*العلم الإلكترونية: د.عبد العزيز حيون*
يشهد شهر يناير 2026 ذروة التصعيد في أزمات دولية متداخلة، حيث يتنقل التركيز العالمي بين طموحات واشنطن التوسعية في القطب الشمالي، والتهديدات الصاروخية الروسية لأوروبا، وقرع طبول الحرب في الشرق الأوسط.
فبعد فشل المحادثات الأخيرة بين واشنطن وكوبنهاغن بخصوص كل القضايا الخلافية، بدأت دول أوروبية (فرنسا، ألمانيا، النرويج، والسويد) إرسال قوات عسكرية إلى غرينلاند ضمن مهمة "استطلاع ومراقبة" لدعم السيادة الدانماركية، في وقت يزداد تخوف ويأس الدانمارك ومعها الحلفاء الأوروبيين.
ونقلت الحكومة الدانماركية لنظيرتها في الاتحاد الأوروبي رسائل ذات طابع استعجالي " نظرا للأهمية الاستراتيجية والموارد التي تسعى واشنطن للسيطرة عليها"، وفي المقابل لم تستبعد الكثير من دول المنظومة الأوروبية الانضمام لمهمة المراقبة في الجزيرة، مؤكدة أن القرار سيُتخذ بالتنسيق بين الحلفاء حسب تطور الأحداث وحسب رغبة كل دولة للمساهمة في هذه المهمة التي قد تعكس مدى تلاحم جسم القارة العجوز.
وفي خطاب وصف ب"الحازم " أمام القوات المسلحة وفي ظل تطور الوضع وتعمق الخلاف بين الأوروبيتين الشرقية والغربية ، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن أوروبا لم تعد بمنأى عن الحرب، خاصة بعد استخدام روسيا لصواريخ "أوريشنيك" الباليستية القادرة على حمل رؤوس نووية، داعيا إلى تعاون وثيق مع بريطانيا وألمانيا لتطوير أسلحة "بعيدة المدى" قادرة على تغيير موازين القوى، لأن أوروبا يجب أن تعتمد على قدراتها الخاصة في ظل تغير السياسة الأمريكية التي اضحت لها تصورات مغايرة بعد تولي دونالد ترامب الرئاسة.
وفي سياق الأزمات الأوروبية لاحت في واقع الأمر أزمة بولونيا.. وأكد رئيس الوزراء دونالد توسك أن هجوما سيبرانيا روسيا استهدف الشبكة الكهربائية البولونية ليلة رأس السنة والأيام التالية لها، وكان يهدف لإغراق البلاد، وفق التقييم البولوني، في ظلام وبرد قارس، مما كاد يحرم نصف مليون شخص على الأقل من التدفئة في عز الشتاء.
وفي محاولة من ترامب لرسم خارطة طريق عالمية جديدة، يترقب العالم تحركات حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" نحو الخليج العربي، وسط تقارير عن رغبة ترامب في توجيه ضربة "خاطفة وحاسمة" للنظام الإيراني،وما يؤكد هذا الاحتمال هو قيام بريطانيا والبرتغال بإخلاء موظفي سفاراتهما في طهران مؤقتا لأسباب قيل إنها "أمنية".
الكرملين والانسجام المفاجئ مع ترامب
ففي تصريح لافت، أعرب المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف عن اتفاقه مع رؤية ترامب بأن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يمثل "عائقا أمام السلام"، مشيرا إلى أن نافذة القرار بدأت تضيق أمام نظام كييف مع تدهور الوضع الميداني.
ويدخل المجتمع الدولي مرحلة من عدم اليقين، حيث تعاد صياغة التحالفات التقليدية تحت ضغط "دبلوماسية الصفقات" و"لغة الصواريخ"، مما يجعل الأيام القادمة حاسمة في تحديد شكل النظام العالمي الجديد.
ولإسماع صوتها في ظل هذه التحولات الدولية السريعة، تستعد أوروبا ل"ضرب" صادرات واشنطن ردا على ما تسميه "أطماع" دونالد ترامب في غرينلاند.
فقد دخلت الحرب الباردة بين ضفتي الأطلسي مرحلة جديدة من كسر العظام، حيث بدأت القارة العجوز في شحذ أسلحتها الاقتصادية لمواجهة التهديدات المتصاعدة من البيت الأبيض.
ومع إصرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مقترح شراء جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، وتلويحه بفرض رسوم جمركية بنسبة 10% على الدول المعارضة لتطلعات بلاده ، استخرجت المفوضية الأوروبية من أدراجها ما بات يُعرف بـ "البازوكا التجارية"، وهو سلاح ردع اقتصادي صمم خصيصا لتحويل التعريفات الأمريكية إلى "بومبرانغ" يرتد ليصيب قلب الصناعة الأمريكية.
ولم تعد بروكسل تكتفي ببيانات القلق، بل باتت مستعدة لاستهداف بضائع أمريكية بقيمة تزيد عن 93 مليار يورو، وفقا لشروحات "بلومبرغ"، في تصعيد يهدف إلى جعل واشنطن تدفع "ثمنا باهظا " مقابل كل منتج استراتيجي تبيعه في الأسواق الأوروبية.
وتستهدف القرارات الأوروبية العصب الصناعي والزراعي للولايات المتحدة، وتعتزم، في حال تفعيل "أداة مكافحة الإكراه"، فرض ضرائب باهظة على أكثر المنتجات الأمريكية رواجا، وتشمل القائمة:قطاع النقل: الطائرات، السيارات، وقطع غيار السيارات، والتكنولوجيا والآلات: المعدات الصناعية، الأجهزة الكهربائية، والمعدات الطبية الدقيقة، والصناعات الكيميائية: المواد البلاستيكية والمنتجات الكيميائية المتنوعة ، والزراعة: مجموعة واسعة من المنتجات الزراعية التي تشكل ثقلاً في الميزان التجاري بين الطرفين.
ويأتي هذا القرار بالرغم من أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صرح بأنه بصدد إلغاء تهديده بفرض رسوم جمركية على دول أوروبية عدة، بعد أن توصل إلى اتفاق مبدئي مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، مارك روته، على "إطار لاتفاق مستقبلي" بشأن الأمن في القطب الشمالي.
"البازوكا التجارية".. قانون الردع الأوروبي الجديد
وُلدت هذه الأداة القانونية في عام 2023 لمواجهة الضغوط الاقتصادية الصينية، لكنها اليوم تبرز كخيار "الطلقة الأخيرة" ضد الولايات المتحدة الأمريكية ..ويسعى التشريع الأوروبي أن تكون إجراءات الرد متناسبة ،بحيث تعادل الضرر الاقتصادي الذي تسببه الإجراءات الأمريكية ،ومؤقتة ومُحددة إذ يجب أن تنتهي بانتهاء "الإكراه الاقتصادي" الممارس ضد أي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي.
جبهة أوروبية موحدة ضد "خطيئة" ترامب
أجمعت القوى الأوروبية الكبرى على رفض التوجهات الأمريكية، و وصفت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، الرسوم الجمركية بـ "الخطأ"، بينما اعتبرها رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، أمرا "خاطئاً"..وفي بيان مشترك، حذرت فرنسا وألمانيا والدنمارك والمملكة المتحدة من أن هذه الإجراءات "تقوض العلاقات عبر الأطلسي وتهدد بدوامة هبوط خطيرة" للاقتصاد العالمي.
ورأت الدول الأوروبية أن "الصراع المُفتعل " على غرينلاند هو أكثر من "مجرد رغبة في ضم أرض من دول ذات سيادة "،إذ تعتبر واشنطن غرينلاند موقعا استراتيجيا فائق الأهمية لمراقبة القطب الشمالي ومواجهة النفوذ الروسي والصيني، على حد تعبيرها ، بينما يرى الأوروبيون أن مجرد التفكير في "شراء" أرض تابعة لدولة هو إهانة ديبلوماسية وسياسية وخرق للقانون الدولي.
ومع هذا التأزم، يجد الحلفاء التاريخيون أنفسهم اليوم في مواجهة اقتصادية قد تعيد رسم خريطة التجارة العالمية، وتشدد أوروبا على أنها لن تتردد في استخدام "البازوكا" إذا ما شعرت أن سيادتها الاقتصادية أصبحت تحت التهديد المباشر،إلا أن هناك شكوك في أن لجوء أوروبا لفرض رسوم جمركية مضادة قد ينجح في ردع ترامب عن طموحاته في غرينلاند بشكل أو بآخر.
