Quantcast
2026 أكتوبر 5 - تم تعديله في [التاريخ]

الطفولة تحت سلطة الخوارزميات

بين شاشة تستقطب الانتباه وحوار أسري يتراجع، يتسلل إلى تربية الطفل مؤثر جديد يختار له ما يرى وما يقلّد، فهل نمنحه أدوات فهم العالم الرقمي، أم نترك هذا العالم يربّيه بالنيابة عنا؟


الطفولة بين تأثير الخوارزميات ودور الأسرة في التوجيه
الطفولة بين تأثير الخوارزميات ودور الأسرة في التوجيه
*بقلم: الدكتور ياسين أمناي*

لم تعد تربية الطفل اليوم تتم داخل البيت فقط، ولا عادت المدرسة وحدها المجال الذي يتشكل فيه وعيه وسلوكه وشخصيته. فقد دخلت إلى العملية التربوية سلطة جديدة لا تظهر في شكل أب أو أم أو مدرس، وإنما تعمل من خلال شاشة صغيرة ترافق الطفل لساعات طويلة من يومه. إنها سلطة المنصات الرقمية والخوارزميات التي تحدد له ما يشاهد، وما يتكرر أمامه، وما يجذب انتباهه، وما يتحول تدريجيًا إلى جزء من عاداته واهتماماته وطريقة نظره إلى نفسه وإلى الآخرين.

المشكلة هنا لا تكمن في وجود الهاتف أو تطبيق رقمي في حد ذاته، بقدر ما تكمن في التحول الذي حدث في وظيفة هذه الوسائل. فقد انتقل الهاتف من مجرد أداة للتواصل أو الترفيه إلى بيئة إدراكية يعيش فيها الطفل جزءًا من طفولته، ويتلقى من خلالها صورًا عن النجاح والجمال والشهرة والعلاقات والحياة اليومية. وكلما طال الوقت الذي يقضيه الطفل داخل هذه البيئة، أصبحت قادرة على منافسة الأسرة والمدرسة في تشكيل اهتماماته وتوقعاته، وحتى لغته وطريقة تعبيره عن ذاته.

وفي المقابل، يبدو أن الحوار الأسري يتراجع أمام هذا الحضور المتزايد للشاشة. قد يجلس الطفل مع والديه في المكان نفسه، لكنه يكون نفسيًا وعقليًا في مكان آخر، عيناه أمام الهاتف واهتمامه مع المحتوى الذي يتدفق باستمرار. وهنا تظهر مفارقة تربوية عميقة، فلم تعد المشكلة فقط أن الطفل يقضي وقتًا طويلًا أمام الشاشة، وإنما أن الشاشة أصبحت أكثر قدرة على استقطاب انتباهه من الأشخاص الموجودين حوله.

هذا التحول يطرح سؤالًا أكثر أهمية من سؤال: «كم ساعة يقضي الطفل على الهاتف؟»، وهو: ماذا يحدث خلال هذه الساعات؟ ومن الذي يملك القدرة على تشكيل الطفل خلالها؟

فالطفل لا يدخل إلى المنصات الرقمية بعقل فارغ، لكنه يدخل إليها وهو في مرحلة تتشكل فيها شخصيته، وتُبنى فيها صورة الذات، ويتعلم فيها كيف يفسر سلوك الآخرين وكيف يقارن نفسه بهم. وعندما تتكرر أمامه أنماط معينة من السلوك والمظهر واللغة وطريقة العيش، فإن التكرار قد يحولها من مجرد محتوى عابر إلى نماذج تبدو طبيعية ومقبولة وجديرة بالتقليد.

فالخوارزميات لا تقدم للطفل العالم كما هو، وإنما تقدم له نسخة منتقاة منه، مبنية على ما شاهده، وما توقف عنده، وما أُعجب به، وما أثار انفعاله. ومع مرور الوقت، يجد الطفل نفسه داخل دائرة من المحتوى المتشابه، فيعتقد أن ما يراه بكثرة هو ما يحدث في المجتمع كله، وأن ما يحظى بالمشاهدة والإعجاب هو بالضرورة ما يستحق القيمة والاهتمام.

