العلم الإلكترونية - أسماء لمسردي
في زمن تحولت فيه المنصات الرقمية إلى فضاءات مفتوحة بلا ضوابط كافية، يطفو على السطح شكل بالغ الخطورة من الانحراف الأخلاقي والقانوني يتمثل في استغلال الأطفال من أجل تحقيق الشهرة ورفع نسب المشاهدة. إنها ظاهرة لا يمكن التعامل معها بوصفها "محتوى ترفيهيا" أو "مقاطع عابرة"، بل هي اعتداء صريح على الطفولة، وانتهاك فج لكرامة الإنسان، وخرق خطير لمنظومة القيم والقانون.
إن أخطر ما في هذا الاستغلال أنه يتخذ أشكالا متعددة ومتدرجة في العنف؛ من تعنيف الأطفال جسديا أو نفسيا أمام الكاميرا تحت ذريعة "المزاح" أو "المحتوى التفاعلي"، إلى إقحامهم في وضعيات غير لائقة أو إحراجهم عمدا بهدف صناعة الجدل، وصولا إلى توظيفهم في محتويات ذات طابع جنسي أو مشبوه أو في سياقات قد ترقى إلى الاتجار بالبشر، وكل ذلك تحت غطاء "المشاهدات" و"الأرباح الرقمية". هذه الممارسات لا تندرج ضمن الانحراف التربوي فحسب، بل ترتقي إلى مستوى الجريمة كلما ثبت فيها استغلال القاصر أو المساس بسلامته الجسدية أو النفسية أو كرامته.
في المغرب، لا يقف الإطار القانوني موقف المتفرج أمام هذه الانتهاكات؛ فالدستور المغربي لسنة 2011 ينص صراحة على التزام الدولة بحماية حقوق الأطفال وصون كرامتهم، باعتبارها مسؤولية مشتركة بين الدولة والأسرة والمجتمع. كما يجرم القانون الجنائي مختلف أشكال العنف والإيذاء الواقع على القاصرين، مع تشديد العقوبات كلما كان الضحية طفلا، سواء تعلق الأمر بالاعتداء الجسدي أو النفسي أو الاستغلال أو الإهمال المؤدي للضرر.
ويأتي القانون رقم 27.14 المتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر ليشكل آلية مركزية في مواجهة هذه الممارسات، إذ يجرم استغلال الأشخاص، وخاصة الأطفال، في أي شكل من أشكال الاستغلال، سواء كان ماديا أو جنسيا أو عبر الإكراه أو الاستدراج أو استغلال الهشاشة، بما في ذلك ما قد يتخذ طابعا رقميا أو إعلاميا. كما ينسجم هذا التوجه مع التزامات المغرب الدولية، لاسيما اتفاقية حقوق الطفل التي تؤكد حق الطفل في الحماية من جميع أشكال العنف والإهمال والاستغلال، والبروتوكول الاختياري الملحق بها بشأن بيع الأطفال واستغلالهم في البغاء وفي المواد الإباحية، الذي يفرض على الدول تجريم كل الأفعال المساهمة في هذه الجرائم أو الميسرة لها.
غير أن خطورة الظاهرة اليوم لا تكمن فقط في وجودها، بل في تحولها إلى "اقتصاد انتباه" يطبع العنف ويحول معاناة الأطفال إلى مادة استهلاكية قابلة للمشاهدة والمشاركة. فحين يستغل الطفل لتحقيق الترند، ويُقدَّم الألم أو الإحراج أو الإهانة كوسيلة لجذب التفاعل، فإننا لا نكون أمام محتوى رقمي فحسب، بل أمام انهيار في الحدود الأخلاقية الفاصلة بين الترفيه والجريمة.
إن المسؤولية في مواجهة هذا الانحراف لا يمكن أن تختزل في النصوص القانونية، رغم صرامتها، بل تتطلب تفعيلا حازما لها من طرف النيابة العامة والسلطات القضائية، وتكييفا دقيقا لهذه الأفعال باعتبارها أشكالا من الاستغلال أو العنف أو الاتجار بالبشر كلما توافرت عناصرها. كما تفرض تعبئة مجتمعية تشمل الأسرة والمدرسة والإعلام والمنصات الرقمية، التي تتحمل بدورها مسؤولية في الحد من انتشار هذا النوع من المحتوى وعدم مكافأته بالانتشار أو الترويج.
إن الطفولة ليست مادة للعرض، ولا أداة للربح، ولا وسيلة لصناعة الشهرة. إنها مصلحة عليا يقرها الدستور وتؤكدها المواثيق الدولية، وأي مساس بها هو مساس بمستقبل المجتمع ذاته. ومن ثم، فإن التساهل مع مستغلي الأطفال، أو التطبيع مع محتوى يقوم على إذلالهم أو تعريضهم للخطر، لم يعد مجرد خطأ أخلاقي، بل انزلاق خطير يجب أن يواجه بالحزم القانوني والصرامة المجتمعية دون تردد.