2026 أغسطس/أوت 1 - تم تعديله في [التاريخ]

الصمت الذي يجثم بعد الغياب


العلم - بقلم أنور الشرقاوي

إن فقدانَ إنسانٍ عزيز، بل عزيزٍ إلى حدٍّ لا تُدركه الكلمات، هو من أقسى التجارب التي قد يعبرها الإنسان في حياته.
 
أختٌ، أو زوجٌ، أو بنت صغيرة... لا يهمُّ شكل القرابة، فحين يخطف الموت من نحب، لا يغيب شخصٌ واحد فحسب، بل يهتزُّ عالمٌ كامل كان يقوم على وجوده.

وأول ما يستقبل القلب ليس الألم...

بل الذهول.

كيف يُصدّق العقل أن هذا الإنسان كان، قبل أيام قليلة فقط، هنا؟
 
كان يضحك، ويتحدث، ويملأ أرجاء البيت حركةً وحياة.

كان يروي الحكايات نفسها، ويكرر العبارات ذاتها، ويتمسك بآرائه بعنادٍ جميل.

وكانت عاداته الصغيرة تُضحكنا أحيانًا، وتُثير زفراتنا أحيانًا أخرى، لكنها كانت جزءًا من دفء الحياة نفسها.
 
كان يجلس إلى مائدتنا، ويتنفس الهواء ذاته، ويُشاهد معنا البرامج نفسها، وكأن وجوده حقيقةٌ لا يمكن أن يطالها التغيير، وكأن الزمن قد تعهّد بحفظها إلى الأبد.

ثم... في لحظةٍ واحدة، انكسر الزمن.

كان هناك نَفَسٌ أخير، ونظرةٌ أخيرة، ومصافحةٌ أخيرة، ولم يكن أحدٌ يعلم أنها الأخيرة.
 
وأحيانًا... لا شيء. فراغٌ مطلق، كأن الحياة انسحبت في صمت.

ثم جاء الصمت.

النعش.
 
حفنةُ التراب الأولى وهي ترتطم بالخشب بذلك الصوت الثقيل الذي يظل عالقًا في الذاكرة ما بقي العمر.
المعزّون.

الوجوه التي غمرها الأسى.
 
ثم ينصرف الجميع إلى بيوتهم...

لكن العالم لم يعد هو العالم.

تبقى الغرفة كما هي، إلا أنها صارت خاليةً من روحها.

وتظل الملابس معلقةً في أماكنها، كأنها تنتظر جسدًا يعرف الجميع أنه لن يعود.

ويتحول فنجانٌ نُسي فوق الطاولة إلى أثرٍ ثمين، وتتحول صورةٌ قديمة من مجرد ذكرى إلى شهادةٍ موجعة على أن السعادة كانت يومًا حقيقةً وليست حلمًا.
 
إن وجع الفقد لا يرفع صوته.

إنه صامت.

يتسلل ببطء إلى أدق تفاصيل الحياة، ويسكن أكثر العادات بساطة.
 
ترفع رأسك تلقائيًا لتنادي من رحل، ثم تتذكر أنه لن يجيب.
 
تكاد تطلب رقمه الهاتفي، قبل أن يوقظك اليقين بأن الهاتف لن يرن في الطرف الآخر.
 
وتخال أنك تسمع وقع خطواته في الممر، أو صوته في الغرفة المجاورة، أو ضحكته يعيدها الهواء إليك...
 
ثم تعود الحقيقة، قاسيةً لا تعرف الرحمة.
 
إن الغياب ليس نقيض الحضور... بل هو حضورٌ من نوعٍ آخر.

يسكن كل زاويةٍ في البيت، وكل ساعةٍ من ساعات النهار، وكل مناسبةٍ عائلية.

يحضر في أعياد الميلاد، وحول موائد الطعام، وفي صباحات الأيام العادية، بل يرافق حتى لحظات الفرح، كظلٍّ خفي يهمس في القلب بأن مكانًا سيظل فارغًا إلى الأبد.
 
ويقول الناس إن الزمن يداوي الجراح...

وربما صدقوا.

لكنه لا يمحو الذين أحببناهم.

إنه لا يفعل أكثر من أن يعلّم القلب كيف يعيش بندبةٍ لا تلتئم تمامًا.
 
فالأموات لا يرحلون حقًا إلا حين يخبو ذكرهم.

أما ما دام صوتٌ يذكر أسماءهم، وابتسامةٌ تولد كلما رُويت حكايةٌ عنهم، ودمعةٌ تنحدر كلما نطق أحدٌ باسمهم...جمال .... فإنهم يواصلون الحياة في ذاكرتنا.
 
إن الحب أقوى من الموت.

ولعل هذا هو أجمل ما في الوجود الإنساني؛ فهؤلاء الذين غابوا عن أعيننا، وتوقفت خطواتهم إلى جوارنا، لم يغادروا أرواحنا قط، بل ظلوا يعيشون في أعماقنا، بصمتٍ لا يُرى، وحضورٍ لا يغيب.

جمال حنمل، يا إبن الشام... ستبقى حاضرا بيننا.



في نفس الركن