية بعض مرجعياتها، وعلى تدخلها في الملفات المتعلقة بأقاليم خاضعة للإدارة الأمريكية.

وتقتضي الدقة التمييز بين اللجنة الرابعة، وهي إحدى اللجان الرئيسية للجمعية العامة، ولجنة الأربعة والعشرين، وهي الهيئة الخاصة المعنية بمتابعة تنفيذ إعلان تصفية الاستعمار. فالهيئتان مترابطتان في تناول هذه الملفات، لكنهما ليستا مؤسسة واحدة. ومن ثم، فإن الدعوة الأمريكية إلى إنهاء ولاية لجنة الأربعة والعشرين، بالتزامن مع طلب التصويت على مشاريع قرارات اللجنة الرابعة، تكشف عن مسارين متقاطعين: الاعتراض على مضمون بعض المرجعيات الأممية، والضغط من أجل تغيير الآليات المؤسسية التي تتابع تنفيذها.

◆ الأقاليم الأمريكية الثلاثة: المفارقة التي تستحق الفحص

تكتسب هذه المواقف دلالة إضافية لأن الولايات المتحدة لا تقف خارج منظومة تصفية الاستعمار بوصفها مراقبًا، بل هي أيضًا الدولة القائمة بإدارة ثلاثة أقاليم ما زالت مدرجة على قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي: غوام، وساموا الأمريكية، وجزر فرجن التابعة للولايات المتحدة. وتضم القائمة الأممية 17 إقليمًا تختلف في تاريخها وترتيباتها الدستورية وعلاقاتها بالدول القائمة بإدارتها.

لا يعني هذا التصنيف أن الأقاليم الثلاثة متطابقة في وضعها، أو أن الاستقلال هو الخيار الوحيد المطروح أمام سكانها. لكنه يعني أن وضعها لم يُعتبر، في إطار الأمم المتحدة، قد بلغ مرحلة الحكم الذاتي الكامل التي تنهي إدراجها على القائمة. وهنا تظهر المسافة بين الوضع الدستوري الذي تحدده الدولة القائمة بالإدارة، والوضع الذي تتابعه المنظمة الدولية وفق ميثاقها والقرارات ذات الصلة.

فالمادة 73 من ميثاق الأمم المتحدة تلزم الدول التي تتحمل مسؤولية إدارة أقاليم لم يبلغ سكانها بعد مستوى الحكم الذاتي الكامل بجعل مصالح هؤلاء السكان أولوية، والعمل على تنمية مؤسساتهم السياسية الحرة، ومراعاة تطلعاتهم السياسية. ولا تجعل المادة الاستقلال نتيجة تلقائية لكل حالة، لكنها تربط إدارة الإقليم بالتزام أوسع من مجرد توفير الخدمات أو إقامة مؤسسات محلية.

وتبرز غوام بصورة خاصة في هذه المعادلة، فموقعها في غرب المحيط الهادئ يمنحها أهمية عسكرية استراتيجية في حسابات الولايات المتحدة، ولا سيما في ظل التنافس المتصاعد مع الصين. وفي الوقت نفسه، يظل مستقبلها السياسي موضع نقاش يتعلق بحق سكانها في تقرير المصير، بما يشمل الخيارات المطروحة بشأن الاستقلال أو الارتباط الحر أو الاندماج السياسي، وفق الشروط ذات الصلة.

وإذا كانت واشنطن تتمسك بحق السكان في الاختيار الحر بين الأوضاع السياسية الممكنة، فإنها تعترض، في المقابل، على تدخل لجنة الأربعة والعشرين في العلاقة بين الدولة ذات السيادة والأقاليم التي تديرها. هذه هي المفارقة التي تستحق التعمق فيها: ليس الخلاف بالضرورة حول مبدأ تقرير المصير في ذاته، وإنما حول الجهة التي تملك دواليبه، وحدود الرقابة الدولية، ومدى قدرة المؤسسات الأممية على التأثير في ترتيبات تعتبرها الدولة القائمة بالإدارة جزءًا من اختصاصها السيادي.

◆ فوبيا تصفية الاستعمار أم تحصين لهامش السيادة؟

من هذه الزاوية، يمكن بناء فرضية «الاستثناء السيادي» التي تمنح الواقعة أبعادها الاستراتيجية. فالقوة الكبرى قد تقبل بمبدأ تقرير المصير باعتباره قاعدة عامة، لكنها تتحفظ على الآليات الدولية التي تحول هذا المبدأ إلى رقابة منتظمة على إدارة أقاليمها أو إلى توصيات تمس خياراتها الدستورية والسياسية.

ولا ينبغي التعامل مع هذه الفرضية باعتبارها دليلًا قاطعًا على دوافع واشنطن، بل باعتبارها قراءة تستند إلى تقاطع مواقف معلنة: الدعوة إلى إنهاء ولاية لجنة الأربعة والعشرين، والاعتراض على زياراتها للأقاليم، والتشكيك في الطبيعة الملزمة لبعض المرجعيات الأممية، والدفاع عن هامش القرار الأمريكي في غوام.

إن اجتماع هذه العناصر يسمح بالتساؤل عما إذا كان الاعتراض الأمريكي يعكس توجسًا من اتساع الدور الرقابي لمنظومة تصفية الاستعمار، خصوصًا عندما يقترب من أقاليم ذات أهمية استراتيجية. لكنه لا يثبت، في حد ذاته، أن حماية غوام أو ساموا الأمريكية أو جزر فرجن كانت السبب المباشر في التصويت ضد قرار الصحراء المغربية. فإثبات العلاقة السببية يتطلب وثائق أو تصريحات تربط صراحة بين الأمرين، لكنه سيناريو أنتجه تقاطع المواقف الجيوسياسية في ظل المصالح الاستراتيجية الكبرى، مع ضرورة إيجاد الخيط الناظم الذي يميز بين الوقائع التي أعلنتها واشنطن والاستنتاج الاستراتيجي الذي تسمح به تلك الوقائع.

◆ الصحراء المغربية: بين ثبات الاعتراف واختلاف الحسابات الأممية

استنادًا إلى ما سبق، لا يمكن تفسير التصويت الأمريكي الأخير بوصفه تراجعًا تلقائيًا عن الاعتراف بمغربية الصحراء. ففي ديسمبر 2020، أعلنت الولايات المتحدة اعترافها بسيادة المملكة المغربية على الصحراء، وأكدت دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساسًا للحل. كما جددت الإدارة الأمريكية في أبريل 2025 تأكيد هذا الموقف، مشيرة إلى أن الاعتراف الصادر سنة 2020 لا يزال يمثل السياسة الرسمية لواشنطن، وأن مقترح الحكم الذاتي المغربي ينبغي أن يكون أساس المفاوضات.

لكن ثبات الاعتراف لا يعني تطابق الموقف الأمريكي مع المغربي في كل تصويت أو إجراء داخل الأمم المتحدة. فالاعتراف بالسيادة موقف سياسي معلن، بينما يكشف التصويت على قرار محدد عن كيفية تعامل الدولة مع نص معين ومرجعيته المؤسسية وسياقه الدبلوماسي. وقد تتقاطع هذه المستويات، لكنها لا تتطابق بالضرورة.

وفي هذه الحالة، ثمة عامل إضافي يستحق الانتباه: القرار الذي أيدته أغلبية الدول تضمن إشارة إلى قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر سنة 2025، الذي أعاد تأكيد مركزية المسار السياسي وجعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسًا للمفاوضات. وصوت المغرب لصالح القرار، فيما عارضته الولايات المتحدة وإسرائيل.