من جهتها ، تقول واشنطن إن فشل محادثات "البيت الأبيض" بشأن غرينلاند يقتضي من منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) "طرد" الدنمارك ، ولوحت واشنطن في هذا السياق ب"غزو" أو ضم الجزيرة القطبية، وهو ما قوبل برفض قاطع وحازم من كوبنهاغن وحكومة الجزيرة ذاتية الحكم.
وفي تصريحات صحفية عقب اللقاء، الذي استمر ساعة ونصف مع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، قال وزير الخارجية الدنماركي، لارس لوكي راسموسن: "مواقفنا لا تزال متباعدة تماما.. ومن الواضح أن الرئيس الأمريكي لديه رغبة في غزو غرينلاند"،مشددا على أن "أي مساس بالسيادة الدنماركية أمر غير قابل للتفاوض رغم أن واشنطن تغلف رغبتها باستعدادها "للتعاون الأمني".
ويستند إصرار ترامب على ضم الجزيرة إلى اعتبارات "الأمن القومي"، وهو يرى أن ملكية الأرض تختلف عن استئجارها، معتبرا في رسائل عبر منصته "Truth Social" أن "الدول يجب أن تمتلك الأرض.. نحن ندافع عن الملكية وليس عن عقد إيجار".
وتلعب غرينلاند دورا محوريا في المشروع المسمى"القدح الذهبي" (Golden Cupola)، وهو الدرع الصاروخي الضخم الذي رصد له ترامب 175 مليار دولار لحماية الأراضي الأمريكية بحلول عام 2028.
ويزعم ترامب أن السفن الحربية الروسية والصينية تحيط بالجزيرة، وهو ما نفته الخارجية الدنماركية ،مؤكدة أن مخابرات البلاد لم ترصد أي سفينة صينية في المنطقة منذ عقد من الزمان.
وقبيل "التفاوض"، أعلنت الدنمارك عن تعزيز تواجدها العسكري في غرينلاند ونشر طائرات وسفن حربية وجنود، بالتنسيق مع حلف شمال الأطلسي، وفي الطرف الآخر، وَجه ترامب نداءً مباشرا للتحالف الدولي قائلا: "أيها الناتو: أخبر الدنمارك أن تخرج من هناك فورا!".
من جانبه، يسعى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو لصياغة استراتيجية أمنية بديلة لا تتضمن تغيير السيادة، حيث أعرب وزير الخارجية الألماني يوهان واديبول عن تفاؤله بإمكانية إقناع واشنطن بالمشاركة في "مهمة مراقبة دولية" تحت مظلة الناتو بدلا من خيار الضم.
ولا تقتصر أهمية غرينلاند على الجانب العسكري ،كما ترى واشنطن، بل تمتد لتشمل المعادن النادرة، وهي التي تزخر بموارد هائلة من المعادن الضرورية للصناعات التكنولوجية ،كما تمتاز بكونها ممرا قطبيا مهما، ومع ذوبان الجليد بسبب التغير المناخي، أصبحت الجزيرة مفتاح التحكم في طرق الملاحة الجديدة في القطب الشمالي.
وبينما يتمسك الغرينلانديون، عبر ممثلتهم فيفيان موتزفيلدت، بشعار "التعاون نعم، التبعية لا"، يبدو أن ترامب لن يتراجع عن مطامحه، مما يضع مستقبل حلف الناتو وهيكلة الأمن العابر للأطلسي أمام اختبار هو الأصعب منذ ثمانين سنة.
ومع حدة المواجهة بين أوروبا والولايات المتحدة وإصرار ترامب على ضم الجزيرة القطبية تتغير خريطة التحالفات في العالم بأسره دون أن تتجرأ الكثير من دول القارات الخمس وتعبر جهرا عن مواقفها في صراع يبدو من الوهلة الأولى أنه صراع الكبار ،فيما الصين مستمرة في تطوير مجاليها العسكري والاقتصادي بثبات وروسيا تُنهك أوكرانيا وحلفاءها قبل الانقضاض على فريستها التي ليست إلا أوكرانيا مع تلاشي الدعم الأوروبي القوي وتغير مسار الاهتمام .