إنه تحول من سلطة الثقافة التي كانت الأسرة والمدرسة تنقلها وتفسرها للطفل، إلى سلطة الخوارزميات التي تختار له ما يظهر أمامه، دون أن تشرح له لماذا ظهر، ومن المستفيد من ظهوره، وما الذي يريد هذا المحتوى أن يفعله بسلوكه.

ولذلك، فإن مواجهة التأثير الرقمي لا يمكن أن تقوم فقط على المنع والمراقبة. فالمنع قد ينجح بشكل مؤقت في تقليص الاستخدام، لكنه لا يبني بالضرورة قدرة الطفل على الفهم والتمييز. الطفل يحتاج إلى أن يتعلم كيف يسأل: لماذا ظهر لي هذا الفيديو؟ لماذا أجد هذا النوع من المحتوى باستمرار؟ لماذا يبدو الجميع سعداء وناجحين وجميلين؟ وهل ما أراه يمثل الواقع فعلًا، أم أنه مجرد صورة منتقاة منه؟

وهنا تعود الأسرة إلى موقعها الأصلي، ليس باعتبارها سلطة تمنع الهاتف فقط، وإنما باعتبارها فضاء للحوار والتفسير وبناء المعنى. فالطفل الذي يجد في أسرته من يستمع إليه ويناقشه ويشرح له ما يراه، يكون أكثر قدرة على التعامل مع العالم الرقمي دون أن يتحول إلى مجرد مستهلك لما تقدمه الخوارزميات.

كما أن المدرسة مطالبة بدورها بإعادة التفكير في مفهوم التربية. فلم تعد التربية الرقمية ترفًا أو مادة إضافية يمكن تأجيلها، لأن الطفل يعيش داخل بيئة رقمية تؤثر في تمثلاته وسلوكه. ولذلك، يجب أن يتعلم داخل المدرسة ليس فقط كيفية استخدام التكنولوجيا، بل كيفية فهمها ونقدها، والتمييز بين المعلومة والإعلان، وبين الواقع والصورة المصنوعة، وبين التعبير عن الذات والسعي المستمر إلى الحصول على الإعجاب والقبول.

إن القضية في النهاية ليست بين الآباء والهاتف، ولا بين المدرسة والمنصات الرقمية. إنها مسألة أعمق تتعلق بمن يمتلك القدرة على تشكيل الإنسان في سنواته الأولى. فإذا تراجعت الأسرة عن الحوار، وتراجعت المدرسة عن دورها التربوي، فإن الفراغ ستملؤه منصات تمتلك خوارزميات مصممة لجذب الانتباه والمحافظة عليه لأطول وقت ممكن.

ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: هل نمنع أطفالنا من استعمال الهاتف؟ بل: هل نترك العالم الرقمي يربي أطفالنا بالنيابة عنا؟

فالخطر الحقيقي لا يبدأ عندما يمسك الطفل الهاتف، وإنما عندما يصبح الهاتف هو المصدر الأكثر تأثيرًا في تشكيل اهتماماته ونماذجه ولغته وطريقة فهمه لنفسه وللعالم. وعندها لا تكون القضية قضية تطبيق واحد، وإنما انتقال أوسع من التربية التي كان الإنسان يصنعها داخل الأسرة والمجتمع، إلى تربية جديدة تصنعها الخوارزميات وفق منطق الانتباه والمشاهدة والتفاعل.

ومن هنا، فإن التربية في العصر الرقمي لا تعني إبعاد الطفل عن التكنولوجيا، وإنما استعادة الإنسان لدوره في توجيه التكنولوجيا. فالمطلوب ليس أن نغلق الشاشة، بل أن نفتح الحوار، وليس أن نحرم الطفل من العالم الرقمي، بل أن نمنحه الأدوات التي تمكّنه من فهم هذا العالم، حتى لا يتحول من مستخدم إلى موضوع تتحكم التكنولوجيا في اهتمامه وسلوكه ووعيه.

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار