*العلم الإلكترونية*
أنهت قرابة 200 دولة، اليوم الجمعة، مؤتمر الأمم المتحدة لمكافحة التصحر في العاصمة المنغولية أولان باتور من دون التوصل إلى اتفاق ملزم لمواجهة الجفاف، على الرغم من اتساع تدهور الأراضي واشتداد آثار التغير المناخي على المياه والزراعة وسبل عيش مليارات البشر، بحسب وكالة «أسوشيتد برس».
وأرجأت الدول المشاركة للمرة الثانية الحسم في إنشاء معاهدة عالمية ملزمة قانونيًا بشأن الجفاف، على أن يعود الملف إلى طاولة المفاوضات خلال المؤتمر المقبل المقرر عقده في مصر بعد عامين، بعدما فشل الاجتماع السابق بدوره في تسوية الخلافات المحيطة بهذه القضية.
ويأتي التأجيل في وقت تشير فيه تقديرات اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر إلى تدهور ما يصل إلى 40% من أراضي العالم، بما يضعف قدرتها على إنتاج الغذاء وتخزين المياه ودعم سبل العيش، ويجعل المجتمعات أكثر عرضة للصدمات المناخية.
وحذرت الأمينة التنفيذية للاتفاقية، ياسمين فؤاد، من أن الجفاف لم يعد محصورًا في المناطق التي عُرفت تاريخيًا بهشاشتها، بل بدأ يظهر في أقاليم لم تكن قبل عقد واحد ضمن المناطق شديدة التعرض له، مؤكدة أنه أصبح أكثر تكرارًا وحدة واستمرارًا بفعل تداخله مع آثار التغير المناخي.
ولا يتوقف خطر الجفاف عند غياب الأمطار، إذ أوضح خبراء شاركوا في المؤتمر أن حالة التربة قبل انقطاع التساقطات تحدد إلى حد كبير حجم الكارثة. فالتربة السليمة تمتص المياه وتحتفظ بها، بما يساعد المحاصيل والمراعي والأنظمة البيئية على الصمود، بينما تفقد الأراضي المتدهورة المياه بسرعة وتتراجع إنتاجيتها.
وتكتسب هذه العلاقة بين الأرض والماء أهمية متزايدة بالنسبة إلى الأمن الغذائي العالمي؛ إذ يُتوقع أن يحتاج العالم بحلول سنة 2050 إلى إنتاج غذاء يزيد بنحو 50% عما كان ينتجه سنة 2012. غير أن توسيع الإنتاج عبر إزالة المراعي والسافانا والمناطق الطبيعية قد يؤدي إلى مزيد من التدهور وإطلاق الكربون المختزن في التربة.
ورغم تعثر الاتفاق بشأن المعاهدة، أطلق مؤتمر أولان باتور مبادرة لدعم المراعي تضم 45 مشروعًا بقيمة إجمالية تبلغ 1.2 مليار دولار، فيما تعهد البنك الآسيوي للتنمية بتوفير ملياري دولار إضافيين لمكافحة تدهور الأراضي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
وتغطي المراعي، بما فيها الأراضي العشبية والسافانا والمناطق التي تعتمد عليها مجتمعات الرعي، نحو 54% من سطح اليابسة، وتدعم حياة قرابة ملياري شخص. إلا أنها تتحول إلى استخدامات أخرى بوتيرة تقدر بأربعة أضعاف معدل تحويل الغابات، بما يفاقم خسارة التنوع الطبيعي وانبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري.
وتظل فجوة التمويل واحدة من أكبر العقبات التي تواجه استعادة الأراضي، إذ يحتاج العالم إلى نحو 355 مليار دولار سنويًا حتى سنة 2030 لتنفيذ الالتزامات المعلنة، في حين لا يتجاوز الاستثمار الحالي 77 مليار دولار، ما يترك عجزًا سنويًا يقدر بـ278 مليار دولار.
ولا تمثل الأموال الخاصة سوى نحو 6% من الاستثمارات العالمية الموجهة إلى استعادة الأراضي. وفي محاولة لتقليص هذا العجز، أُعلن خلال المؤتمر عن مرفق جديد للاستثمار في الصمود أمام الجفاف، يستهدف تعبئة ما يصل إلى 400 مليون دولار لتمويل الأمن المائي والزراعة المستدامة والحلول القائمة على الطبيعة وإعادة تأهيل الأراضي.
ورغم أن أكثر من 70 دولة أصبحت تمتلك خططًا وطنية لمواجهة الجفاف، بعدما كان عددها ثلاث دول فقط سنة 2013، فإن كثيرًا من هذه الخطط لا يزال يفتقر إلى الموارد اللازمة لتحويل الإنذار المبكر وإدارة المياه والتكيف الزراعي إلى إجراءات ميدانية فعالة.
وبينما تنتظر المفاوضات عامين آخرين لحسم مصير الاتفاق الملزم، لا تملك الأراضي المتدهورة والمجتمعات المهددة ترف الانتظار. فالأرقام التي حملها مؤتمر منغوليا تؤكد أن الجفاف لم يعد أزمة موسمية عابرة، بل تهديدًا عالميًا للأمن الغذائي والمائي والاستقرار الاقتصادي، وأن كلفة التأخر في التحرك قد تتجاوز بكثير كلفة استعادة الأرض قبل فقدانها.
صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الإصطناعي