عندما نخطئ في فهم العلم... نخطئ في فهم الوطن
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
كثيرون يقفون احترامًا للعلم الوطني، لكن قليلين هم الذين يتوقفون لطرح سؤال في غاية الأهمية: لمن يرمز هذا العلم؟ وهل يمثل السلطة؟ أم الحكومة؟ أم النظام السياسي؟ أم يمثل المواطن؟ أم يمثل الأرض التي يعيش عليها الجميع؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ليست مسألة لغوية أو بروتوكولية، بل هي قضية وطنية وثقافية وتربوية، لأن الطريقة التي نفهم بها العلم الوطني هي نفسها الطريقة التي نفهم بها الدولة، والعلاقة بين المواطن ومؤسساتها، وحدود الحقوق والواجبات داخل المجتمع.
فالعلم الوطني لم يُخلق ليكون شعارًا لمؤسسة أو لحكومة أو لحزب سياسي، ولم يُرفع فوق الإدارات والثكنات والمدارس والمحاكم والجماعات الترابية حتى يقال إنه ملك للسلطة، وإنما رُفع فوقها جميعًا ليذكرها بأنها تعمل باسم الوطن ولخدمة المواطن، وأن شرعيتها الأخلاقية والوطنية تستمد من احترامها للقيم التي يجسدها هذا العلم.
فالعلم الوطني هو أولًا علم الأرض التي ورثناها عن الآباء والأجداد، وعلم المواطنين الذين يعيشون فوقها، وعلم الدولة التي وجدت لحماية هذه الأرض وخدمة هذا الشعب. ولذلك فإن كل محاولة لاختزال العلم في السلطة أو ربطه بالأشخاص أو بالمرحلة السياسية، هي اختزال لرمزية وطن بأكمله في جزء صغير من مكوناته.
العلم الوطني... راية الأرض التي لا تباع، وراية المواطن الذي لا تُهدر كرامته
حين يرفرف العلم الوطني فوق سماء الوطن، فإنه لا يعلن وجود حكومة، بل يعلن وجود وطن. ولا يخبر العالم بمن يحكم البلاد، بل يخبره بأن لهذه الأرض شعبًا، ولهذا الشعب تاريخًا، ولهذا التاريخ سيادة لا يجوز المساس بها.
فالعلم يمثل الجبال والسهول والصحارى والأنهار والبحار، ويمثل المدن والقرى، كما يمثل كل مواطن يعيش فوق هذه الأرض، سواء كان مسؤولًا أو موظفًا أو عاملًا أو فلاحًا أو جنديًا أو طالبًا أو متقاعدًا.
ولهذا فإن الاعتداء على الأرض هو اعتداء على العلم، كما أن الاعتداء على كرامة المواطن هو أيضًا اعتداء على المعنى الحقيقي الذي يحمله العلم الوطني، لأن الأرض والإنسان هما جوهر الوطن، وكل ما عداهما وسائل لخدمتهما.
العلم لا يمثل السلطة... بل يذكرها بحدود مسؤوليتها
من أكثر الأخطاء شيوعًا الاعتقاد بأن العلم الوطني يمثل السلطة وحدها، بينما الحقيقة أن السلطة نفسها تعمل تحت راية العلم، وليس العكس.
فالحكومات تتغير، والبرلمانات تتجدد، والمسؤولون يغادرون مواقعهم، والأنظمة السياسية قد تعرف إصلاحات وتطورات، أما العلم الوطني فيبقى ثابتًا لأنه رمز للدولة واستمراريتها، ورمز للشعب الذي يمنح الشرعية لمؤسساتها، ورمز للأرض التي لا تتغير بتغير الحكومات.
ولهذا فإن رفع العلم فوق مؤسسة عمومية ليس امتيازًا يمنح لتلك المؤسسة، وإنما هو تذكير دائم لها بأنها وجدت لخدمة المواطنين، وصيانة حقوقهم، وتنفيذ القانون بعدل وإنصاف، وليس لممارسة السلطة عليهم أو التعالي عليهم.
تحية العلم... ليست ولاءً للأشخاص بل عهدًا مع الوطن
عندما يؤدي المواطن تحية العلم، فإنه لا يبايع مسؤولًا، ولا يجدد ولاءه لحكومة، ولا يمنح ثقته لحزب سياسي، وإنما يجدد عهده مع وطنه، ويؤكد استعداده للمساهمة في حمايته، واحترام قوانينه، والمحافظة على ممتلكاته، والدفاع عن وحدته الترابية، والعمل من أجل تقدمه وازدهاره.
وفي المقابل، فإن الدولة، عندما ترفع العلم فوق مؤسساتها، تعلن أمام مواطنيها أنها ملتزمة بحمايتهم، وضمان أمنهم، وصيانة كرامتهم، وتحقيق العدالة بينهم، وتوفير شروط العيش الكريم، وربط المسؤولية بالمحاسبة، لأن قيمة العلم لا تتحقق بالخطب، وإنما تتحقق عندما يشعر المواطن أن هذا العلم يحمي حقوقه قبل أن يطالبه بواجباته.
إن تحية العلم ليست علاقة من طرف واحد، بل هي عقد أخلاقي متبادل بين المواطن والدولة، يقوم على الوفاء والإخلاص والثقة والمسؤولية.
الوطنية ليست حركة تؤدى... بل سلوك يترجم معاني العلم
لا قيمة لتحية العلم إذا بقيت محصورة في دقائق معدودة داخل ساحة مدرسة أو إدارة أو مؤسسة، بينما تغيب معانيها في الواقع اليومي.
فالموظف الذي يؤخر مصالح المواطنين، والمسؤول الذي يسيء استعمال سلطته، والمنتخب الذي ينسى ناخبيه، والتاجر الذي يغش، والمقاول الذي يبدد المال العام، والمواطن الذي يخرب الممتلكات العمومية أو يتهرب من واجباته... جميعهم يسيئون إلى العلم الوطني، حتى وإن وقفوا كل صباح لتحيته.
فالتحية الحقيقية ليست ما تؤديه الأيدي، وإنما ما تجسده الضمائر، وما تعكسه الممارسات اليومية من نزاهة وإخلاص واحترام للإنسان.
المدرسة... المكان الذي يجب أن يتعلم فيه الأطفال معنى العلم لا طريقة تحيته فقط
إذا أردنا أجيالًا تحمل روح المواطنة الحقيقية، فعلينا أن ننتقل من تعليم الأطفال كيفية أداء تحية العلم إلى تعليمهم لماذا يحيون العلم.
ينبغي أن يفهم التلميذ أن احترام العلم يعني احترام الوطن، واحترام القانون، والمحافظة على البيئة، وصيانة الممتلكات العمومية، واحترام الاختلاف، ونبذ العنف، والإيمان بأن خدمة المواطن ليست منة من أحد، وإنما هي جوهر وجود الدولة نفسها.
فالوطنية لا تُلقَّن بالشعارات، وإنما تُبنى بالتربية، وتترسخ بالممارسة، وتثمر مواطنًا يعتبر أن نجاح وطنه يبدأ من نجاحه في أداء واجبه بإتقان.
العلم الوطني لا يطلب منا أن ننظر إليه... بل أن نكون على قدر معانيه
سيظل العلم الوطني يرفرف فوق مؤسسات الدولة، وفوق المدارس والإدارات والساحات، لكن قيمته الحقيقية لا تقاس بارتفاعه فوق السواري، وإنما بارتفاع القيم التي يرمز إليها في سلوك الأفراد والمؤسسات.
فالعلم الوطني هو راية الأرض التي لا تقبل التفريط، وراية المواطن الذي لا يجوز أن تُمس كرامته، وراية الدولة التي لا تكتمل مشروعيتها إلا بخدمة شعبها وصيانة حقوقه. ولذلك فإن أجمل تحية يمكن أن نقدمها للعلم ليست الوقوف أمامه لدقائق، وإنما أن نحول معانيه إلى ممارسة يومية، فنكون أوفياء للأرض، ومنصفين للإنسان، ومخلصين للوطن.
وعندما يدرك الجميع، مواطنين ومسؤولين، أن العلم الوطني لا يمثل سلطة فوق الشعب، بل يمثل الشعب والأرض والدولة في وحدة لا تنفصم، عندها فقط تصبح تحية العلم فعلًا حضاريًا يرسخ المواطنة، ويحصن الوحدة الوطنية، ويجعل من حب الوطن التزامًا عمليًا يتجدد كل يوم، لا شعارًا يُردد في المناسبات.