والأهم أن واشنطن طلبت التصويت على مشاريع القرارات الثلاثة والعشرين، لا على مشروع الصحراء وحده. لذلك، فإن القراءة الأكثر اتساقًا مع المعطيات المتاحة ليست أن الولايات المتحدة استهدفت المغرب حصرًا، بل أن سياستها الإجرائية العامة تلاقت في هذه الواقعة مع اعتراض أوسع ومعلن على دور آليات تصفية الاستعمار. وهذا لا يمحو الأثر السياسي لتصويتها ضد القرار المتعلق بالصحراء المغربية، لكنه يضعه في سياقه الصحيح، ويمنع تحميله دلالة لا تثبتها الوقائع وحدها.

أما تصويت المغرب لصالح القرار، فلا يثبت وجود تنسيق تكتيكي خفي مع واشنطن، مثلما لا يثبت التصويت الأمريكي ضده وقوع تحول في الموقف من السيادة المغربية. فالحكم على طبيعة العلاقة يقتضي النظر إلى السياسة الأمريكية المعلنة، وسلوكها في مجلس الأمن، ومواقفها العملية من مقترح الحكم الذاتي، لا الاكتفاء بنتيجة تصويت واحد في الجمعية العامة.

◆ معركة الاختصاص لا تقل أهمية عن معركة المواقف

تكشف هذه الواقعة أن الخلاف في النظام الدولي لا يتعلق دائمًا بمضمون المبادئ، بل يمتد إلى الجهة التي تملك تفسيرها، والآليات المخولة بمتابعة تنفيذها، والحدود التي ينبغي ألا تتجاوزها تلك الآليات. فالولايات المتحدة، وفق خطابها الأخير، لا تعترض فقط على بعض القرارات، بل تطالب بإعادة النظر في ولاية الهيئة الأممية المكلفة بمتابعة تصفية الاستعمار، وتدافع عن تصور أضيق لنطاق تدخلها في علاقة الدول القائمة بالإدارة بأقاليمها.

ومن هنا، فإن فرضية «الاستثناء السيادي» لا تحتاج إلى الجزم بوجود خطة أمريكية لحماية الأقاليم التابعة لها من كل أشكال الرقابة الدولية. يكفي وضع الخطاب الأمريكي المعلن في مواجهة حقيقة أن ثلاثة أقاليم تديرها واشنطن لا تزال مدرجة على القائمة الأممية، ثم التساؤل عن أثر هذا الوضع في حساباتها المتعلقة بحدود الاختصاص الدولي.

وبالنسبة إلى المغرب، يظل المعيار الأساسي هو استمرار الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، ومدى انعكاسه على المواقف العملية في مجلس الأمن، وقدرة المسار السياسي على تعزيز فرص الحل على أساس الحكم الذاتي. أما التصويت داخل اللجنة الرابعة، فعلى أهميته السياسية، فلا يكفي وحده لإثبات انقلاب في الموقف الأمريكي أو لتحديد الدوافع التي تحكمه.

لذلك، لا تكمن دلالة الواقعة في عدد الأصوات بقدر ما تكمن في كشف العلاقة المتوترة بين السيادة الوطنية والرقابة الدولية. فحين تطالب قوة كبرى بتقليص ولاية آلية أممية معنية بتقرير المصير، بينما تدير هي نفسها أقاليم لا تزال مدرجة على قائمتها، يصبح من المشروع فحص حدود التزامها بتلك المنظومة، من دون افتراض أن كل اختلاف إجرائي يخفي بالضرورة خوفًا من سابقة قانونية.

ومن هذا المنطلق، فإن التصويت الأمريكي لا يثبت أن واشنطن تراجعت عن موقفها من الصحراء المغربية، لكنه يسلط الضوء على مفارقة أعمق في سياستها الدولية؛ مفارقة القوة التي تتمسك بهامش واسع من القرار السيادي، وتتحفظ في الوقت نفسه على الآليات الأممية حين ترى أنها قد تقيد ذلك الهامش. وبين الموقف المعلن والدافع المفترض، تظل الممارسة الفعلية هي الفيصل.

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار